• - الموافق2026/01/21م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
المرأة الغربية في الفكر المسيحي واليهودي

كيف أسهمت التفسيرات الدينية والتاريخ الكنسي والفلسفي الغربي في تكريس صورة المرأة بين القداسة واللعنة، وما أثر ذلك في تشكّل الوعي الأوروبي والأدبي تجاه المرأة حتى العصر الحديث؟

 

الثابت في نصوص الإنجيل، وما رُوِيَ عن المسيح -عليه السلام- أنه كان يُكرم أُمّه، ويُحْسِن معاملتها، وكانت علاقته بها أساسها البِرّ والرحمة، وسار على نهجه أتباعُه، فحَسَّنوا من معاملتهم لنسائهم، فأعادوا لها حريتها، وأعطوها مكانة الأم والزوجة والابنة.

كما أن الشريعة النصرانية حرّمت على الآباء نَبْذ الأولاد (أي: طردهم أو تشريدهم)، أو إعدامهم أو بيعهم، أو قتل الزوجة ولو كانت في حالة الزنى، بل أوجبتْ تَرْكها وحدها إن ارتكبت الفاحشة، حتى تُحاسب نفسها بنفسها، وتتوب عن هذه الزلة المُقتَرَفة، ويحقّ للزوج بعدها أن يُبقيها أو يُطلّقها إذا كان هناك شهود أو أدلة على الواقعة المُرتكَبة.

وبصفة عامة، فإن الشريعة النصرانية جعلت المرأة في مكانة مساوية للرجل، في الحقوق والواجبات من حيث المبدأ، أما من الناحية التطبيقية فإن القانون الكنسي أقرّ للزوج الحق في الإشراف والنيابة القانونية عن الزوجة في إدارة أموالها، ولا يحق للزوجة أن تنفق أموالها دون إذن الزوج، كما وضع قيودًا شديدة (أو هي مستحيلة) على الطلاق[1].

وعليه، فالمبدأ المسيحي هو المساواة، إلا أن التاريخ يشير إلى أن الكنيسة الكاثوليكية احتكرت تفسير النصوص الدينية النصرانية، مثلما فعل المجمع الكنسي الفرنسي، في القرن السادس عشر الميلادي، فكانت نقاشات رجال الدين: هل للمرأة روح أم لا؟ وقد صعب عليهم إنكار أن لها روحًا، فاعترفوا بروح فيها، ولكنها روح شيطانية. يما يعني استمرار الرؤية الفلسفية الإغريقية التي ترى المرأة شرًّا مطلقًا، على الرغم من أن الخطاب الكنسي نفسه قدّم السيدة مريم العذراء بوصفها رمزًا للطهر والعفاف والخيرية الروحية، وأنها تحمل عذابات البشر؛ لأنها أم المسيح، ولكنّه أيضًا قدّم حواء -عليها السلام-، بوصفها الأكثر شؤمًا في مادية الإنسان، وأنها نموذج في الإغواء الجنسي، والمادية، والشر، في مقابل مريم بوصفها نموذجًا للمَثَل الأعلى العذري[2]، وأنها والدة المسيح -عليه السلام- منبع الإيمان والزهد.

   يُضاف إلى الرؤية الكنسية، مقولات العهد القديم (التوراة) التي أثّرت في المنظور المسيحي، فاليهود الأوائل عدّوا المرأة لعنة؛ استنادًا إلى ما ورد في توراتهم وبعض كتبهم الدينية، فالمرأة لا ترث إذا كان لها إخوة ذكور، أما إذا لم يكن لها أخ ذكر، فلا زواج لها من سبط آخر، كما أعطت التشريعات اليهودية للأب حق بيع ابنته القاصر!

