الورقة الرابحة في الانتخابات الليبية

ذلك يمكن التأكيد على أن العملية الانتقالية الليبية تسير في طريق معبَّد بالأشواك ولا يمكن التكهن بنتائجها النهائية باستثناء أن هناك مسرحية غربية يراد منها شرعنة نظام سياسي يختصر كثيراً من النزاعات السياسية الداخلية التي سمحت بتأثير خارجي غير محمود بالنسبة


تضغط القوى الغربية عبر سلسلة من النشاطات الدبلوماسية لإخراج النظام السياسي الليبي من عنق الزجاجة تمهيداً لمرحلة سياسية جديدة يفرزها صندوق الانتخابات الأممي الذي جاء مليئاً بالثقوب وبدون أي شرعية دستورية، عبر لجنة وصاية ليبية تشكلت بتدبير السيدة ستيفاني وليامز، مندوبة الأمم المتحدة لدى ليبيا، مكوَّنة من خمسة وسبعين عضواً، قررت بين عشية وضحاها عقب فشل خليفة حفتر في السيطرة على العاصمة طرابلس، بأن ليبيا تحتاج انتخابات رئاسية قبل أن تنظم انتخابات برلمانية تشرع لواقع انتقالي جديد، وقد حددت اللجنة المختارة 24 ديسمبر 2021م موعداً مؤكَّداً لانتخاب رئيس جديد لليبيا، تيمناً بذكرى يوم الاستقلال. وبدعم أمريكي أوروبي نجحت اللجنة المذكورة في انتخاب مجلسٍ رئاسيٍّ ليبيٍّ مصغَّر مكوَّن من ثلاثة أعضاء، يمثلون ثلاثة أقاليم ليبية هي: طرابلس، وبرقة، وفزان، ثم رئيس لمجلس الوزراء المؤقت عبد الحميد الدبيبة.

رغم أن المخرَج النهائي هو توحيد المشهد السياسي الليبي تحت قيادة واحدة؛ إلا أن العنوان الأكبر للضغط الأمريكي الأوروبي هو إخراج روسيا وتركيا والحد من دورهما في العمق الإفريقي ومنطقة شرق البحر المتوسط. لذلك حينما نتحدث عن مراحل تطور الواقع السياسي والأمني الداخلي الليبي فنحن نشير هنا إلى حالة اسثنائية فرضتها التدخلات الخارجية، وما يجري اليوم من تدافع تجاه صندوق الاقتراع رغم عدم نجاح الكتل البرلمانية الليبية في المصادقة على تشريع أساسي يضمن شرعية هذه الخطوة؛ فإننا نتحدث عن إعصار سياسي هدفه هو اجتثاث قوى ثورة فبراير وتقييد تأثيرها باعتبارها أكبر خطر على مصالح الكتلة الغربية في ليبيا. وقد فجرت القائمة الأولية التي أعلنتها المفوضية العليا للانتخابات التي ضمت 73 مرشحاً للانتخابات الرئاسية، أزمةً سياسية عقب استبعادها سيف الإسلام القذافي من الترشح وموافقتها على كلٍّ من خليفة حفتر وعقيلة صالح وعبد الحميد الدبيبة، وأثارت غضب بعض القوى والفصائل الثورية في طرابلس ومصراتة والزنتان وهددت بعضُ تلك الفصائل بالعودة إلى المواجهة المسلحة لضمان عدم وصول حفتر للسلطة باعتباره مجرم حرب يتواطئ المجتمع الدولي لتسليمه الحكم في ليبيا. ورغم أن المفوضية العليا للانتخابات قد أكدت أن القائمة أولية وقابلة للطعن إلا أن الجماعات السياسية في العاصمة طرابلس تعتقد أن هناك مؤامرة لتمكين حفتر ولذلك تم استبعاد سيف الإسلام القذافي من السباق الرئاسي بل إن كتيبة عسكرية تابعة للقوات التي يديرها حفتر قامت بمهاجمة المحكمة الابتدائية في مدينة سبها جنوب ليبيا وإغلاقها لمنع القذافي الابن من الطعن في قرار استبعاده!

