• - الموافق2026/01/21م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
هل عاد القرامطة؟ القرامطة الجدد: قراءة في أمشاج الفوضى وقوانين المدافعة!

هل كان القرامطة حادثةً تاريخية منتهية، أم نموذجًا متجددًا لحركاتٍ تستغل ضعف الوعي والشرعية لتخريب الدين والدولة، ولا يُواجَه خطرها إلا بالحق والحزم معًا؟


الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإن النظر في التاريخ للاعتبار من شأن العقلاء، دون اعتقاد بأن أحداثه الماضية تنطبق تمامًا على وقائعه الكائنة، وإنما يُفْهَم منه طبائع الناس والجماعات والمجتمعات، والاحتمالات الواردة، فينفتح الذهن على استشراف متوقَّع، وترتفع درجة التيقظ والحذر، وفي الذكر الحكيم: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111].

وفي تاريخنا لا يمكن تجاوز حركة القرامطة، وهي حركة باطنية خطيرة، ناشئة طارئة دون تاريخ سابق، وقد نجحت في تمرير مشروعها القائم على الإلحاد والإباحية وقتل المسلمين وإفساد دولهم. إن السؤال الذي لا مناص من بروزه هو: ما أسباب نجاح هذه الحركة؟ وكيف صنعت قدرتها على اختراق نسيج الأمة؟

تسلّل القرامطة إلى واقع المسلمين من نقاط الضعف والهشاشة في الدين والدنيا، وتغلغلوا رويدًا رويدًا، حتى صار لهم دعاة في الأطراف والمركز، وغدا لهم رجال في بلاط الخلفاء والأمراء، وعند الوزراء والنافذين، وقريبًا من مواقع الشورى واتخاذ القرار، فأقاموا دولة داخل الدولة، لها تنظيم هرمي سرّي، ومسار لصُنع القرار واتخاذه وتنفيذه، وجيش مدجَّج بالسلاح، وقبل السلاح صنعوا مرتزقة مشبعين بعقيدة البغض، ورغبة الولغ بالدماء والأعراض، وكانوا مُولعين بالسطو والهدم والتخريب. لقد كانت حمولتهم الفكرية الوقود الذي يُلهب حماستهم لصنائعهم المستنكَرة المبنية على تأويلات فاسدة، ومستهدفات تشمئز منها الفطرة.

كان من طريقتهم الانتشار في البلاد، والتراسل حول ما يستجدّ، كي يصبحوا على عِلْم بمجريات الأمور وجديد الحوادث. ثم استثمروا أيّ خلل حلّ في بنية المجتمع والخلافة، فزادوا من قوتهم، ونشطوا في نشر دعوتهم، وتكديس السلاح، وحشد الجند، حتى إذا حانت لهم الفرصة أظهروا أنيابهم الحادة، فقتلوا الناس قتلًا مروعًا، يجعل السامع به يهرب فَرَقًا من مُلاقاتهم، ولم يستمعوا لنصح ناصح، ولم يستجيبوا لطلب صلح أو أمان.

ولم تكن حقيقتهم خافية على بعض البصراء؛ إذ يروي الطبري في تاريخه أن مجموعة من أهل الكوفة قدموا إلى بغداد ليُحذِّروا من خطورة القرامطة، فوصفوهم أبين وصف بقولهم: «أحدثوا دينًا غير الإسلام، وأنهم يرون السيف على أُمَّة محمد»، لكنّ الخلافة العباسية لم تسمع لهم؛ إما استهانةً بالخطر، أو ركونًا لرأي بعض المُقرّبين الجهلة أو الغششة أو المنتفعين؛ فقد روي أن أحد ولاة غربي العراق أخذ من القرامطة دينارًا عن كل شخص منهم سنويًّا، وغضّ الطرف عنهم.

