معالم شرعية في الصراعات الأوربية

قد يكون من المصلحة النأي والابتعاد عن الساحة برمتها، فلا نقف مع هذا ولا مع ذاك، فليس من منهج الإسلام زرع العداوات وتكثير الأعداء


الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

نحاول هنا وضع بعض المعالم الشرعية في هذا الحدث الضخم (حرب روسيا وأوكرانيا).

الأول: اليقين بالقضاء والقدر:

فلا يقضي الله - تبارك وتعالى - قضاء إلا بعلم وحكمة؛ فعلى المسلم أن يحققَ الإيمان بالقضاء والقدر، وأن يستثمرها، ويستلهم العِظَة والعبرة منها.

الثاني: سُنة التدافع:

وهي سنة كونية ثابتة مَوَّارة {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251]، {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْـضٍ لَّهُـدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَـاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْـمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُـرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَـوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، تدافُـعٌ بين الخير والشر بمختلف مستوياتهما، أو بين شرَّين أحدهما أطغى من الآخر.

وفي السياسة الشرعية يقدَّم الأقل شراً وضرراً، كتقديم المشرك على الملحد والكتابي على المشرك، وكجهاد الكفار تحت راية أمراء الجَور والفسق إذا لم يوجد خيرٌ منهم، وقد مدح شيخ الإسلام طوائف من المبتدعة في الصفات كالكلابية والكرامية والأشعرية، في جانب تصديهم لمن هم أسوأ، كالمعتزلة والرافضة واليهود والنصارى والزنادقة والملحدين.

فالعدو الشرقي (الروسي والصيني) أشرس من العدو الغربي، وصِدَامه معنا مباشر، وقد تتسبب صَعَقاته في إيقاظ الأمة وانتباهها، في حين العدو الغربي ذو عداوة مبطَّنة؛ ناعمة المظهر والملمس، سُمِّيَّةُ الباطنِ والمخبَر، فخطورته أشد، وها هي ثقافته المنحرفة تتسرب إلى أوطان الإسلام وتسري في بيوت المسلمين، ويتربى عليها كثير من الناشئة.

ففي الأمور شديدٌ وأشدُّ، وكبير وأكبر: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: ١٩١]، {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217]، فمن السياسة الشرعية دفعُ الأشد بالأخف، كما في حادثة بول الأعرابي في المسجد[1]، قال ابن تيمية: «فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بقدر الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعاً، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعاً»[2].

فالكفَّار لما كانوا متفاوتين في درجة عداوتهم للمسلمين، لم يكن من الحكمة ولا من السياسة الشرعية جمعهم في خندق واحد ومحاربتهم دفعة واحدة، فبغضُهم جميعاً ولاءٌ وبراء، واستعداؤهم جميعاً سياسة خرقاء، وتأجيل الاشتباك بأنواعه مع بعضهم سياسة شرعية حسناء {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى} [المائدة: 82].

فندفع أشدَّ الناس عداوة لنا وخطراً علينا بأخفهم، ولا نصطف مع عدوٍّ دائم ضد عدو مؤقت، ولا مع عدو أَحْقَدَ ضد عدو حاقد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وعلى هذا استقرت الشريعة بترجيح خير الخيرين ودفع شر الشرين وترجيح الراجح من الخير والشر المجتمعَين»[3]، ومَدَحَ أبا الحسن الأشعري من جهة بيانه لِـما لم يبيِّنه غيره من فضائح المعتزلة وتناقض أقوالهم وفسادها، وتأليفه الردودَ عليهم، ولو أنها على طريقة الكُلَّابِيَّة فهي أقرب للسنة من المعتزلة[4].

وقد يكون من المصلحة النأي والابتعاد عن الساحة برمتها، فلا نقف مع هذا ولا مع ذاك، فليس من منهج الإسلام زرع العداوات وتكثير الأعداء {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً} [الممتحنة: ٧].

الثالث: العدل والرحمة:

البغض المتبادل بيننا وبين الكفار والعداوة المشتركة بيننا، لا تبيح لنا الاعتداء عليهم، ولا تمنع العدل منَّا فيهم {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: ٨]، والشنآن هو أشد البغض[5]، كما لا تمنع الإقساط والبر بمن سالَمنا ولم يحاربنا منهم {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: ٨].

