كيف تحوّلت شركة الهند الشرقية من «دولة تجارية متغطرسة» إلى قوة مهزومة أمام سلطان مسلم حازم، ولماذا أخفى التاريخ الاستعماري الغربي لحظة إذلالها على يد السلطان أورانجزيب في الهند؟
وصل الإنجليز إلى الهند في مطلع القرن السابع عشر الميلادي، عبر
«شركة
الهند الشرقية»،
التي صدر بتأسيسها مرسوم من الملكة إليزابيث الأولى (1558- 1603م) في اليوم الأخير
من عام 1600م؛ امتثالًا لطلب النُّخبة التجارية الاستعمارية الصاعدة في لندن،
وخوَّلتها المَلِكة احتكار تجارة بلدان شرق آسيا والهند، وهدَّدت بفَرْض عقوبات
قاسية على أيّ شركة إنجليزية أخرى تُنافسها على تجارة هذه البلدان.
ولم تكن الهند هي وجهة الشركة، في البداية، وإنما جزر الهند الشرقية أو جزر الملوك
(إندونيسيا حاليًّا) الغنية بالتوابل، ولكن عندما وصلت الشركة إلى هذه الجزر، وجدت
أن الهولنديين قد سبقوها إليها، ولم تستطع كسر احتكارهم لتجارتها؛ فلجأت، عندئذ،
إلى تجارة الهند وفارس، مُتوسِّلة بالوفود الدبلوماسية إلى ملوك هذين البلدين[1].
وسنُطلق عليها في هذا المقال اختصارًا
«الشركة»،
أو
«الشركة
الإنجليزية».
ماهية وأهمية الشركة الإنجليزية
لا يغُرّنكم هذا الاسم (الشركة)، فقد كانت دولة عسكرية متنقلة، تملك الأساطيل
والمدافع ومختلف الأسلحة، ولديها جيش ومخازن للأسلحة والذخيرة، ولديها صلاحيات
بالغزو وخوض الحروب، واحتلال الأراضي، وإقامة المستعمرات عليها وحُكمها، وسكّ
العملات فيها، وعقد التحالفات والاتفاقيات الاقتصادية والسياسية مع الدول، ولديها
أيضًا مَحاكم وتشريعات قضائية وسجون، وتمارس سُلطة مُطلقة على شَعبها الخاص، إلى
جانب إقامة المراكز التجارية وممارسة التجارة.
وكان لدى الشركة أيضًا علماء فلك، وعلماء اقتصاد، وعلماء نبات، وعلماء آثار. الفريق
الأول: للمساعدة في مهمات الإبحار، والثاني: لمعرفة السلع التجارية، والثالث:
لانتقاء الفصائل المنتجة لزراعتها في المستعمرات، والرابع: لجمع الآثار والتحف
والمخطوطات. وكان العلماء (نيوتن، بويل...) من كبار المساهمين فيها.
وهذا ينطبق، إلى حد ما، على الشركات الاحتكارية المنافسة لها، كشركة
«الهند
الشرقية»
الهولندية (1608م)، وشركة
«الهند
الشرقية»
الفرنسية (1664م). ولكن الشركة الإنجليزية، تفوّقت على هذه الشركات، واحتكرت تجارة
الهند وآسيا، وصارت إنجلترا هي القوة البحرية الأولى في العالم؛ لطول ممارسة
الإنجليز للملاحة، ومواهبهم الملاحية الفائقة، وبراعتهم في قيادة السفن، وقدرتهم
على تحمُّل أخطار البحار وشدائدها، فالبحر كان دائمًا ميدان إنجلترا الأول، وبخاصة
في القرن السابع عشر، الذي يسمى في تاريخ إنجلترا، فترة المغامرات التجارية
(والصحيح: القرصنة التجارية)، بعد أن تألّق نجمها البحري بفضل انتصار أسطولها على
«الأرمادا»
الإسبانية (1588م)؛ ذلك الانتصار الذي أكسب الإنجليز قوة معنوية هائلة، وثقة مطلقة
بأنفسهم، وأثار حماسهم لأقصى حدّ لمنافسة الدول الاستعمارية الأخرى على نَهْب خيرات
البلدان الشرقية، وكانت هذه الشركة واجهة للاستعمار الإنجليزي للهند وإيران والخليج
العربي وجنوب اليمن وعدد من بلدان آسيا، ويده الضاربة لقَهْر شعوبها، وكانت
الإمبراطورية الإنجليزية تقف خلفها بكل قوتها وإمكانياتها، فقد كان النبلاء
الإنجليز هم أرباب التجارة والصناعة في إنجلترا، وهم مَن يحكم الإمبراطورية، عبر
البرلمان، الذي يُشكِّلون غالبية أعضائه.