تستمد المفوضية العليا للانتخابات قدرتها على ضمان سير هذه العملية فقط من اعترافِ ودعمِ القوى الغربية التي شاركت في مؤتمر باريس الأخير وهي الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وليبيا، لذلك يتم توجيه العديد من الانتقادات لها والتشكيك في قدرتها على تنظيم انتخابات نزيهة في ظل طغيان التصارع الأمني على المشهد السياسي، بالإضافة إلى التحفظ التركي والروسي على هذه الحَراك الغربي المتسارع في ليبيا، الذي كانت أُوْلى ثماره، طلباً فرنسياً إلى القائد العسكري خليفة حفتر بترحيل 300 من مرتزقته إلى بلادهم، وإصرارها على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها المقرر سلفاً في 24 من ديسمبر 2021م.

أكثر المرشحين تأثيراً هو سيف الإسلام القذافي الذي كان أول ظهور إعلامي له في حوار أجرته معه صحيفة نيويورك تايمز في أكتوبر الماضي، وقال حينها إنه غاب عن الليبيين لسنوات لكن سيعود ببطء كـ (راقصة تعرٍّ)! وظهر القذافي الابن مرة أخرى أثناء تقديم طلب ترشيحه في مركز انتخابي مرتدياً ملابس تقليدية تشبه تلك التي كان يرتديها والده في خطابه الشهير في (باب العزيزية) قبل سقوطه ومقتله. يبدو أنه خرج من النفق ولا يحمل فقط الطموح بالعودة إلى قمة الهرم السياسي الليبي بل أيضاً يحمل كثيراً من الثأر من خصومه. في اليوم الذي تُلي فيه إعلان ترشُّح القذافي الابن أغلق نشطاء من الزنتان المدينة التي تحميه مركز الانتخابات بزعم رفضهم لترشيح أي شخصية متورطة بجرائم حرب ضد الليبيين للانتخابات، ورغم تقنين عملية رفض ترشحه واستبعاده بصورة أولية من السباق الرئاسي الليبي إلا أن القذافي الابن يمتلك دعماً سخياً ليؤدي دوراً سياسياً في المرحلة المقبلة في ليبيا، وما الضغوط الأمنية التي أعقبت ترشحه سوى تفسير واضح لقوة الرجل وتأثيره في المرحلة الحالية، ولا شك أن استمراره في المناورة داخل المشهد السياسي الليبي طوال الفترة الماضية رغم صدور أحكام بالإعدام عليه ومذكرة دولية لاعتقاله، تشير إلى أن هناك من يحمي وجوده في الزنتان، وهذا الأمر يحتمل تفسيرين:

الأول: مرتبط بقوة خارجية تعدُّه ورقة رابحة يمكن الاستفادة منها لتقلب الطاولة على التدافع الغربي في ليبيا.

وثانياً: يمكن أن يكون هناك ميليشيات قبلية تدعم وجوده وبقاءه في السلطة وإبعاد حفتر من المشهد السياسي، وهنا لا بد من الإشارة إلى حراك الرجل الخارجي الذي يتم من خلال رجل أعمال فرنسي من أصل جزائري هو الطيب بن عبد الرحمن، لتبييض سمعته إعلامياً وسياسياً وتنشيط علاقاته الدبلوماسية الخارجية. ووَفْقاً لمجلة (جون أفريكا) فإن التعريف بحقيقة مستشار القذافي الابن تحفه الضبابية للغاية لكنه يتمتع بعلاقات متشعبة في باريس والدوحة وبعض العواصم الإفريقية، وأسس النادي الجيوسياسي، عام 2016م، وهو مؤسسة فكرية مكرسة للقضايا الجيوسياسية والإستراتيجية التي تسمح له بإقامة علاقات جديدة، وكان يتعاون مع مركز الدراسات الإستراتيجية، وهو تكتل من مؤسسات الفكر والرأي الأوروبية المشاركة بشكل كبير في المؤسسات الأوروبية، وكذلك داخل النظام البيئي الاقتصادي والإستراتيجي.