لذلك امتد خطر القرامطة وتشعَّب، واستثمروا أكثر من شبهة للتلبيس على الناس؛ فمرة باسم الدين والغيرة على آل النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ تستروا بالتشيع الاثني عشري ثم الإسماعيلي، ومرة بازدراء العرب إزاء الفرس، وتهوين قيمة العرب، ومرة بالتخويف والتهويل، ورابعة بادعاء وجود الأخطاء في التصور والتطبيق، وإعلان إرادة التصحيح والإصلاح، فلم يتركوا وسيلة لبلوغ مآربهم إلّا امتطوها دون التفات لمشروعيتها.

وكانت دعوتهم تسري بين قطاع كبير من البادية، والهاربين من سطوة الخلافة الإسلامية، وبقايا الخارجين عليها، الذين تحرزوا مع قادة القرامطة خاصة في صحاري شرق الجزيرة العربية، وكونوا قوة عسكرية مسلحة ضاربة، بدأت تشنّ الهجمات، وتفتك بالناس، وتُخرّب العمران، وأخذت تتوسَّع شيئًا فشيئًا في أعمالها الحربية، وبسبب هذه التطورات الخطيرة أرسل أمير البصرة طلبًا للخلافة العباسية من أجل حماية البصرة وما جاورها، وبناء سور حولها، وقد أدَّى ذلك لصرف أموال طائلة لتحصين هذه المناطق، وهذا شيء مما صنعوه لإرهاق المسلمين ودولتهم واستنزاف بيت المال.

كذلك من أعمال القرامطة: قطع الماء عن البلاد، ومنع الطعام، والقتل دون تمييز، وإلقاء جثث البشر والحيوانات في الآبار؛ لنشر التعفُّن والأوبئة، حتى رُوي عن الإمام الطبري قوله في تتبُّع جرائمهم: «ثم ثنَّى بأهل سلمية فقتلهم أجمعين. ثم قتل البهائم، ثم قتل صبيان الكتاتيب، ثم خرج منها، وليس بها عين تطرف -فيما قيل-؛ يقتل ويسبي ويحرق ويخيف السبيل...».

وإن حركة يستعر فيها القتل وشهوة سفك الدم إلى هذه الدرجة لحركة تستحق إيقاع حدّ الحرابة عليها، مع حدّ الردة التي يحاولون إخفاءها.

ومن أجل تحقيق أغراضهم؛ تحالفوا مع كل قوة تضمن لهم إمضاء مرادهم، وإضعاف الخلافة الإسلامية، وبثّ الدسائس ونشر الإرجاف، حتى لو كان الحليف يُخالفهم في أكثر من شيء، لكنّه يتفق معهم في عداء الدولة الإسلامية، واقتصرت أحلافهم الوثيقة على أهل الضلالة والزيغ والكفر، فهم لا يركنون إلى مسلم ألبتة. وهذا التحالف شديد الخبث، صريح العداء، أراد منه القرامطة وحلفاؤهم تدنيس صورة الحكم الشرعي، وإسقاط هيبة الخلافة والدولة المسلمة ورمزيتها في أذهان المسلمين ووجدانهم.

وللوصول إلى هذه الغايات الخبيثة، اتجه القرامطة صوب واحدة من أشنع جرائمهم؛ إذ قطعوا طرق الحج، وصدّوا الناس عن بيت الله الحرام، ونهبوا القوافل وقتلوا من فيها. ولم تُشبع طغيانهم هذه الفظائع الفادحة؛ إذ ساروا نحو مكة، وقتلوا كلّ مَن قابلهم في الطريق ودعاهم للسِّلم وتأمين الحجاج، بل وسخروا من هذا المطلب الوارد في القرآن الكريم بفهمهم الخاطئ لقول الله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:97].

ثم اقتحموا المسجد الحرام؛ فقتلوا الطائفين والمصلين حتى مَن تعلّق منهم بأستار الكعبة، دون تفريق بين رجل وامرأة، أو كبير وصغير، ودفنوا الجثث في المسجد أو ألقوها في بئر زمزم، ومزّقوا ستار الكعبة، وكسروا ميزابها، وارتقوا فوقها، ثم اقتلعوا الحجر الأسود وأخذوه لبلادهم، واحتجزوه وحرموا منه النُّسّاك عشرين عامًا، حتى شاء الله أن يعود لمكانه.