ورغم أن الهند لم تكن هي وجهة الشركة في البداية، إلا أنها صارت وجهتها الرئيسية،
بعد أن أدركت أنها
«بقرة
حلوب»،
وصارت عملية الاستئثار بهذه الغنيمة الكبرى، معركة حياة أو موت بالنسبة لإنجلترا،
فقد كانت الهند موردًا عظيمًا للمواد الخام اللازمة للصناعة الإنجليزية، وللمواد
الغذائية اللازمة للشعب الإنجليزي، الذي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الخارج في
غذائه، كما كانت الهند سوقًا كبيرة لتصريف مصنوعات الجزر الإنجليزية؛ تلك الجزر
المعزولة في أقصى شمال أوروبا الغربي، بعيدًا عن قلب العالم القديم وطرق التجارة
والملاحة.
الهند غداة وصول الشركة الإنجليزية إليها
في بداية القرن الـ17، كانت الهند تحت حكم سلطنة المغول
«المسلمين»،
وكان بابر (حفيد تيمورلنك)، قد أسَّس هذه السلطنة عام 1526م، وكان الجالس على عرش
دهلي، عاصمة السلطنة، وقتذاك، هو السلطان جهانكير (1605- 1627م)، رابع السلاطين،
وكانت السلطنة، عندئذ، في أَوْج قوتها، وإن كان جنوب الهند (الدكن) غير خاضِع لها،
وإنما خاضع للأمراء الهندوس والشيعة، وكانت إمارات هؤلاء تفصل بين السلطنة المغولية
والمستعمرات البرتغالية في سواحل الهند الغربية (المليبار)، بل كانت من الأسباب
الرئيسية لوجود البرتغاليين الطويل هناك، وسيطرتهم على تجارة الهند، والتي بدأت في
أعقاب اكتشافهم لطريق رأس الرجاء الصالح (1498م)، قبل تأسيس السلطنة المغولية
بثلاثة عقود، وكانت أقدام البرتغاليين، حينذاك، قد رسخت فيها، وأخفقت حملات
المماليك والعثمانيين عن إخراجهم منها لتحالفهم مع الهندوس والصفويين.
فلما وصل الإنجليز إلى الهند، قابلهم البرتغاليون بعدائية، واشتعلت نيران الحرب
بينهم (1612- 1615م)، ولكنّ الإنجليز انتصروا عليهم، فَسُرّ بذلك المسلمون؛
لكراهيتهم الشديدة للبرتغاليين. ونتيجةً لذلك، ولما امتاز به الإنجليز، في ذلك
الوقت، من التظاهر بالبراءة وحُبّ الخير والحرص على الوفاء بالعهود والمواعيد،
وترفُّقهم إلى غاياتهم بالمكر والدهاء، بل والذلة والمسكنة، إن لزم الأمر، على عكس
ما كان عليه البرتغاليون، من صَلَف وعدوانية وتعصُّب للصليب وحِقْد أعمى على
المسلمين؛ فقد أذن لهم السلطان جهانكير بإقامة مركز تجاري في سورات على ساحل الهند
الغربي (1612م)، وآخر في جاسك (1617م).
وفي نفس العام أذن الشاه عباس الصفوي (1571- 1629م) للشركة بإنشاء 7 مراكز تجارية
في شيراز وأصفهان، وتعاونت بَحْرية الشركة مع الشاه، في إسقاط قلعة البرتغاليين في
هرمز (1622م)، فسمح لها بإقامة مركز تجاري في بندر عباس، وبذلك انتهت مرحلة
التفوُّق البرتغالي في الشرق، وبدأت مرحلة التفوق الإنجليزي.