يتمتع القذافي الابن برصيد جماهيري مرتفع وسط عشيرته وبين بعض القبائل التي كانت تتمتع بامتيازات مادية في عهد معمر القذافي، كذلك فإن نسبة من الليبيين أصابتها خيبة أمل إثر تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية في البلاد ولا تمانع من دعم سيف الإسلام القذافي، وما تبقى من داعمي القذافي الذين تجمعهم الحركة الخضراء وتحاول توثيق علاقاتها مع موسكو التي بدورها استقبلت وفوداً رسمية ممثَّلَة عن القذافي الابن في السنوات القليلة الماضية ولا تمانع الرهان عليه في الانتخابات المقبلة أو بقائه في المشهد السياسي الليبي مستقبلاً. ففي أغسطس الماضي أفادت وكالة بلومبيرغ الأمريكية، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضغط على خليفة حفتر لدعم نجل القذافي في الانتخابات الرئاسية الليبية، لذلك يمكن التأكيد على أن ما يجري في ليبيا هو عبارة عن صراع بين قوى خارجية من أجل مصالح أمنية واقتصادية إذ تمتلك شركة إيني الإيطالية وتوتال الفرنسية وريبسول الإسبانية حصصاً في النفط، في حين تعمل أيضاً شركة الطاقة الروسية غازبروم على مشاريع بالتنسيق مع حفتر، وكانت روسيا تُعَدُّ المورد الأبرز للأسلحة في عهد معمر القذافي.

تستند المفوضية العليا للانتخابات إلى حكم بالإعدام أصدرته محكمة طرابلس في عملية استبعاد سيف الإسلام القذافي في المرحلة الأولى من الترشح للانتخابات، لكن على الصعيد الداخلي الأمر لا يزال غامضاً قليلاً فالمشهد بالنسبة لليبيين لا يخلو من المؤامرة في ظل تأجج الصراع بعد إعلان قائمة المستبعدين بمن في ذلك رئيس المؤتمر الوطني الليبي السابق نوري بوسهمين، وهو شخصية محسوبة على الإسلام السياسي تم استبعاده بسبب قضية حدثت أثناء توليه منصباً حكومياً في عهد معمر القذافي، الأمر الذي فسر على أنه محاولة لإقصائه رغم استخراجه شهادات عدلية تثبت عدم تورطه في أي قضايا سابقة.

أحد أهم الداعمين لسيف الإسلام القذافي الخصم الشرس لحفتر هي الميليشيات المسلحة التي تحتجزه في الزنتان ورفضت تسليمه لمحكمة طرابلس عقب صدور حكم بإعدامه يحاول تقديم استئناف لتفاديه، فمن غريب المتناقضات في ليبيا أن الفصائل التي تحكم المدينة رغم معارضتها لحكومة طرابلس إلا أنها تحتفظ بعلاقات قوية معها، ففي الحملة التي نفذها حفتر على العاصمة الليبية قاتلت مجموعات من الزنتان تحت قيادة أسامة الجويلي ضد حفتر ولعب دوراً بارزاً في تنسيق الهجوم على ميليشيات خليفة حفتر التي حاصرت العاصمة، رغم أن الميليشيات نفسها داهمت برلمان طرابلس في عام 2020م بالتنسيق مع حفتر؛ إلا أنها تحصلت على ما يمكن تسميته بالصفقة مع الحكومة المركزية بموجبها انسحبت من تحالف حفتر وسحبت قواتها من قاعدة الوطية الجوية وهو ما سمح لحكومة الوفاق بالاستيلاء عليها وتحويلها لمركز عملياتها لمهاجمة ترهونة، وكانت هذه خطوة هامة في دفع قوات حفتر للعودة إلى الجفرة وسرت.