الرابع: على المعتدي تدور الدوائر:

{وَلا يَحِيقُ الْـمَكْرُ السَّيِّئُ إلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43]، الرئيس الأوكراني يساند الكيان الصهيوني المحتل ضد مسلمي فلسطين، ويغرِّد أثناء ردِّ العدوان الصهيوني على غزة: «سماء إسرائيل مليئة بالصواريخ! بعض المدن مشتعلة، والعديد من القتلى والجرحى، لا يمكننا أن ننظر دون حزن ورحمة، من الضروري وقف التصعيد فوراً» وها هو اليوم تتساقط الصواريخ والقذائف الروسية على رأسه وفوق بلاده {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] ليذوق بعضاً مما يعانيه المظلومون.

الخامس: بين الفرح والألم:

لا نفرح بمصائب الأمم بقدْر ما يعتصرنا الألم على موت الكافر على كفره، وندعو بالهداية لكل ضال، ونجتهد في إنقاذه، فالمحنة أحياناً باب للمنحة، فأسرى الحرب يُقادون مكرهين من مجتمعهم إلى مجتمع المسلمين ليروه على حقيقته، بعد إزالة الغشاوة والتضليل الممارَس عليهم في بلادهم، فلا يلبَثون أن يُسلِموا، ليسعدوا في الدنيا والآخرة[6]، ولو نظرت لأئمة العلم لوجدت أكثرهم من القادمين وأبناء القادمين لبلاد الإسلام (بالسلاسل)!

السادس: عدم الأمن من مكر الله، والتوجس من آثار معصية الله:

 فبين عشية وضحاها تحولت أوكرانيا من بلد سياحة واستجمام إلى ميدان حرب ودمار ورعب، ولما فُتحَت قبرص «تنحى أبو الدرداء رضي الله عنه ثم احتبى بحمائل سيفه فجعل يبكي، فأتاه جبير بن نفير فقال: ما يبكيك يا أبا الدرداء؟ أتبكي في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ وأذل فيه الكفر وأهله، فضرب على منكبيه ثم قال: ثكلتك أمك يا جبير بن نفير ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره بينا هي أمة قاهرة ظاهرة على الناس لهم الملك حتى تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى»[7].

السابع: العنصرية الكامنة:

تكمن في تجاويف النفس البشرية بعضُ الأخلاق التي تخون صاحبها عند المحك، فتبرز عندما تُثار، لقد تَعَنْصَرَ الغرب من خلال نُخَبِه السياسية والإعلامية بصورة فجة مقيتة، برزت في قرارات ساستهم، برفض دخول غير أبناء جنسهم لأراضيهم! وتكررت على ألسنة ساستهم وإعلامييهم وأقلام كُتَّباهم أن هؤلاء اللاجئين صنف جديد! غير معهود! ليسوا أفغاناً ولا سوريين ولا عراقيين، ولا من الشمال الإفريقي. فهذا رئيس وزراء بلغاريا يصرِّح هو وغيره بدهشة بأن الأوكران النازحين لبلادهم بيض البشرة شُقر الشعور زُرق العيون، وأذكياء متعلمون، قدموا بسياراتهم... إلخ. نعم! لم يقدموا على الأقدام كلاجئي العرب، هاربين من جحيم قنابلكم وقذائفكم! الأمتعةُ على ظهور الآباء، والأطفالُ على أيدي الأمهات!

يحق لهم الاستغراب فهم الذي يوقدون نيران الحروب بين الشعوب {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْـحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْـمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64]، ثم يستقبلون - إن استقبلوا - لاجئي حروبهم عمالةً رخيصةَ الأجر، (يمنحونهم) سقفاً وهامشاً متواضعاً من الحريات، لا يسمحون لهم بتجاوزه، فإذا قاربوا وصوله فالقمع والاستئساد، والشراسة والعناد، والتخلي عن كل الشعارات الجوفاء والحريات المزعومة، التي طالما تغنَّوا بها دهراً، حتى لَتَقوم دولةٌ كاملة ولا تقعد على مجرد منديل تضعه امرأة على شعر رأسها! {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75]؛ أي لا سبيل لأحد علينا بعقاب ولا بلوم إن فعلنا ما شئنا بغير جنسنا وعنصرنا، وبخاصة العرب!

ليس مستغرباً أن تجد أحدَهم عضواً في جمعيات الرفق بالحيوان التي تُحاكِم من يدعس قطّاً، ثم يركب طائرته المحملة بقنابل الموت ومتفجرات الدمار ليلقيها عشوائيّاً على مدينة مأهولة فيزهق آلاف الأرواح من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، والطيور و (القطط والكلاب) والدواب والحشرات... إلخ، ثم يعود ليحتسي قهوته ويلعب مع أطفاله! دون اكتراث أو حتى تأنيب ضمير.