وفي عام 1639م اشترت الشركة من ملك مملكة فيجايانجر الهندوسية المتداعية، منطقة
بطول ثلاثة أميال على ساحل الهند الجنوبي الشرقي، فشيَّدت عليها قلعة، وشكَّل ذلك
أول تجمُّع بريطاني مُهِمّ في الهند، وقد تطوَّر هذا الموقع تدريجيًّا ليتحوّل
لاحقًا إلى مدينة مدراس، والتي أصبحت قاعدة لعمليات الشركة التجارية في الهند. وكان
ذلك في عهد السلطان شاه جهان (1628- 1658م) الذي ثبَّت قواعد السلطنة المغولية،
وضمّ إليها ولايات أحمد أباد وجولكندا وبيجابور، في الدكن بقيادة ابنه الثالث
أورانجزيب، وهاجم البرتغاليين واستولى منهم على هوجلي (1632م)، ودخل في حرب ضد
الصفويين واسترد منهم قندهار وبدخشان وبلخ.
شخصية السلطان أورانجزيب
هو أبو المظفر محيي الدين محمد أورانجزيب عالمكير[2]،
وُلِدَ في 1618م، وتولى في 1658م، وتُوفِّي في 1707م، عن عُمر يُناهز 86 سنة، وحكم
50 سنة، وهو سادس سلاطين المغول بالهند، وأقواهم وأعظمهم وأفضلهم.
وثَبَ على عرش السلطنة المغولية بعد انتصاره على إخوته، في الصراع الدموي الذي نشَب
بينهم على العرش، في أثناء مرض أبيهم شاه جهان، قاطعًا الطريق على أخيه الأكبر ولي
العهد (دارا) في الوصول إلى العرش؛ لأنه كان من أنصار
«الدين
الإلهي»،
تلك البدعة الهَدَّامة التي زعزعت كيان الإسلام، والتي ابتدعها جده السلطان الأمي
أكبر خان (1556 -1605م)، بإغواء ومعاونة من بطانته شيعة الفرس: فلاسفة وأدباء
وفنانين، وغيرهم من الانتهازيين وعلماء السوء، مدعيًا الجمع بين مزايا الإسلام
والهندوكية والأديان الأخرى.
حكم أورانجزيب الهند بمنهج الإسلام لأول مرة منذ تأسيس السلطنة المغولية[3]،
وبدأ حُكمه بمنع الخمر والأفيون والغناء والرقص والموسيقى، وحظر الزنا والقمار،
وعيَّن المحتسبين لمراقبة الآداب العامة بالمدن، وإلزام الفتيان بالصلاة، وألغى
سجدة التحية للسلطان التي ابتدعها السلطان أكبر، وامتاز بالتواضع والتقوى والصلاح
والعدل والنزاهة والفطنة السياسية والكفاءة الإدارية، ورفع راية الجهاد عالية
خفاقة، وافتتح إمارات الهندوس والشيعة في جنوب الهند بعد حروب طاحنة، وحارب السيخ
في البنجاب وقتل زعماءهم، فلجأ معظمهم إلى جبال الهملايا، وأخضع القبائل الأفغانية
الفوضوية والأمراء الانفصاليين، وفرض الجزية على الهندوس والسيخ والنصارى، ووصلت
قواته إلى حدود الصين، وبحلول العام 1700م كان قد وحَّد شبه القارة الهندية كله تحت
رايته، وهذا يحدث لأول مرة في تاريخ الهند.
كما قام بمحاربة البدع والخرافات والطقوس المُستحكمة، ولم يَبْنِ أورانجزيب حدائق
ترفيهية أو قصورًا أو أضرحة، كعادة أسلافه، وإنما بنى الكثير من المساجد، ورَمَّم
ما تَهدَّم منها، وأحيا السُّنَّة وأعاد الاعتبار لعلماء السُّنة، الذين كان أسلافه
قد هَمَّشُوهم، وشَجَّعهم على نَشْر العلم والعمل به، وحال دون قدوم الشيعة
والصوفية إلى الهند، ونحَّى الهندوس عن المراكز الحكومية المهمة، التي كان أسلافه
قد وضعوهم فيها؛ حرصًا على الوحدة الهندية، كما زعموا، وهدم المعابد الوثنية التي
بُنِيَتْ في غير أماكن المعابد القديمة.