لذلك يمكن التأكيد على أن العملية الانتقالية الليبية تسير في طريق معبَّد بالأشواك ولا يمكن التكهن بنتائجها النهائية باستثناء أن هناك مسرحية غربية يراد منها شرعنة نظام سياسي يختصر كثيراً من النزاعات السياسية الداخلية التي سمحت بتأثير خارجي غير محمود بالنسبة لبعض القوى مثل التأثير التركي والروسي، فأبرز المرشحين للانتخابات الرئاسية الليبية تربطهم علاقة بصورة أو بأخرى بأطراف خارجية، فالقائد العسكري خليفة حفتر الذي فشل خلال السنوات الماضية في السيطرة على البلاد عبر القوة العسكرية رغم الدعم السخي الذي قُدِّم له من الروس والفرنسيين له تاريخ عميق الجذور في التعاون مع الاستخبارات الأمريكية وهو حاصل على الجنسية الأمريكية، لذلك كانت آخر خطواته هي إرسال نجله صدام حفتر إلى الدولة العبرية لإبرام صفقة مبسطة جداً تنص على أن يلعب اللوبي الصهيوني في واشنطن دوراً في دعم والده في الانتخابات مقابل التطبيع لاحقاً مع الدولة العبرية. هذا الأمر ترجمه سريعاً قرار استثنائي للقاضية الأمريكية ليوني برينكيما التي بموجبه جمدت النظر في دعوى قضائية ضد حفتر لحين الانتخابات الرئاسية الليبية. من الناحية القانونية فإن حفتر وكذلك عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي، وهو أحد أهم أدوات حفتر في الصراع السياسي مع الغرب الليبي، بالإضافة إلى رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة الذي فرضه التوافق الدولي على المشهد الليبي نجحو في تجاوز شروط المفوضية العليا للانتخابات رغم وجود كثير من المخالفات القانونية التي تبطل ترشحهم مثل استمرارهم في وظائفهم الحكومية وحملهم جنسيات أخرى، لكن المتابع للمشهد الليبي يرى من خريطة المرشحين أن ليبيا تسير على شعرة ملتهبة لتخطي المرحلة الانتقالية وفرصة إتمام عملية انتخابية نزيهة هي أشبه بمعجزة في ظل وجود قرابة 20 ألفاً من قوات المرتزقة يتبعون لأطراف خارجية تتمسك بقوة في بقائها داخل الأراضي الليبية.

وفي ظل التصارع المحتدم بين أبرز المرشحين إلا أن هناك شخصيات سيكون لها تأثير كبير في تشتيت أصوات الناخبين مثل وزير الداخلية السابق في حكومة الوفاق الوطني فتحي باشاغا، الذي كان منافساً للدبيبة في انتخابات ملتقى الحوار السياسي، وتميل كفته الجماهيرية في الغرب الليبي، وكان قد انتخب لعضوية مجلس النواب عن مصراتة في عام 2014م لكنه قاطع جلسات البرلمان بسبب خلافات سياسية، ولديه خلافات مع بعض الفصائل الثورية بسبب محاولته التقرب من الفرنسيين، وهي خطوة لم ينجُ منها الدبيبة إذ كشفت مصادر ليبية عن موافقته على صفقة بموجبها تقوم شركة توتال الفرنسية بالاستحواذ على 8% من شركة الواحة النفطية في محاولة لاسترضاء الفرنسيين والحصول على دعمهم في الانتخابات، ودبيبة كغيره من رجال الأعمال الذين عملوا مع نظام معمر القذافي وكان من ضمن الدوائر المقربة منه، وتولى إدارة الشركة الليبية للتنمية والاستثمار، وهي شركة حكومية كبيرة، ويقف خلفه ابن عمه علي الدبيبة وهو رجل أعمال أيضاً من بقايا النظام الليبي السابق، وصعوده المفاجئ قد يكون أحد إفرازات تأثيرهم المالي في ليبيا. والدبيبة لاعب سياسي مخضرم أظهر ذلك بوضوح عبر مغازلته لمصر بصفقات ضخمة بين البلدين، وكذلك تقديم دعم سخي للمقبلين على الزواج من الشبان الليبيين، ومحاولته استجلاب الدعم الغربي لرؤيته السياسية، وتعميه على إدارة التعليم في ليبيا بالاعتراف باللغة الأمازيغية، ومحاولته دائماً البقاء على خط تماس بين الإسلاميين وتركيا.

