من سادات الصحابة

فِراسة نبوية، صادفت نخوة وخلقاً عربياً، فأثمرت صحابياً وفياً أبياً: أبا أمامة، ثمامة بن أثال، سيد بني حنيفة، رضي الله عنه


فِراسة نبوية، صادفت نخوة وخلقاً عربياً، فأثمرت صحابياً وفياً أبياً: أبا أمامة، ثمامة بن أثال، سيد بني حنيفة، رضي الله عنه

الحمد لله القائل واصفاً رسوله الكريم الحليم، ذا الخلق العظيم: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 1٥9].. وصلى الله وسلم على رسوله القائل: «إنَّ الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»[1]. أمَّا بعد:

فإنَّ الإحسان أعلى مراتب الدين، وقد كان لرسولنا الرؤوف الرحيم منه أوفر الحظ والنصيب، ولهذا لم يقتصر إحسانه على صحابته ومن والاه، بل كان شاملاً لمبغضيه وأعدائه، ولمن شانه وقلاه، مما ألان له قلوب الأعراب الغلاظ الجفاة، فسرعان ما يتحول كفرهم وهجرهم وبغضهم له ولدينه إلى إيمان ومحبة ووفاء وولاء، فسبحان ربه جل في علاه الذي اختاره واصطفاه لختم رسله وأنبيائه.

لقد تمثل أصحابه الكرام هذا الخلق الكريم، وتأسوا فيه برسولهم أحسن التأسي، كيف لا وهم نجوم الغبراء ومصابيح الدجى، كما أن النجوم هي مصابيح السماء.

يظهر إحسانه وإكرامه إذا صادف خُلُقاً عربياً ونفوساً كريمة صافية أبية، وشخصية خيرية، وإن كانت جاهلية: «خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا» (الحديث)، وذلك أن الكريم يستعبده الإحسان، ويستفزه ويغضبه الضيم والعدوان، ولله در القائل:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

            وإذا أنت أكرمت اللئيم تمردا

فالكريم يقابل الإحسان بالإحسان، والمعروف بالوفاء والامتنان، مصداقاً لقول الرحيم المنان: {هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ} [الرحمن: 60].

لم يقابل أحدٌ إحسان الرسول وإكرامه قط بأحسن مما قابله به السيد الكريم الوفي، ثمامة بن أثال - رضي الله عنه وأرضاه -.

سنشير في هذه العجالة إلى طرف من حُسن خلق رسولنا وكرمه وإحسانه، وإلى كرم وإحسان وشجاعة ووفاء وصدق هذا الصحابي الذي لقب بسببه بسيد بني حنيف؛ لأنه بيَّض وجوه هذا القبيلة بعد أن شانها وشوّهها وأساء سمعتها مسيلمة الكذاب، فإن كان مسيلمة شؤماً على قومه، فإنَّ ثمامة كان سعداً وبختاً لهم.

قصة إسلام ثمامة - رضي الله عنه -:

أخرج الشيخان وغيرهما من أصاب السنن قصة إسلام هذا السيد الهمام، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خيلاً جهة نجد لينظروا له ما حول المدينة، فبينما هم يتجولون على دوابهم، فإذا برجل قد تقلد سلاحه ولبس الإحرام وهو يلبي قائلاً: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، ويردد إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك).

فأقبل الصحابة عليه، وسألوه: أين تريد؟ فأخبرهم أنه يريد مكة، فنظروا في حاله فإذا هو قد أقبل من ديار مسيلمة الكذاب، الذي ادَّعى النبوة، فربطوه وأوثقوه، وجاؤوا به إلى المدينة ليراه النبي صلى الله عليه وسلم ويقضي فيه ما شاء، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: أتدرون من أسرتم؟ هذا ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة.

ثمَّ قال: اربطوه في سارية من سواري المسجد وأكرموه.

ثمَّ ذهب إلى بيته وجمع ما عنده من طعام وأرسل به إليه، وأمر بدابة ثمامة أن تُعلف ويُعتنى بها وتعرض أمامه في الصباح والمساء. فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما عندك يا ثمامة؟

قال: عندي خير يا محمد.. إن تقتلني تقتل ذا دم – أي سينتقم لي قومي منك –، وإن تنعِم تنعِم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فتركه حتى كان الغد، ثمَّ قال له: ما عندك يا ثمامة؟

فقال: عندي ما قلت لك، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل ما شئتَ.

فتركه حتى بعد الغد، فمرَّ به، فقال: ما عندك يا ثمامة؟

فقال: عندي ما قلت لك.