وظل ينشر الشريعة الإسلامية الصحيحة ويَذُبّ عنها حتى وفاته. ولولا أن الله تدارك
الهند بهذا السلطان المسلم العالِم العامِل المجاهد، وبالعلماء الإصلاحيين، الذين
ظهروا فيها خلال هذه الفترة؛ لمَا بقي بالهند مسلمون على النحو الذي نعرفه اليوم،
ولانصهر معظمهم، ربما في الدعوات التوفيقية بين الأديان، التي اشتهرت بها الهند.
السلطان أورانجزيب والشركة الإنجليزية
بخصوص علاقة السلطان أورانجزيب بالشركة الإنجليزية؛ فقد توسَّع في مَنْح الامتيازات
التجارية لها، لبلاء أسطولها في قتال البرتغاليين، ولمساندة أسطولها له في صدّ غارة
هندوس المراثا الثائرين عليه في جنوب الهند، وما أظهره القائد الإنجليزي من شجاعة
أشاد بها السلطان، ولإنعاش اقتصاد البلاد، جراء تصدير منتجاتها الزراعية والحرفية،
واستفادة الدولة من الرسوم الكبيرة، التي كانت تدفعها الشركة، رغم أن نسبة الضريبة
على الصادرات كانت 2% فقط.
وفي 1668م أصدر السلطان أورانجزيب مرسومًا يُخوِّل الشركة الإنجليزية إنشاء مركز
تجاري لها في جزيرة بومباي، الواقعة على ساحل بحر العرب، لقاء إيجار سنوي رمزي قدره
10 جنيهات ذهبية؛ تأكيدًا لاعترافها بسيادته عليها، فقد كانت هذه المنطقة مستعمرة
برتغالية، فتنازل عنها البرتغاليون للشركة الإنجليزية كهدية لملك إنجلترا شارل
الثاني، عند زواجه من كاترين أخت ملك البرتغال، واشترط السلطان على الشركة، أن
تكفيه الشر الذي يأتي من هذه الجهة، فقد كان هندوس المراثا مصدرًا مستمرًّا للقلاقل
في هذه المنطقة؛ إذ كانوا يُغِيرُون عليها وينهبونها بقيادة زعيمهم شيفاجي.
وأيًّا كان الأمر، فقد كان لهذا المرسوم أهمية بالغة؛ إذ أرسى حقوق الشركة
وامتيازاتها في بومباي، بما في ذلك حقها في التجارة وتأسيس قاعدة لأنشطتها التجارية
في المنطقة، وقد وضع هذا المرسوم حجر الأساس لتوسُّع الشركة الإنجليزية ومدّ نفوذها
في الهند. لقد منح أورانجزيب، وهو السلطان القوي اللبيب الحازم، تلك الامتيازات
للشركة الإنجليزية لما فيه مصلحة بلاده ورعيته، ثم إنه لم يَخُصّها بهذه
الامتيازات، فقد منح امتيازات مثلها للشركة الهولندية وللشركة الفرنسية، ومنح لهم
هذه الامتيازات من منطق قوة وفرض شروطه عليها، ولم يكن لديه أدنى خوف من تهديد
قواتها العسكرية، التي كان الغرض المُعْلَن منها، حماية مخازن الشركة وتجارتها.
ولكنّ الشركة الإنجليزية بدأت شيئًا فشيئًا، تتجاوز حدودها، فتطلعت إلى السيطرة على
البنغال، تلك الولاية المهمة في الشرق، فقد كانت أكثر المناطق ازدهارًا وربحية
للتجارة الأوروبية، لوَفْرة سِلَعها التصديرية وانخفاض أسعارها، وكان لُعَاب الشركة
الإنجليزية يسيل على خيراتها، فعزم رئيس الشركة على ترسيخ وجود شركته فيها، وكان
يعتقد أن انشغال السلطان بمواجهة حرب العصابات التي يشنّها المتمردون الهندوس، فرصة
مناسبة
«لإرساء
أُسُس سيادة إنجليزية واسعة وراسخة ومستقرة في الهند إلى الأبد».