كذلك ضمن قائمة المرشحين محمد الغويل، وكان أحد المنافسين لحكومة الدبيبة خلال انتخاب السلطة الانتقالية المؤقتة في ملتقى الحوار السياسي. ورئيس الوزراء السابق علي زيدان، وعثمان عبد الجليل وزير التعليم السابق، وكان عبد الجليل أحد المنافسين للدبيبة في انتخابات ملتقى الحوار السياسي. ومن المرشحين البارزين عارض النايض، وهو مستشار للأمن القومي لرئيس الوزراء السابق عبد الله الثني المقرب من حفتر، والسفير الليبي السابق في الإمارات، أما المرشح الآخر القادم من الإمارات هو إسماعيل الشتيوي، ولديه قاعدة شعبية من الجمهور الرياضي الليبي، وترأس اللجنة الإدارية في النادي (الأهلي) الرياضي عامي 2006 و 2007م.

أحد الفاعلين في الساحة الليبية هو السفير الأمريكي ريتشارد نورلاند، الذي التقى ببعض المرشحين في الانتخابات الرئاسية الليبية في طرابلس، برفقة سفراء إيطاليا وبريطانيا وفرنسا، عقب اجتماع باريس، ونقل في الاجتماع - بحسب بيان للسفارة الأمريكية - رغبة واشنطن بإتمام الانتخابات الليبية في موعدها، والموقف الأمريكي تُرجِم في الآونة الأخيرة بحدوث تقدم سياسي كبير في ليبيا أوله تراجع الدور المصري في دعم حفتر عقب ورود تقارير عن إنشاء روسيا لقواعد عسكرية في العمق الإفريقي وتحميلها مسؤولية انقلابات عسكرية في مالي ودورها الأمني في إفريقيا الوسطى؛ أي أن الدور الأمريكي جاء متأخراً للحد من التدخل الروسي في إفريقيا عقب انتكاسة كبيرة للفرنسيين في حملة برخان العسكرية لقتال الجهاديين في مالي.

تواجه ليبيا معادلة سياسية صعبة تظهر أن الانتخابات المقبلة مجرد مسرحية هدفها فقط إحدى نتيجتين:

أولاهما: أن يصعد مرشح قادر على الحفاظ على المصالح الغربية وينهي المعادلة العسكرية التي أفرزتها الصراعات التي تلت 17 فبراير 2011م.

ثانيتهما: الانتقال إلى مرحلة أكثر حدَّة من الصراع العسكري لكن مثل هذه الخطوة قد استنفدت بالنسبة للكتلة الغربية عقب فشل حفتر في السيطرة على طرابلس، لذلك منذ فشل حفتر في طرابلس شن حملة عسكرية ضخمة لإغلاق الحدود مع الجزائر باعتبار ذلك أحد موارد الفصائل المسلحة في المنطقة الغربية وعدَّها منطقة عسكرية مغلقة، في حين قام الرئيس التونسي قيس سعيد بخطوة مشابهة في محاولة لحصار الفصائل المسلحة التي تعتمد على الحدود التونسية والجزائرية في عمليات التهريب، وهذا الأمر يجعل تركيا المصدر الوحيد لدعم الفصائل في المنطقة الغربية، بالإضافة إلى ذلك فقد منح المجتمع الدولي حكومة طرابلس نقطة قوة حينما اعترف فقط بشرعية المؤسسة الليبية للنفط مورِّداً وحيداً للنفط الليبي وأضعف من تأثير حفتر الذي حاول دائماً استغلال سيطرته الأمنية على النفط لتعزيز حضوره العسكري والسياسي.