أما وضع المرأة اليهودية عامةً؛ فهي مثل أثاث المنزل، تقبع في زاوية تنتظر مصيرها المجهول، وكما ورد في التوراة: «المرأة أمرّ من الموت، والصالح أمام الله ينجو منها، أما الخاطئ فيعلق بها». وهناك مَن يرى أن المرأة ملعونة أبديًّا من طرف الإله؛ لأن الذنب قد بدأ من طرفها، وهي مسؤولة عما يرتكبه الرجل من أفعال شريرة، وإن كان النظام الأُسري اليهودي حفظ للأسرة كيانها، وأوجب على الأبناء طاعة الأب والأم، مثلما أوجب حُسن التربية على الآباء لأبنائهم، كما اهتم بالترابط الأسري، ضمن مفهوم الأسرة الكبيرة[3].

ومع ذلك، فإن الحركة النسوية بمرجعيتها العلمانية وجدت من الأقليات اليهودية في أوروبا، وأيضًا في الكيان الصهيوني بفلسطين دعمًا كبيرًا، على الرغم من أن الكيان الصهيوني مُؤسَّس على شعارات دينية، أبرزها: أنه دولة اليهود في الأرض، وأنها الدولة العِبْرية التي تجمع اليهود على شريعتهم اليهودية، وتُحقّق أحلامهم بالعودة إلى أرض الميعاد. ولكن الواقع غير ذلك، فالمجتمع الصهيوني في فلسطين، أقام دولة علمانية في الأساس، تنظر إلى اليهودية بوصفها ثقافة تراثية، تجمع الشعب اليهودي، ولكنها لا تكون منبعًا للقِيَم والقوانين، فتتقدم مبادئ الديمقراطية والإنسانية على فرائض اليهودية، وهو أُسّ الاختلاف بين العلمانيين والأرثوذكس (المتزمتين اليهود)، ويتبنَّى العلمانيون في ذلك النظرية النسبية التي تؤمن بنسبية القِيَم والأخلاق، وبالتبرير الأخلاقي لكل موقف أو معتقد، بما فيها المواقف المعادية للإنسانية، والمُؤيّدة للعنصرية، والمتعصبة للقومية، والمتطرفة أو النفعية[4].

 وبناء عليه؛ تتقدم القوانين المدنية العلمانية على المرجعية اليهودية الدينية، وأن الإنسان هو مصدر السلطة، وخالق القوانين والقِيَم، ولديه القدرة على تقنينها، وتغييرها، وتحديد صلاحيتها، وهو ما يخالف التوجه الديني الذي يرتكز على أن الله هو مصدر السلطة والتشريع، وأن كل فرائض الشريعة كُتبت بيده، وأنه في استطاعة الحاخامات تفسيرها، وليس في استطاعة أيّ قانون إنساني مهما وصلت ديمقراطيته إلغاءها. ولذا، فإن هناك اختلافًا بخصوص المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في كل المجالات، بما فيها شؤون الزواج والطلاق ورعاية الأولاد[5].

 وقد ذكرنا الكيان الصهيوني بوصفه امتدادًا للثقافة الغربية العلمانية، بل هو مدعوم في نشأته وتكوينه واستمراره بالغرب، بوصفه مشروعًا استعماريًّا، وما يجري في الساحة الصهيونية من صراعات بين المتدينين والعلمانيين هو صورة من الصراع الحادث في أوروبا، ولكنّه أكثر اشتعالًا في الكيان الصهيوني، بحكم تصاعد النزعة الدينية المتطرفة، خاصةً في السنوات الأخيرة، مع اشتداد اليمين الديني، وتطرفه القومي العنصري.

وهنا سؤال: إذا كانت هذه هي النظرة الدينية للمرأة التي تراوحت ما بين حواء ومريم، فماذا عن نظرة الكنيسة والمجتمع للمرأة عمومًا؟ هل رأت فيها الخير والشر مثل أيّ إنسان؟ أي: هل ساوتها بالرجل أم ظلت المرأة مصدرًا للتعاسة والغواية؟