فعيَّن ممثلًا للشركة في البنغال (1682م)، وعهد إليه أن يضغط على والي البنغال (عم
السلطان)، لمنح الشركة أرضًا مستقلة، وحق بناء قلعة على نهر هوغلي.
تهوُّر الشركة وانتقام السلطان منها
بيد أن الوالي رفض هذا الطلب، واستشعر نية الشركة السيئة مِن ورائه، فرَدّ على ذلك
برفع نسبة الضريبة على الصادرات من 2% إلى 3.5%، كإجراء عقابي للشركة؛ بسبب
تهرُّبها من دفع الضريبة وغطرستها، وقام بتشديد الرقابة على التجارة، فعارَض مدير
الشركة الإنجليزية الزيادة في الضريبة، وهدَّد بالاستيلاء على موانئ جديدة بالقوة.
لكنّ والي البنجاب أنفَذ أمره بزيادة الضريبة غير مُبَالٍ بذلك التهديد. وعندها
تورَّم أنف مدير الشركة من الغضب، وشرع في الاستعداد للحرب، وسارع بطلب الدعم من
لندن، وانضم إلى قواته 2000 مقاتل هندوسي، إضافة إلى مئات المقاتلين المرتزقة من
البنغاليين والبرتغاليين، فنشرتهم القيادة الإنجليزية داخل السلطنة المغولية؛
لإثارة القلاقل والإخلال بالأمن، وعرقلة تحركات الجيش المغولي، وقطع طرق التجارة
المغولية، ولبَّى ملك إنجلترا النداء، فبعث إلى الهند أسطولًا حربيًّا مُكوَّنًا من
19 سفينة وستمائة بحار محترف ومائتي مدفع، وانضم إليهم أربعمائة مقاتل إنجليزي من
مدراس، وتحرَّكت بحرية الشركة لحصار الموانئ المغولية في كونكان وغوجارات والبنغال،
وللسيطرة على الطريق البحري للتجارة والحج إلى مكة، وشرعت السفن الإنجليزية
والقراصنة التابعون لها بمداهمة سفن المغول المدنية والتجارية والاستيلاء عليها.
وتوغَّلت القوات الإنجليزية في البنغال، للاستيلاء على ميناء شيتاغونغ، لإنشاء
قاعدة عسكرية هناك، واحتلال الأراضي المحيطة بها، لكنّها هُزمت ورُدَّتْ على
أعقابها بعد أن تكبَّدت خسائر فادحة. وبلغت العمليات العدوانية للشركة الإنجليزية
ذُروتها، عندما قام مرتزقة تابعون لها بإيعاز من حاكم بومباي ومدير الشركة، بمهاجمة
قافلة كانت تحمل الميرة للجيش المغولي من سورات إلى الدكن، واستولوا عليها
(يناير1689م)، وأيضًا عندما تعرَّضت قواتها لسفينة هندية كانت تحمل الحُجّاج،
وأَسَرَتْهُم.
ولمَّا علم السلطان أورانجزيب بذلك، وكان وقتها منشغلًا بقتال هندوس المراثا في
الدكن؛ استشاط غضبًا، وأصدر أوامره بالاستيلاء على مراكز الشركة في الهند كلها
ومصادرة تجارتها واعتقال عناصرها. فتم ذلك، وسقط مقر الشركة الرئيسي في ميسور،
فنقلت مقرها إلى جزيرة بومباي وتمركزت قواتها هناك، فبعث السلطان أسطولًا يحمل 14
ألف مقاتل إلى بومباي، فتمّ دكها بالمدافع، وقُتِلَ من الإنجليز المئات، وتحصَّن
الباقون في قلعة المدينة، وانشق عنهم 115 مقاتلًا أوروبيًّا، بينما اختار الهندوس
القتال حتى الموت، ثم فرض الجيش الحصار على القلعة، ولم يُحاول اقتحامها، وإنما
اكتفى بحصارها؛ لعل ذلك للإمعان في إذلال الإنجليز، ولتلقينهم درسًا لن ينسوه. وعلى
إثر ذلك، فقدت الشركة كلّ مصالحها التجارية في الهند، وتلاشى نفوذها فيها تقريبًا.