يعلمنا ديننا العظيم الرقيَّ في الرحمة بالخلق، حتى ليحكي لنا عِتَاب الله لنبي من أنبيائه الكرام على قتل نمل بالحرق لمجرد إيذاء نملة منهن له[8]! وفي الحروب يحرُم قتل غير المقاتلين: كالنساء والأطفال وكبار السن والمنقطعين للعبادة وعموم غير المحاربين، والحيوانات، وتدمير المنشآت والزروع؛ فمن وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم  للمجاهدين: «وَلاَ تَغْدرُوا وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيداً...»[9].

فليس في الإسلام حرب مدن، يُباد فيها الأخضر واليابس؛ يُدمََّر فيها الإنس والجن والطير والحيوان والنبات والمنشآت، ليس في حضارة الإسلام قنابل تُلقى فوق رؤوس المدنيين الآمنين في مدنهم وقراهم، ممن لا ناقةَ لهم في الحروب ولا جمل! لا كما يفعل الشرق والغرب الكافر منذ عُرفت القذائف والقنابل، وستبقى هيروشيما ونكازاكي اليابانيتان في الذاكرة التاريخية ما بقيت الدنيا، ولا يزال الغرب على هذا المنوال إلى اليوم.

ويتقدم الإسلامُ ميثاقَ هيئة الأمم للاجئين 1951م قروناً بتشريعات أرقى بمراحل، عجزت البشرية كلها إلى اليوم أن تُقارِبها، قال تبارك وتعالى: {وَإنْ أَحَدٌ مِّنَ الْـمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ} [التوبة: ٦] رُقيٌّ عجيب! في الإجارة دون تمييز على أساس دين أو عرق أو لون، وفي الاجتهاد في إسماع الـمُجَار صوت الحق المحجوب عنه، وفي إبقائه في أمان المسلم وعهدته وجواره، وفي إبلاغه مكاناً ينطلق منه إلى أهله آمناً على نفسه وما معه من ممتلكات، بعد أن يفرغ من حاجته، وعدم قذفه في أتون المخاوف مرة أخرى والتخلي عنه!

إنها لوحة من الرُّقِيِّ الباهر.

الثامن: صوت الفطرة:

هذا نداء الفطرة يتصاعد من تحت الأطباق، ويعلو عند المحك، ويظهر وقتَ الجِد، فبعد محاولات الطمس على مدى عقود، يبرز صوت الفطرة من بين الأنقاض منادياً بأن {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} [آل عمران: 36]، فيأذن الأوكران للنساء بالرحيل، إذ ليس من شأنهن القتال {أَوَ مَن يُنَشَّأُ فِي الْـحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْـخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18] ويُلزِمون الرجال بالبقاء والقتال. وتنهار شعارات المساواة بين الجنسين... تلك الشعارات الكبرى المضللة، تسقط في ظرف أيام، وبِحَدث واحد، رغم ضخامة الآلة الإعلامية التي نسجتها، والتشريعات السياسية والاجتماعية التي دعمتها.

هناك تتهاوى الشعارات المصادمة للفطرة، فيصطف (المتحولون) مع النساء على الحدود ليَخرُجوا، فيعيدونهم (لأصلهم) مع الرجال ليقاتلوا.

التاسع: تحسبهم جميعاً:

يظن بعض المتوهمين أن الكفار على قلب واحد، وبينهم من الانسجام والوئام ما لا تنفذ من خلاله الإبرة! والواقع عكس ذلك {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14]، قال الذهبي في حوادث سنة 582هـ: «وفيها وقع الخلاف بين الفرنج - لعنهم الله - وتفرَّقت كلمتهم، وكان في ذلك سعادة الإسلام»[10]، وهي خلافات تتكرر كثيراً، وقَلَّ أن تبرز لنا على الساحة إلا إذا بلغ سيلُها الزُّبى! وهذا من شؤم نسيانهم أوامر الله تعالى {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14].

فللمسلمين أن يفرحوا بضعف العدو وبما يُضْعفه، وبانتصار الأخف شرّاً والأقرب للحق، فقد فرح الصحابة رضي الله عنهم بانتصار الروم الكتابيين على الفُرس المجوس الوثنيين، كما في مُفْتَتَح سورة الروم[11].

وعليهم رصدُ هذه الخلافات ودراستُها وإدارتُها وإذكاؤها بحكمة وحنكة، ناصرين أحياناً الأقرب لنا على الأبعد عنا، أو معتزلين الفئتين أحياناً أخرى، تاركين الشر يطحن بعضُه بعضاً، ملتقطين أنفاسنا، ملتفتين لمصالحنا.