إن هذه السرقة الفريدة -التي لم يسبقهم إليها أحد من خلق الله، منذ أن وُضع هذا البيتُ الشريف للناس-؛ أصبحت عارًا عليهم، فيها إهانة للمسلمين، واجتراء على أقدس بقعة في الأرض، ودليل على ترسُّخ الكفر والزندقة في نفوسهم. لقد كان اقتلاع الحجر الأسود ذروة رمزية لا لجريمة مادية فحسب، بل لإعلان القطيعة التامة مع معنى القداسة نفسه.

وفي سبيل اكتمال أهدافهم، وبلوغ مآربهم؛ سلكوا كل سبيل، من التلبيس، والإغراء بالمال، والنساء، وعقد الأحلاف، وحشد الجيوش، ومُراكمة السلاح، وإشاعة الفوضى، وبثّ الشُّبَه، ونصرة المفسدين، وغرس العملاء، وإهانة المسلمين وحُكّامهم ودولتهم، والاعتداء الآثم على مناسكهم ومُقدّساتهم، فضلًا عن التجويع، والسلب، والهدم، والقتل الفردي أو في مجازر جماعية، والاغتصاب... والمرويات عنهم في هذا تتقرح منها الأكباد، ولو كُتِبَ لهم الاستمرار لما بقي على ظهر الأرض مسلم مُوحّد؛ حتى إن الإمام ابن الجوزي ألّف فيما بعد رسالة كاشفة عن القرامطة، قال فيها: «مذهبهم ظاهره الرفض وباطنه الكفر،... ثم إن غاية مقصدهم نقض الشرائع».

وبعد أن ابتُليت الأمة بهم لمدة قرنين من الزمان، سرى فيهم الضعف والانكماش، وتراجعوا شيئًا فشيئًا بخلافات داخلية، وتدخلات عسكرية خارجية، حتى انحلت جماعتهم، وزالت هيبتهم، وفنيت دولتهم، وانساحوا في شرق الجزيرة العربية على جانبي شواطئ خليجها في شرقه وغربه، وكتب الله دَحْرهم الكامل عملًا جليلًا أسهمت فيه حتى الدول التي تقاطعت مصالحها مع القرامطة فيما مضى، إلى أن تمكنت قبائل عربية، وجيوش سلجوقية، من خَضْد شوكتهم، وإلحاق الهزائم المتوالية بهم، وحماية المسلمين والديار والخلافة من شرورهم التي تجرعوا ويلاتها وغصصها.

إن فكرة الحركة القرمطية ومبادئها المخزية الهدّامة ستظل باقية، سواء أحملها قرامطة أم غيرهم، وأساليبهم يمكن تكرارها في حال كُمون «القرامطة الجدد»، أو بعد تمكّنهم أو تعاهدهم مع أقوياء يأملون منهم النصرة والعون بغية السيادة التامة على المكان وأُناسه، وهو حُلم لا يسانده تاريخ ولا تعضده جغرافيا، وسيبقى من الأوهام وأضغاث الأحلام التي تتلاشى تحت مطارق أولي العزم والحزم ممن رضوا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا ورسولًا.

وإن غايات القرامطة القديمة التي سعوا لتنفيذها حاضرة لدى «القرامطة الجدد» بواسطة الوكلاء والمرتزقة والمشاركات العابثة المستترة تحت مظلة حفظ السلام أو الإغاثة، ولأجل هذا ترتفع فواتير شراء السلاح لديهم، حتى إن شعوبهم المغلوبة على أمرها تُصنّف على أنها أكثر شعوب العالم تدجيجًا بالسلاح، وهو سلاح يُشتَرى بأموالهم وخيرات أراضيهم، ويُستعمَل من أجل الإضرار ببني دينهم وعِرْقهم من المسلمين والعرب، ومما ورد في وثائق دولية مُسرَّبة نقلًا عن أحد رموز المشروع القرمطي المعاصر قوله لبعض مَن يثق بهم من الأجانب: «لو علم قومي بما أصنعه لرموني بالنعال حتى أموت!».