كل ما سبق ذكره هو محاولة للإسهاب في تفاصيل الخريطة السياسية الليبية للخروج بنتائج مرضية بشأن مستقبل النظام السياسي في ليبيا وإفرازات ما بعد الانتخابات، ولأسباب واضحة يمكن التكهن بأنه لا يوجد مرشح بارز يمكن تأكيد فوزه بسبب الانقسامات القبلية والسياسية والتأثيرات الخارجية، لكن عقب إظهار القوائم النهائية لمن تمَّت الموافقة عليهم من المفوضية العليا للانتخابات وهي مفوضية خاضعة لحكومة طرابلس؛ فمن المرجَّح أن يحدث انقسام سياسي جديد في ليبيا بين مَن يرفضون العملية الانتخابية التي تجاوزتهم وبين مَن يعتقدون أنهم يمتلكون القدرة على الحصول على مكاسب في العملية الانتخابية، لكن ستبقى الخريطة السياسية رهينة للواقع الديموغرافي في ليبيا بين الغرب الليبي الذي يمثل الثورة وبين الشرق الذي يعدُّ مركزاً للوجود العسكري لحفتر الذي يرفض التخلي عن مكاسبه ومكاسب حلفائه فهو ورقة الرهان الوحيدة للحفاظ على تأثيرهم في مستقبل ليبيا.

بعض وجهات النظر الليبية ترى أن نتائج الانتخابات سوف تزيد من فرص شرعنة الانقسام بين الشرق بزعامة حفتر وبين الغرب الذي يحتكم لمعادلة الفصائل الثورية لكن لإرباك هذه المعادلة هناك فرصة واحدة يمثلها سيف الإسلام القذافي باعتباره لاعباً جديداً يستطيع أن يسحب البساط من تحت أقدام حفتر في الشرق في حال نجح في الحصول على توافق مع الفصائل المسلحة في الغرب وعرقل مشروع استبعاده من الانتخابات، فقد كان الرجل يتمتع بعلاقات قوية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل إسقاط حكم والده، ووَفْقاً لتصريح سابق له نشرته نيويورك تايمز، فقد طلب منه أردوغان الانسحاب قبل فوات الأوان، لذلك يمكن أن يفصَّل الأمر كالآتي:

إن سيف الإسلام القذافي رغم جهود استبعاده إلا أنه يمثل قوة سياسية سيكون لها تأثير على المشهد السياسي مستقبلاً وقد يفسد استبعادُه الانتخابات عبر استهداف مراكز الاقتراع، فقد نظم بعض المؤيدين له على وسائل التواصل الاجتماعي عقب قرار استبعاده حملة لحرق بطاقات الاقتراع احتجاجاً على قرار المفوضية العليا للانتخابات لكن محامي سيف الإسلام القذافي، ومستشاره القانوني قد أعلن عن تقديمه طعناً في قرار استبعاده، لذلك المتغيرات متسارعة لأن هناك لعبة غامضة تدار في الخفاء بخلاف ما يظهر للعلن. ففي نوفمبر الماضي أعلن خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية - وهو شخصية محسوبة على الإسلاميين الذين تدعمهم تركيا - أن القانون الذي صادَقَ عليه برلمان الشرق يمهد الطريق لمشاركة حفتر والقذافي في الانتخابات لذلك لا يمكن الاعتراف بشرعية الانتخابات في حال صعد حفتر للسلطة باعتباره مجرم حرب. تصريحات المشري جاءت لتؤكد تأثير الدور التركي في العملية الانتخابية، فأنقرة تبحث عن مرشح يضمن الحفاظ على الاتفاقات الدفاعية والاقتصادية بين ليبيا وتركيا، لذلك فوز حفتر لن يكون من صالحها وحلفائها، لذلك يجري الحديث عن وجود مرشحين مثل عبد الحميد الدبيبة والقذافي وفتحي باشاغا باعتبارها خيارات سهلة بالنسبة لأنقرة، لأن فوز حفتر على الأرجح سيجر البلاد إلى مواجهة عسكرية جـديدة لا تُـحمدُ عقباها.

 


أعلى