فلما رأى أنه لا رغبة له في الإسلام وقد رأى صلاة المسلمين، وسمع حديثهم، ورأى كرمهم.

قال صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة.

فأطلقوه، وأعطوه دابته، وودعوه.

فانطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثمَّ دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. يا محمد! والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليَّ.. والله ما كان دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليَّ.. والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد إليَّ.

ثمَّ قال: يا رسول الله، إنَّ خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله وأمره أن يعتمر، فلما قدِمَ مكة قال له قائل: أصبوتَ؟ فقال: لا، لكني أسلمت مع رسول الله، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم»[2].

وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: (وأخرجه ابن إسحاق في المغازي – أي خبر ثمامة – عن سعيد المقبري مطولاً وأوله: أن ثمامة كان عرض لرسول الله، فأراد قتله، فدعا رسول الله ربه أن يمكنه منه، فلما أسلم قدِمَ مكة معتمراً، فقال: والذي نفسي بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة – وكانت ريف أهل مكة – حتى يأذن فيها رسول الله)[3].

حبسه المبرة من قريش عقوبة لهم على كفرهم:

وقال ابن عبد البر: (وكانت مبرة قريش ومنافعهم من اليمامة، ثمَّ خرج فحبس عنهم ما كان يأتيهم منها من مبرتهم ومنافعهم، فلما أضرهم كتبوا إلى رسول الله: إن عهدنا بك وأنت تأمر بصلة الرحم، وتحض عليها، وإن ثمامة قد قطع عنا مبرتنا وأضرَّ بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يخلي بيننا وبين مبرتنا فافعل. فكتب إليه رسول الله: «أن خل بين قومي وبين مبراتهم»)[4].

تبرُّؤ ثمامة من مسيلمة، ونصحه قومه، واعتزالهم، وانحيازه لجانب المسلمين:

كان ثمامة - رضي الله عنه - صادقاً في إيمانه، مخلصاً لدينه، ناصحاً لعشيرته، متخلياً عن الحمية الجاهلية والعصبية القبلية، ثابتاً على موقفه.

قال ابن إسحاق - رحمه الله -: (ارتد أهل اليمامة عن الإسلام غير ثمامة بن أثال – باتِّباعهم مسيلمة الكذاب – ومن اتبعه من قومه، فكان مقيماً باليمامة، ينهاهم عن اتباع مسيلمة وتصديقه، ويقول: إياكم وامْرأ مظلماً لا نور فيه، وإنه لشقاء كتبه على الله - عز وجل - على من أخذ به منكم، وبلاء على من لم يأخذ به منكم يا بني حنيفة.

فلما عصوه ورأى أنهم قد أصفقوا – عزموا – على اتباع مسيلمة، عزم على مفارقتهم، ومرَّ العلاء ابن الحضرمي ومن تبعه على جانب اليمامة – وهو ذاهب إلى البحرين – فلما بلغه ذلك قال لأصحابه من المسلمين: إني والله ما أرى أن أقيم مع هؤلاء مع ما قد أحدثوا، وإن الله تعالى لضاربهم بليلة لا يقومون بها ولا يقعدون، وما نرى أن نتخلف عن هؤلاء وهم مسلمون، وقد عرفنا الذي يريدون، وقد مروا قريباً، ولا أرى إلا الخروج إليهم، فمن أراد الخروج منكم فليخرج، فخرج مُمِداً للعلاء بن الحضرمي، ومعه أصحابه من المسلمين، فكأن ذلك قد فثَّ في عضد عدوهم حين بلغهم مدد بني حنيفة.

وقال ثمامة بن أثال في ذلك شعراً:

دعانــا إلى تـرك الديانــة والهــدى

            مسيلمة الكذاب إذ جاء يسجع

فيا عجبــاً مـن معشــر قد تتابعــوا

            له في سبيل الغي والغي أشنع

في أبيات كثيرة وفي آخرها:

وفي البعد عن دار وقد ضل أهلها

            هدى واجتماع كـلُّ ذلك مَهْيعُ)[5]

نصيحة راشدة وضلال أصم:

سجل الشهيد المحدث المؤرخ أبو الربيع سليمان الكلاعي المتوفى 634 هـ، النصيحة الراشدة التي صدع بها ثمامة، فقوبلت بضلال أصم، حيث لم تصادف قلوباً واعية ولا آذاناً صاغية ولا نفوساً زاكية، قائلاً: (وقام ثمامة بن أثال الحنفي في بني حنيفة فقال: اسمعوا مني وأطيعوا أمري ترشدوا، إنه لم يجتمع نبيان بأمر واحد، إنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم لا نبي بعده ولا نبي مرسلاً معه، ثمَّ قرأ: {حم (١) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ إلَيْهِ الْـمَصِيرُ} [غافر: ١ - ٣]، هذا كلام الله عز وجل، أين هذا من: (يا ضفدع نقي كما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشرب تمنعين، ولا الماء تكدرين).

