المشهد اليمني بين المبادرة السعودية وتصعيد الحوثي

انعكس الوضع في مأرب بشكل واضح ضد الحوثي؛ إذ فقد الآلاف من المقاتلين، وتعرض لضربات موجعة في تدمير المعدات العسكرية والأسلحة مع تكثيف التحالف للضربات بشكل يومي


مع تسلم الإدارة الديمقراطية للحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، سارع بايدن إلى إلغاء قرار ترامب السابق بتصنيف ميليشيا الحوثي جماعة إرهابية وبوضْع قيادة الجماعة على قوائم الإرهاب، وقد دخل القرار حيز التنفيذ في 19 يناير 2021م.

إلغاء بايدن لقرار تصنيف الحوثي جاء تحت دواعي إيصال المساعدات الإنسانية، وهو في الواقع تغيُّر واضح في السياسة الأمريكية تجاه السعودية في الملف اليمني، في حين رافق قرارَ بايدن ترحيب أوروبي واسع، واحتفت به الأمم المتحدة باعتباره (خطوة إيجابية للغاية).

هذه الخطوة اعتبرها الحوثيون بمثابة الضوء الأخضر لمواصلة التحشيد العسكري وإعلان التصعيد الشامل على محورين أساسيين:

الأول: إسقاط مدينة مأرب باعتبارها المعقل الأكثر تحصيناً للحكومة الشرعية في الشمال.

والثاني: تكثيف الضربات بالطائرات المفخخة دون طيار والصواريخ البالستية تجاه المدن السعودية.

منذ يناير الماضي جمَّد الحوثيون أغلب الجبهات القتالية باستثناء بعض المناوشات في تعز والضالع، وكان الهدف هو تحشيد المقاتلين تجاه مدينة مأرب لمضاعفة الضغط الذي لم يتوقف عن المدينـة منذ خمس سنوات، إلا أن حدَّته زادت مع سقوط الجوف في يد الحوثيين في 3 مارس 2020م.

اعتقد الحوثيون أن مأرب ستكون لقمة سائغة وَفْقاً للمؤشرات المحلية والإشارات الدولية وغضِّ الطرف من قبل أطراف عدة، لكن سد مأرب كان عتيداً للغاية؛ الأمر الذي أسقط رهانات الحوثي ومن أشار عليه بحسم المعركة خلال أيام معدودة.

رغم الضغط المكثف على مأرب المكتظة بأكثر من مليون ونصف نازح، من ثلاثة محاور وبمسافة تزيد عن 300 كيلو متر إلا أنها استطاعت أن تواجه الحشود الحوثية المكثفة. والسبب يعود إلى عدة أمور، منها: شعور الحكومة الشرعية بخطورة الوضع في حال سقطت مأرب بيد الحوثيين، فضلاً عن تماسك قبائل مأرب وعدم تجاوبهم مع إغراءات الحوثيين ومحاولاتهم نسج الصراعات بين القبائل الموالية للشرعية، بالإضافة إلى شعور السعودية بأهمية المحافظة على مأرب ولذلك كثفت من الدعم الجوي لقوات الشرعية في جبهات مأرب بشكل مضاعف دون غيرها من الجبهات.

فشل مخطط إسقاط مأرب

صحيح أن أحلام الحوثي بقضم مأرب الغنية بالغاز والنفط وفتح خط ممهد نحو المحافظات الجنوبية الغنية بالنفط أيضاً ما تزال معلقة، وما يزال التحشيد من كل مكان سارياً؛ إلا أن المخطط الكبير الذي كان يُراد به لمأرب أن تسقط في أيام قد توقف، بل بدأت الجهـود الخارجية لإنقاذ الموقف وإنقاذ الحوثي في الوقت نفسه بعد تحول المعركة من الدفاع إلى الهجوم، واشتعال جبهات جديدة كانت هادئة كما هو الحال في تعز وحجة والضالع.

انعكس الوضع في مأرب بشكل واضح ضد الحوثي؛ إذ فقد الآلاف من المقاتلين، وتعرض لضربات موجعة في تدمير المعدات العسكرية والأسلحة مع تكثيف التحالف للضربات بشكل يومي.

وبينما كان الحوثي يكثف من ضرباته ضد مأرب إلا أنه خسر عدداً كبيراً من المواقع الهامة التي كانت تحت قبضته في مدينة تعز بعد اشتعال المعارك وتقدم قوات الشرعية في عدد من المحاور بالمنطقة الشرقية والغربية، ومثلها أيضاً تقدمت قوات المنطقة العسكرية الخامسة في محافظة حجة شمال غرب صنعاء واستعادت عدداً من المواقع، كما تلقى الحوثي ضربات موجعة في مدينة الضالع، وما تزال الأنظار تتجه نحو تحريك جبهة الساحل الغربي التي توقفت بفعل اتفاق السويد من ناحية ومن ناحية أخرى لعدم وجود توافق تام بين الحكومة الشرعية والقوات الموجودة في الساحل التي تم تشكيلها بدعم إماراتي، وتقع تحت قيادة مشتركة بين ألوية العمالقة التي يغلب عليها القيادة السلفية، وألوية المقاومة الوطنية وحراس الجمهورية التي يقودها العميد طارق محمد عبد الله صالح نجل شقيق الرئيس السابق علي عبد الله صالح.