الاستسلام الإنجليزي المُخزي
مضى عام وقلعة الشركة في بومباي لا تزال مُحاصَرة، رغم التوسلات والمناشدات، وهنا
قرَّرت الشركة تشكيل وفد رفيع المستوى، وبعثته إلى بلاط السلطان أورانجزيب في دهلي؛
لطلب الصفح، والاعتذار عما حدث، والتماس رفع الحصار عن القلعة، والتوسُّل لمنح
الشركة الإذن باستئناف نشاطها، وركع الوفد أمام حذاء السلطان خاشعًا متذللاً، بصورة
مُخزية ومهينة، كما تظهر ذلك لوحة فرنسية، وهي صورة تكشف المستعمرين على حقيقتهم،
من حيث كونهم نموذجًا للوضاعة ودناءة النفس والصَّغَار، وأن ما يتظاهرون به، عند
تسلُّطهم على الشعوب الضعيفة، من الكبرياء والاستعلاء وشموخ الأنوف، ليس سوى طلاء
خارجي برّاق يضعونه على وجوههم الصفيقة، ليخدعوا به تلك الشعوب، وهي أيضًا مثال حي
لقاعدة
«الغاية
تُبرّر الوسيلة»،
التي يؤمنون بها.
ولم يقبل السلطان اعتذارهم، ويرفع الحصار عن قلعتهم، إلا إذا دفعوا غرامة باهظة
قدرها مليون ونصف مليون روبية، وطردوا مدير الشركة الذي تسبَّب بحماقته في نكبة
الشركة، والتعهُّد بتحسين سيرتهم وسلوكهم مستقبلًا. فامتثلوا لتلك الشروط، وهم
أذِلَّة صاغرون، وعندئذ أصدر السلطان أوامره برفع الحصار عن القوة الإنجليزية في
قلعة بومباي، ولم يكن قد تبقى منها على قيد الحياة سوى 60 إنجليزيًّا.
وفي 1690م أصدر السلطان مرسومًا يُخوّل الشركة ممارسة التجارة في بلاده، معلنًا أن
الشركة الإنجليزية
«برغوث
في ظهر فِيلِه السلطاني»،
وقد نالت العقاب. وهذه الحادثة، أغفلها المؤرخون الإنجليز والمستشرقون عمدًا، أو
أنهم يختزلونها ببضع كلمات فقط؛ حرصًا على مَحْو وَصْمة العار من جبين الإمبراطورية
الإنجليزية، وعدم خَدْش هيبة الآباء المُؤسِّسين أمام الأجيال الإنجليزية الجديدة،
في الوقت الذي قاموا فيه بتشويه صورة هذا السلطان العظيم المسلم الملتزم، فقالوا:
إنه
«طاغية
لا يَرْحم قط»،
ووصفوه بالتعصُّب والتشدُّد والتزمُّت، بل ورماه بعضهم بالجنون، بينما هم يشيدون
بالسلطان
«أكبر
خان»،
ويعطونه هالةً من العظمة؛ لأنه مرق عن الإسلام، وأظهر الكفر والإلحاد.
وأخيرًا وليس آخرًا، استأنفت الشركة نشاطها، ووُلدت ولادة جديدة في الهند في هذا
التاريخ (1690م)، وفهمت الدرس جيدًا، وظلت تمارس تجارة هادئة، دون غطرسة أو استعراض
للقوة لمدة خمسين عامًا، بعد وفاة أورانجزيب، ربما ريثما تُعوِّض خسارتها الفادحة
جراء النكبة التي ألحقها بها، ولم تتحوَّل إلى قوة استعمارية غازية، إلا في منتصف
العقد السادس من القرن الـ18، وكانت السلطنة المغولية، حينها، قد انقسمت إلى مئات
الممالك، وانكسر ظهرها جراء غزوة غادرة تَعرَّضَت لها عام 1739م، مِن قِبَل نادر
شاه: طاغية فارس[4].