والإجابة عن هذا السؤال تُفجِّر نظرة المجتمع الأوروبي إلى الآخر، وكما تقول جوزفين دونوفان: «إن الفكر والأدب الغربيين فشلا في الإمساك بزمام مشكلة الشر؛ لأنه يُلقي الشر بسهولة على المرأة، وعلى آخرٍ مُميّز كاليهودي والزنجي، وبذلك حقيقة النظام المحتمل». وتتوسع دونوفان، وتقرأ مكانة المرأة في المتخيل الأدبي والثقافي الغربي، فتقول: «إن إحدى المعضلات الأساسية في الأدب الغربي أن النساء في مقدار كبير منه لَسْنَ مخلوقات إنسانية، (أو) مراكز للوعي. إنهن أشياء تُستخدم في مشاريع الرجال أو البرهنة عليها، أو التخليص من أخطائها، وتعتمد مشاريع التخليص الغربية على امرأة مُخَلَّصة، ومن وجهة نظر أخرى: فإن النساء في بعض الأدب الغربي يَكُنّ مجرد أشياء، أو كباش للفداء، لكثير من الوحشية والشر»[6].

فما الأعمال الأدبية إلا تصوير للواقع المعيش، وللفكر والانطباعات السائدة في المجتمع، وقد صوّر الأدب الغربي في كثير من سردياته وأشعاره المرأة على أنها فاتنة لَعُوب، مصدر لكل شر، وهي نظرة نابعة من التراث الديني الذي جعل المرأة سببًا في طرد آدم من الجنة، أو التراث الفلسفي الإغريقي أو الروماني الذي وضعها في منزلة متدنية، بل حَصرها في نماذج جاهزة، أو كما تقول دونوفان «فئة مقولبات المرأة الخيّرة»؛ أي: أولئك اللائي يخدمن مصالح البطل، مثل المرأة الصبورة، والأم الشهيدة، والسيدة (المطلقة أو الأرملة)، وفي الفئة الشريرة أو السيئة، هناك المنحرفات اللاتي يرفضن أو بالأدق لا يخدمن الرجل، ولا يَقُمْن بمصالحه، مثل المرأة العانس طيلة حياتها، والمرأة الحيزبون، والمرأة السحاقية، والزوجة أو الأم السليطة أو المستبدة، فكلها مُقولبات بسيطة عن المرأة[7].

فالتمثيلات الأدبية للمرأة حصرتها في نماذج نمطية، لا تخرج عنها، وجعلتها تابعة للرجل، ليست صاحبة قرار، ولا تملك تغيير مصيرها أو مآلاتها في الحياة، فقط هي مخلوقة من أجل القيام بمصالح الرجل وخدمته، سواء كانت أُمًّا له ترعاه، أو أُمًّا شهيدة ماتت من أجله، أو مطلقة أو أرملة بعدما تخلى عنها الرجل بالانفصال أو الموت، أي تمثيلات ثابتة معلّبة. وعلى النقيض هناك المرأة الشريرة، التي تؤذي الرجل سواء كانت أُمَّا متسلطة أو زوجة مستبدة، أو خائنة، أو عانس لم يهتم بها رجل، ولم تكن في خدمته أو مُشْبعة لرغباته، أو سحاقية لا يثيرها الرجل بشهوة، وبعبارة أخرى: إنها المرأة المستسلمة لما يقرره الرجل، إما أن يقربها أو يهجرها، فالمعيار الذي يحكم على مكانتها في المجتمع هو معيار ذكوري، لا تَعنيه المرأة ولا مشاعرها، فهي رهن إشارة الرجل متى أرادها أو نفرَ منها.

    فالأدب الغربي (الكلاسيكي القديم) في كثير من إبداعاته عبّر عن الحقائق السائدة معرفيًّا في المجتمع، والتي كانت ترى المرأة في منزلة أدنى، فلا بد من فصل الحقيقة في بُعْدها الإنساني، عن مراكز القوة التي تُرسّخها في المجتمع، وهذا ما ينادي به النقد النسوي الغربي، بأنه تم تطوير الوعي نحو مكانة المرأة الاجتماعية والسياسية، لتكون مُعبِّرة عن ذاتها، غير خاضعة أو تابعة أو مقيّدة بسلطة الرجل، وبالتالي فصل الحقيقة الإنسانية عن أيّ سلطة سياسية أو اجتماعية تتحكم فيها، خاصةً ما يتعلق بسلطة الرجل بشكل عام، وهو ما تنادي به إليزابيث إ. ميس، بأن تكون الأيديولوجيا النسائية واضحة، ومنعكسة على الآداب والفنون، بدون أيّ تسلُّط سياسي أو معرفي، فينبغي أن تنتهي ثنائية ذكر وأنثى، التي تبدأ بالذكر أولًا، ثم الأنثى، ويكون الأمر عكسيًّا، بأن تكون الأنثى أولًا ثم الذكر، من أجل تفكيك منطق الأضداد المتوارثة، وإحلال أضداد جديدة[8].