والله إنكم لترون أن هذا الكلام ما يخرج من ال – من الإله – وقد استحق صلى الله عليه وسلم أمراً أذكر به، مرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على دين قومي، فأردت قتله، فحال بيني وبينه عمير، وكان موفقاً، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمي، ثمَّ خرجت معتمراً، فبينما أنا أسير، وقد أظللت على المدينة، أخذتني رسله، في غير عهد ولا ذمة – فلو قتلوني لذهب دمي هدراً – فعفا عن دمي، وأسلمت، فأذن لي في الخروج إلى بيت الله، وقلت: يا رسول الله! إن بني قشير قتلوا أثالاً في الجاهلية، فأذن لي أغزهم. فغزوتهم وبعثت إليه بالخمس، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام بهذا الأمر من بعده رجل هو أفقههم في أنفسهم، لا تأخذه في الله لومة لائم، ثمَّ بعث إليكم رجلاً لا يسمى باسمه ولا اسم أبيه، يُقال له: سيف الله، معه سيوف الله كثيرة، فانظروا في أمركم، فآذاه القوم جميعاً، أو من آذاه منهم، قال ثمامة:

مسيلمــة ارجــع ولا تَمَحَّــك

            فإنـك فــي الأمــر لـم تُشــرك

كذبــت على الله فــي وحيــه

            فكـــان هواك هــوى الأنــوك[6]

ومنـــاك قومـك أن يمنعــوك

            وإنْ يأتهــم خالــد تتـــــــــرك

فمالك من مصعد في السمـاء

            ولا لك في الأرض من مسلك

العظات والعبر التي يمكن أن تستفاد من موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثمامة، وموقفه هو - رضي الله عنه - من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الإسلام، ومن قومه؛ كثيرة، منها:

1. حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرمه، وإحسانه مع أعدائه.

2. عفوه صلى الله عليه وسلم عند المقدرة.

3. فراسته الصادقة ونبوته الحقة التي لا يدانيه فيها أحد من خلق الله عز وجل.

4. صدق ثمامة - رضي الله عنه -، وشجاعته، وصراحته، وثباته.

5. وفاؤه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما وعد به.

6. تجرده وإخلاصه لدينه، وتخلصه من شوائب الجاهلية.

7. تجلي عقيدة الولاء والبراء لديه.

8. نصحه قومه وحرصه على هدايتهم.

9. سلامة العرب من خلق النفاق قبل الإسلام سوى ما كان لنفر في المدينة بسبب مخالطتهم ومجاورتهم اليهود الضالين الأشرار.

موقفه من الردة:

كان له مقاماً حسناً، ووقفة مشرفة في الردة، وفي إنكاره لبني حنيفة، ونصحه لهم.

أنشد في الإنكار على بني حنيفة أشعاراً عديدة، منها:

أَهِمَّ بتــرك القــول ثــمَّ يردنــي

            إلى القول إنعام النبي محمد

شكرت له فبكى من الغل بعدما

            رأيت خيالاً من حسام مهنـد

ألا رحم الله ثمامة بن أثال، ورضي الله عنه، وعن سائر أصحاب رسول الله، وحشرنا الله في زمرتهم، ووفّقنا للسير على طريقتهم والتأسي بهم، فمن كان مستناً فليستنَّ بهم كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -.

وصلى الله وسلم وبارك على أشرف خلق الله أجمعين، سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 :: مجلة البيان العدد 308 ربيع الآخر 1434هـ، مارس 2013م.


[1] مسلم رقم 1955.

[2] مختصر صحيح مسلم للمنذري – كتاب السير – باب في ترك الأسارى والمن عليهم رقم 1152؛ والبخاري.

[3] الإصابة لابن حجر، طبع بيت الأفكار الدولية، ص160.

[4] الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبدالبر، ج 1/288.

[5] الاستيعاب، المصدر السابق.

[6] الأنوك: الأحمق (الخلافة الراشدة والبطولة الخالدة في حروب الردة - للشهيد المحدث الكلاعي).

 

 

أعلى