[1] كانت أول سفارة إنجليزية إلى الهند هي سفارة السير توماس رو (1615م) من الملك
جيمس الأول (1603- 1625م) إلى السلطان جهانكير (1605- 1627م). وقد كتب هذا السفير
إلى الأمير تشارلز (الملك تشارلز لاحقًا) يُحدّثه فيها عن الثراء الباذخ للسلطان
جهانكير، قائلاً:
«بخصوص
الجواهر في مجموعته، فإنها تُعدّ ذخيرة الدنيا، يشتري الإمبراطور كل ما يرد إليه،
ويجمع الأحجار الكريمة، يرتبها في أكوام كأنها ليست للارتداء، ولكن لإشادة بناء».
ولم يُحقّق هذا السفير الكثير، لكنّه نصح التجار الإنجليز بعدم اللجوء إلى السيف،
كما فعل البرتغاليون والهولنديون، مُحذِّرًا إيّاهم من قوة السلطنة المغولية.
[2] أورانجزيب: يعني زينة العرش. وعالمكير: يعني فاتح العالم. وهو سلطان مسلم عظيم
شَوَّه أعداءُ الإسلام تاريخَه. وسيرتُه تحتاج إلى مجلد ضخم، وقد اكتفينا هنا
بإيراد أقل القليل منها. ويُكتَب اسمه بطرق مختلفة: أورنجزيب، أورانكزيب، أورنغ
زيب، وغير ذلك.
[3] كان غرض بابر المغولي من غزو الهند: إقامة دولة كبرى له ولأبنائه، بعد أن عجز
عن إقامتها في بلاده (ما وراء النهر)؛ لنفور المسلمين هناك منه، وإخراجه من سمرقند
إلى كابل، لتحالفه سابقًا مع الشاه إسماعيل الصفوي، وعندما أقام بابر دولته الجديدة
بالهند، أوصى ابنه وولي عهده (همايون) بأن يترك الطوائف في الهند وشأنها، وينأى
بنفسه عن الصراع بين السنة والشيعة، وأن يترك ذبح البقر. فلما تولَّى همايون أظهر
التشيُّع للحصول على دعم الصفويين، وفتح أبواب الهند للغزو الثقافي الفارسي، فكان
أبرز ضحايا هذا الغزو ابنه والسلطان من بعده (أكبر خان)، وكان أُمِّيًّا لا يقرأ
ولا يكتب، فابتدع دينًا جديدًا اسمه
«الدين
الإلهي»،
وأمر الناس بالسجود له، وهدم المساجد، وتزوَّج بالهندوسيات وشجَّع على ذلك، وأسقط
الجزية، وأسقط حد الردة... إلخ. وحكم بعده ابنه جهانكير (وأُمّه هندوسية)، فأوقف
بدعة
«الدين
الإلهي»؛
لأنها أغضبت الهندوس والمسلمين، ولكنه أبقى على الكثير مِن بِدَع والده، وحكم بعده
ابنه شاه جهان، فأمسك العصا من الوسط، وظل الإسلام مستبعدًا من الشأن العام بالهند،
إلى أن تولى أورانجزيب ابن شاه جهان.
[4] رغم أن عملية انفصال مئات الإمارات عن السلطنة المغولية بالهند كانت سابقة لهذه
الغزوة، إلا أنها، بعد المذبحة التي ارتكبها نادر شاه بدهلي، ونهبها، وتقويض السلطة
المركزية فيها؛ عزَّزت من استقلال تلك الإمارات، وكان الإنجليز أكبر المستفيدين من
ذلك، فكانت هذه الغزوة، بالتالي، من العوامل المُهمَّة في تعجيل احتلالهم للهند.
فهل كان الإنجليز، حلفاء الفرس، آنذاك، وراء هذه الغزوة؟!