ونتوقف هنا عند ثنائية (ذكر وأنثى)، التي تُعيدنا إلى الفلسفة الإثنينية، بوصفها رؤية تُرجِع الوجود إلى عاملين هما: المادة والروح معًا، وفلاسفتها هم أصحاب المذهب الثنائي أو الإثنينية Dualism [9]، كما أنها تعني وجود جوهرين مختلفين، مثل الجسد والروح، وتعني أيضًا: اشتمال الشيء الواحد على حدَّيْن متقابلين كتقابل الفكر والعمل، وتقابل الخيال والحقيقة[10].

فثُنائية الذكر والأنثى تضع التضاد أساسًا في العلاقة بين الذكر والأنثى، فهما متصارعان، لا متكاملان في دور كلّ منهما في الحياة، واحتياج كل منهما إلى الآخر على مستوى الجسد والروح والقيام بمهام محددة في الزوجية، والغريب أن دعاة النسوية يؤكدون على هذه الثنائية، ويرون أن الرجل احتكر الروح والفكر والعقل والرقي والسلطة له، وجعل المرأة جسدًا مُقيدًا بسلطة الرجل، وهو ما دفَع داعيات النقد النسوي إلى المطالبة أن تكون مهمتهن المحورية هي إنهاء التركيز على الذكورية في النظرة المجتمعية والسياسية والفكرية، وإيجاد حالة من البناء الإيجابي لصورة المرأة في المجتمع؛ من خلال تحالف الجماعات النسوية ووحدة هدفها[11].

ولم تُفكّر هؤلاء الداعيات في إعادة النظر في الثنائية البغيضة بين الذكر والأنثى، ودعم الرؤية التكاملية، وإنما استمررن في نفس الفكر الذي جعل المرأة دومًا مقهورة والرجل دومًا متسلطًا.


 


[1] تطور المرأة عبر التاريخ، ص51- 53.

[2] النسوية: قراءة في الخلفية المعرفية لخطاب المرأة في الغرب، ص18- 19.

[3] تطور المرأة عبر التاريخ، ص46- 48.

[4] اليهودية العلمانية، يعقوب ملكين، ترجمة: د. أحمد كامل راوي، منشورات مركز الدراسات الشرقية، جامعة القاهرة، 2003، ص85.

[5] المرجع السابق، ص14- 15.

[6] وراء الشبكة: النقد النسائي بوصفه نقدًا أخلاقيًّا، جوزفين دونوفان، مقال في كتاب: نظرية الأدب في القرن العشرين، تحرير: ك. م. نيوتن، ترجمة: د. عيسى علي العاكوب، منشورات عين للدراسات والبحوث، القاهرة، ط1، 1996، ص281.

[7] المرجع السابق، ص280.

[8] السياسة الجنسية والحكم النقدي، إليزابيث إ. ميس، في كتاب: نظرية الأدب في القرن العشرين، تحرير: ك. م. نيوتن، ترجمة: د. عيسى علي العاكوب، مرجع سابق، ص 289- 290.

[9] مناهج البحث في العلوم السياسية، د. محمد محمود ربيع، مكتبة الفلاح، الكويت، 1987، ص49.

[10] مفهوم الإثنينية، على موقع أنطولوجيا، على الرابط التالي:

https://ontology.birzeit.edu9

[11] السياسة الجنسية والحكم النقدي، ص291.

أعلى