أين الانتقالي مما يحدث؟

في 30 ديسمبر 2020م عادت الحكومة الشرعية برئاسة الدكتور معين عبدالملك إلى عدن لمزاولة مهامها من الميدان بعد توافق طال انتظاره بين الحكومة والمجلس الانتقالي برعاية سعودية ضمن ما أطلق عليه (اتفاق الرياض)، بعد تعرض الحكومة الشرعية لضربات موجعة من قبل المجلس الانتقالي، وسيطرة قواته على عدن وأبين ولحج ثم حاول مواصلة التحشيد لاستكمال السيطرة على المحافظات الجنوبية وفَرْض أمر واقع، في الوقت الذي كانت الحكومة الشرعية فيه منشغلة بمقارعة الحوثي في الجبهات الشمالية لليمن.

بمجرد وصول طائرة حكومة معين عبد الملك إلى مطار عدن كانت ثلاثة صواريخ حوثية قد أُعدَّت لإنهاء حياة كافة أعضاء الحكومة، ولكنها فشلت في إتمام المهمة ونجت الحكومة بأعجوبة وسقط بالحادثة عدد من القتلى والجرحى من الموظفين والعاملين في المطار.

بعد ذلك كانت الآمال تتجه نحو تطبيق الشق العسكري من اتفاق الرياض بين الحكـومة والمجلس الانتقالي وتوجيه كافة القوات في المناطق المحررة لمواصلة تحرير بقية المدن الواقعة تحت سيطرة الحوثي، لكن رؤية المجلس الانتقالي بدت واضحة بالسير نحو مواصلة إضعاف الشرعية من الداخل، والاتجاه نحو قضم ما تبقى من المحافظات الجنوبية كحضرموت وسيئون والمهرة وشبوة وتعميد الانفصال باعتباره أمراً واقعاً دون التفكير بعواقب ما يجري من حرب مشتعلة مع الحوثي في المحافظات الشمالية.

على ما يبدو فإن رؤية المجلس الانتقالي الذي تأسس بدعمٍ ورعايةٍ إماراتية تتجه نحو مزيد من فرض الرؤية الانفصالية، ولا يوجد لديه مشكلة في سيطرة الحوثي على المحافظات الشمالية معتقداً أن الأخير سيقبل بالتفاوض على حدود عام 1990م والموافقة على ترسيم الحدود بين الشطرين، ويبدو أن قيادة المجلس تتناسى أو تتجاهل الوعود التي قطعها الحوثي لهم عام 2013م بتحقيق الانفصال بمجرد سيطرته على العاصمة صنعاء، وعندما تحقق الانقلاب الحوثي في سبتمبر 2014م اتجه بكل قواته إلى المحافظات الجنوبية حتى وصل إلى قصر المعاشيق في عدن.

مع اشتداد المعارك في محيط مدينة مأرب واستمرار التحشيد الحوثي لاقتحام المدينة، بدا وكأن قيادات المجلس الانتقالي تبتهج بما يجري، بل خرج كثير من التصريحات الإعلامية من قيادات معتبرة لا تمانع من سيطرة الحوثي على مأرب بل تبارك ذلك، وقال رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي في مقابلة له مع الغارديان البريطانية بتاريخ 2 مارس 2021م بأن سيطرة الحوثيين على مأرب ستقود المجلس الانتقالي إلى السيطرة على كامل المحافظات الجنوبية، وقد تسرع في عملية عقد محادثات دولية بين الانتقالي ممثِّلاً للجنوب، والحوثي ممثِّلاً للشمال.

أضف إلى ذلك أن قيادات الشرعية في مدينة تعز كررت النداءات لدعم الجبهة الشرقية والغربية في تعز بالمقاتلين والسلاح من قِبَل الانتقالي وقوات الساحل الغربي التي يشرف عليها العميد طارق محمد عبد الله صالح، لكنها لم تحرك ساكناً حتى الآن وهو ما يؤكد أن الانتقالي يقف في معزل عما يجري من معركة ضد الحوثي وَفْق اعتقادات خاصة بأن الحوثي لا يمثل أي إشكالية على مستقبل فرض الانفصال بين الشطرين.

مبادرة سعودية وتصعيد حوثي

في 22 مارس 2021م قدمت المملكة العربية السعودية مبادرة جديدة لإنهاء الأزمة في اليمن، أعلن بنودها وزير الخارجية فيصل بن فرحان وتنصُّ على إيقافٍ شاملٍ لإطلاق النار برعاية الأمم المتحدة، وإعادة فتح مطار صنعاء الدولي لعدد من الرحلات الإقليمية والدولية، وكذلك إيداع الضرائب والإيرادات الجمركية لسفن المشتقات النفطية في ميناء الحديدة في الحساب المشترك في البنك المركزي اليمني وَفْقَ اتفاق السويد، بالإضافة إلى بدء المشاورات بين الأطراف اليمنية للتوصل إلى حل سياسي للأزمة اليمنية برعاية الأمم المتحدة بناء على مرجعيات قرار مجلس الأمن الدولي 2216 والمبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني اليمني الشامل.