وخلافاتهم هذه وخصوماتهم ستستمر معهم، ليختصم الأتباع والمتبوعون في الآخرة، كما في الـمَعْلَم التالي:

العاشر: تبرؤ المتبوعين على الباطل من الأتباع:

صورة دنوية نراها اليوم ونعايشها، وسيكون لها أمثلة صارخة يوم التغابن، صُوَرٌ هناك موغلة في الرعب، ففي القرآن المجيد أكثر من عشرين موضعاً يتبرأ فيها المتَّبَوعون - يوم الحسرة - من الأتباع الرَّعاع، ولاتَ ساعةَ مندم {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ} [العنكبوت: 25]، وعلى رأس أولئك إبليس الذي يقوم خطيباً في أتباعه يوم القيامة[12].

لقد ألقى الغرب بحليفتهم أوكرانيا في فم الدب الروسي على ضمانات بالدعم والحفظ فلما جدَّ الجِدُّ تخلوا عنها لتواجه مصيرها وحدَها {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قَالَ لِلإنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر: 16]، فما أعقلَه وما أَلَبَّهُ ذلك الذي حَذِرَ وحَذَّرَ من الاتباع الأعمى، فالتاريخ يقطر من دماء المسلمين، غدراً من أعدائهم حين وثقوا بهم، وما أفاعيل ستالين بالمسلمين في الحرب العالمية الثانية عنا ببعيد؛ إذ استخدمهم، فلما انتصر قضى عليهم.

الحادي عشر: مكاييل الغرب وموازينه:

في هذه الحرب افتُضِح التناقض لدى الغرب الكافر، إذ يكيل بمكيالين؛ فالمهندس العسكري يُمنح لقب بطل أوكرانيا وهو أعلا وسام شرف أوكراني ويضفي عليه الإعلام الغربي أوصاف البطولة لأنه نفَّذ عملية انتحارية في أحد الجسور ليمنع القوات الروسية من العبور والتقدم.

في حين يَصِم الإعلام الغربي وصداه العربي المقاومين الفلسطينيين - مثلاً - بالإرهاب (حسب المفهوم الغربي)، فالغربي الأبيض بطل إن فعل ما فعل، فإن فعل فِعلَه عربي مسلم فهو (إرهابي) يجب أن يعاقَب هو وبلده وقومه.

وأبو تريكة العربي المسلم تعاقبه الفيفا بصرامة لرفعه شعار التنديد بالحرب على غزة، وخلطه السياسة بالكرة! (زعموا)، في حين يرفع لاعبوا أوروبا اليوم شعارات التنديد بالحرب على أوكرانيا، وبكل اعتزاز وتأييد من الفيفا.

ويُجنُّ جنون العالم الغربي في ظرف أيام ليقاطع روسيا ويحاصرها ويندد بها لمجرد اقتحامها لأطراف أوكرانيا، في حين تعيث روسيا نفسُها في كلِّ سوريا أكثر من عشر سنوات، والغرب لا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزاً.

وحين يتطوع مسلم لدفع عدوان على بلد مسلم يلاحقه الغرب بوصم الإرهاب (بمصطلحهم الغربي) في حين يعلن رئيس أوكرانيا نفسُه الترحيبَ بالمتطوعين للدفاع عن أوكرانيا، ويوصف هؤلاء المتوافدون بالشجاعة والشهامة.

الثاني عشر: الاعتماد على النفس وموارد البلاد:

فاعتماد بعض الدول في غذائها على غيرها بالِغُ الخطر، والوضع ينذر بمجاعات في بعض الدول المعتمِدة في استيراد القمح على روسيا وأوكرانيا، وانظر خطة يوسف عليه السلام في الزراعة والادخار.

وبعدُ... فهذه بعض المعالم في هذا الحدث الضخم، وفي جعبة القراء الكرام كثير من المعالم والأمثلة، والمسلم ناظرٌ معتبِرٌ.


 


[1] انظر: صحيح البخاري (5/2242)، (5679)، وصحيح مسلم (1/236)، (285).

[2] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (23/343)، وانظر قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز ابن عبدالسلام (1/58).

 [3] الاستقامة (1/439).

[4] انظر: منهاج السنة النبوية (5/192).

[5] انظر: تفسير ابن كثير (2/ 9 ، 40).

[6] ففي صحيح البخاري (3/1096)، (2848) «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل».

[7] الزهد للإمام أحمد (1/142)، وسنن سعيد بن منصور، الأثر (2660)، والعقوبات لابن أبي الدنيا (1/4).

[8] انظر الحديث في صحيح البخاري (3/1099)، (2856)، وصحيح مسلم (4/1759)، (2241).

[9] أخرجه مسلم (3/1356)، (1731).

[10] تاريخ الإسلام (41/12).

[11] الآيات 1-5.

[12] انظر خطبته في سورة إبراهيم: 22.

 

أعلى