لكن العزاء أن قمع الحركة القرمطية، ودَحْر مشروعها، ليس أمرًا عسيرًا ولا مجهول الكيفية. يبدأ الدحر في مسارات متنوعة؛ منها: نشر العلم، وتعظيم السُّنة، وإظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفَضْح هذه الحركة مهما كان لباسها وأسماء مُجرميها. إن إصلاح التصورات، والرجوع لدين الله الحق، ومنابعه الأصيلة، مما يَغيظ هؤلاء المفسدين، ويُعجّل النصر عليهم بالرعب من الحق وكلمته ورجاله.

يُضاف لذلك: الضرب بيد قوية، لا تردُّد فيها ولا توانٍ؛ ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]؛ ليرهبَ «القرامطة» وأعوانهم وينكمشوا، وتُخلع قلوبهم من مواقعها، وتسقط عن وجوههم أقنعتهم التي طالما وَارُوا خلفها وجوههم المتوحشة، وليتحولوا إلى فلول يسكنها الهلعُ، وتغشاها القَتَرةُ، وترجع إلى وضعها الطبيعي بما فيه من انطواء وذلة وطاعة.

ومما يُفْسِد على القرامطة تدبيرهم: أن يلتفّ المسلمون حول دولهم وزعمائهم الشرعيين، فعادة القرامطة الدوران حول كل مَن يخرق «الشرعية»، وينخر في جَسد البلاد والأمة، فحين يغيب العلم، وتضعف الشرعية، وتَخُور الدولة، يُولَد القرمطي ولو لم يُسمَّ بهذا الاسم. وما بين قرمطيٍّ قديم وقرمطيٍّ جديد، لا يتغيّر قانون التاريخ: الفتنة تبدأ بفكرة، وتكبر بالتغافل، ولا تُقهَر إلا بالحق حين تحرسه دولة ويحتضنه وَعْي.

ومنها تنقية الصفوف الداخلية من كل قرمطي أو متقرمط الهوى أو مستأسر لابتزاز منهم بمال أو نساء أو وثائق. إن ضرورة المرحلة لا تحتمل تأجيل هذا الخلاص من تلك الصفوف الضارة التي تنقض البنيان، وربما كانت عينًا أو وسيلة لمن يملك توجيههم بالسوء عن بُعْد.

إن الحكمة تحتّم البحث عن أهل الإخلاص والسلامة من أيّ ارتهان لغير المصالح الشرعية والوطنية المرعية والاستعانة بهم. وإن متطلبات الوقت تستوجب ردم أيّ ثغرة يمكن أن ينفذ منه القرامطة وعملاؤهم بشطر كلمة فما فوقها.

ليس التاريخ مرآة نُحدّق فيها لنبكي، بل نافذة نُطلّ منها لنتبيّن قوانين السقوط والنجاة. ومن أسوأ ما يُصاب به العقل أن يظنّ أن الشرّ مات بموت أصحابه، أو أن الفتنة تُدفَن مع أسمائها القديمة. فالقرامطة لم يكونوا حادثةً عابرةً، بل هم نموذج مكتمل الأركان لحركةٍ تتغذّى على الوهم، وتعيش على الهدم، وتستمد مشروعيتها من الخراب.

إن أخطر ما في التجربة القرمطية ليس ما فَعَلته، بل ما كشفته؛ من أن المجتمعات التي لا تَحرس وَعْيها، ولا تصون دينها من التحريف، ولا تحمي شرعيتها، ستظل مسرحًا مفتوحًا لكل قرمطي، مهما تغيَّرت أسماؤه وتبدَّلت راياته. فالقرامطة لا يعودون بالسيوف أولًا، بل بالأفكار؛ ولا يُهزَمُون بكثرة السلاح فقط، بل بصفاء الحق، وقوة الدولة، ويقظة الأُمة؛ ولا يُقمَع القرامطة وأضرابهم بشيء أعظم من المزاوجة بين الحق الذي يضيء الوعي، والحزم الذي يحمي الدولة والأمة.

أعلى