لم تمضِ ساعة واحدة على إعلان المبادرة السعودية حتى بادر الحوثيون بإعلان رفضها عبر الناطق باسم الجماعة محمد عبد السلام، الذي أكد أنها لم تأتِ بجديد، أما الحكومة الشرعية فقد أعلنت من طرفها القبول بالمبادرة وباركت الخطوات السعودية الهادفة لإنهاء الحرب.

بالنسبة للسعودية فقد جاء إعلان المبادرة في ظل ظروف إقليمية ودولية مختلفة، وارتفاع الصوت الأمريكي لإنهاء الحرب في اليمن من قبل إدارة بايدن، وبحسب خبراء فقد كانت المبادرة السعودية مناورة ذكية ورسالة للمجتمع الدولي لكشف عدم جدية الحوثيين في الدخول في سلام حقيقي وارتباط القرار الحوثي بإيران، ومن ثَمَّ من حق السعودية - بموجب القانون الدولي - مواجهة أي تصعيد حوثي سواء على مستوى استهداف مكامن الخطر كمخازن الأسلحة والطائرات المفخخة والصواريخ البالستية أم على مستوى دعم قوات الشرعية في عدد من الجبهات المفتوحة.

مبعوثان (أمريكي وأممي)

تعاقب على القضية اليمنية منذ الانقلاب الحوثي في 21 سبتمبر 2014م ثلاث شخصيات في مهمة المبعوث الخاص للأمم المتحدة كان آخرها البريطاني مارتن غريفيت الذي بدأ مشواره في فبراير 2018م، وحتى الآن لم يستطع تحقيق أي تقدم يذكر في مسار السلام سوى ما نتج عن اتفاق السويد بشأن الحديدة، الذي كان بمثابة إنقاذ للحوثيين بعد أن وصلت قوات الشرعية في الساحل الغربي إلى أبواب المدينة والميناء الإستراتيجي.

منذ عام يروج المبعوث الأممي لخريطة طريق جديدة للحل الشامل في اليمن أطلق عليها (الإعلان المشترك)، تتضمن وقف إطلاق نار شامل، وإطلاق المعتقلين والمحتجزين، وفتح الطرق الرئيسية، واستئناف الرحلات الجوية لمطار صنعاء الدولي، وترتيبات سياسية واقتصادية أخرى، لكن المبادرة لم تلقَ أي تجاوب من طرف الحوثيين كالعادة، بينما علقت عليها الحكومة الشرعية والتحالف بالقبول المبدئي مع إدخال عدد من التعديلات.

دخل على المشهد مبعوث أمريكي جديد يدعى تيموثي ليندركينغ عيَّنه الرئيس الأمريكي بايدن في 4 فبراير الماضي مبعوثاً خاصاً بشأن اليمن، وهو ما يعني أن إدارة بايدن وضعت اليمن في قائمة الأولويات، وقد قابلت السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي قرار التعيين بالترحيب. تمكن المبعوث الأمريكي من لقاء الحوثيين في سلطنة عمان، وواضح أن المبادرة الأخيرة التي أعلنتها السعودية كانت بتنسيق مشترك مع المبعوثَين (الأمريكي والأممي)، ولاقت ترحيباً غربياً كبيراً.

يبدو واضحاً أن الاهتمام الأمريكي بالقضية اليمنية له أبعاد مختلفة من ضمنها الرؤية الأمريكية حول الملف النووي الإيراني، ومحاولة طمس ما بناه ترامب في مسار العلاقة مع السعودية والإمارات، وفتح خيارات جديدة قد تكون قاسية، والتحدي الآن أمام السعودية والحكومة الشرعية هو: كيف يمكن مواجهة الضغوط الغربية التي تذهب إلى إيقاف الحرب دون إنهاء أسبابها وهي الانقلاب الحوثي ونهب سلاح الدولة وامتلاك أسلحة ثقيلة من الصواريخ البالستية والطائرات الإيرانية المسيرة التي يصل مداها إلى العاصمة السعودية الرياض.

والأهم من ذلك كله هو التنبه لأمرين:

الأول: عدم القبول بربط الملف اليمني بملف التفاوض الأمريكي مع إيران حول البرنامج النووي.

والأمر الآخر: أن تبقى أعين الجبهات الداخلية خصوصاً في مأرب وحجة وتعز والضالع مفتوحة أمام الاختراقات الحوثية، فالقراءة التاريخية للحوثيين تؤكد عدم انقيادهم لأي مشروع سلام، وعدم التزامهم بأي اتفاقيات صلح؛ ولعل في ما جرى من اتفاق السلم والشراكة الذي وُقِّع عليه في 21 سبتمبر 2014م، واتفاق السويد في 13 ديسمبر 2018م وعشرات الاتفاقيات الأخرى دروساً كافية.


أعلى