• - الموافق2026/01/11م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
"كيرين هايسود".. المال الذي مهّد للاستيطان الإسرائيلي

منذ نشأة المشروع الصهيوني، لم يكن السلاح وحده هو من غيّر وجه فلسطين، بل كان المال المنظم والمستدام هو القوة الخفية التي صنعت الاحتلال، وغيّرت الجغرافيا والديموغرافيا، وأسست لبنية استعمارية ما زالت آثارها تتجدد


منذ اللحظات الأولى لتشكّل المشروع الصهيوني، لم يكن السلاح وحده هو الأداة التي فُرض بها الأمر الواقع على أرض فلسطين، بل كان المال، المنظم والمستدام، شريكًا أساسيًا في صناعة الاحتلال وتكريسه. وفي قلب هذا المسار المالي يقف اسم صندوق "كيرين هايسود" بوصفه أحد أخطر وأطول الأذرع تمويلاً وتأثيرًا، ليس فقط لأنه جمع الأموال، بل لأنه حوّلها إلى بنية استعمارية مكتملة الأركان، مهّدت للاستيطان، وغيّرت الديموغرافيا، وأسست لمؤسسات دولة الاحتلال الإسرائيلي التي قامت على أنقاض الأرض والإنسان الفلسطيني.

التأسيس الأيديولوجي

تأسّس صندوق "كيرين هايسود" رسميًا في يوليو 1920م خلال مؤتمر المنظمة الصهيونية العالمية في لندن، في لحظة لم تكن معزولة عن التحولات الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، ولا عن المناخ السياسي الذي أفرزه وعد بلفور عام 1917م. فالصندوق جاء بوصفه الترجمة المالية الأكثر تنظيمًا لذلك الوعد، ومحاولة لتحويل الالتزام البريطاني إلى بنية مادية تتيح فرض واقع استيطاني على الأرض الفلسطينية. ومنذ لحظة التأسيس، لم يُقدَّم "كيرين هايسود" كصندوق إغاثي أو خيري، بل كأداة تأسيس لدولة لم تُعلن بعد، ما يجعل فهمه مرتبطًا بجوهر المشروع الصهيوني ذاته، وقد انعكس ذلك بجلاء في تسمية الصندوق وما تحمله من دلالة سياسية مباشرة؛ فمصطلح "هايسود" في العبرية يعني الأساس أو القاعدة، أي أن الصندوق عُرِّف منذ البداية بوصفه الركيزة التأسيسية للمشروع الصهيوني، أما تسميته الكاملة "الصندوق التأسيسي ـ الجباية الموحدة" فتكشف عن وظيفة مزدوجة: تأسيس بنية استيطانية دائمة من جهة، وتوحيد مصادر الجباية من يهود العالم تحت سلطة مركزية من جهة أخرى. بهذا المعنى، لم يكن الصندوق إطارًا اختياريًا للتبرع، بل نظامًا شبه إلزامي، في صيغة أقرب إلى الضريبة الأيديولوجية.

برز في تأسيس الصندوق عدد من أبرز رموز الحركة الصهيونية السياسية، وفي مقدمتهم حاييم وايزمان، الذي كان آنذاك أحد أبرز مهندسي العلاقة مع بريطانيا، ونحوم سوكولوف، الذي لعب دورًا محوريًا في الترويج الدولي للمشروع الصهيوني، ومنذ عامه الأول، أُخضع الصندوق مباشرة لإشراف اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية، ثم أُلحق لاحقًا بالوكالة اليهودية، ما يعني أن قراراته المالية كانت تصدر في سياق سياسي واستراتيجي لا إداري. فالتمويل لم يكن يُمنح وفق أولويات إنسانية أو اجتماعية، بل وُجّه بدقة نحو دعم الاستيطان الزراعي، وتمويل الهجرة اليهودية المنظمة، وبناء المؤسسات التي ستشكّل لاحقًا العمود الفقري لإسرائيل، مثل شبكات الكهرباء، والنقل، والتعليم العبري. وهنا يتضح أن المال لم يكن أداة مساعدة للسياسة، بل كان السياسة نفسها في صورتها التنفيذية.

 

عاد اسم "كيرين هايسود" إلى الواجهة بوصفه أحد مصادر التمويل الأساسية خلال الحرب. فبحسب تقارير، فقد جمع الصندوق مئات الملايين من الدولارات منذ أكتوبر 2023، تحت عناوين دعم ضحايا الحرب وإعادة التأهيل.

الأهم أن الصندوق تعامل مع فلسطين باعتبارها فضاءً قابلًا لإعادة الهندسة السكانية، لا أرضًا مأهولة بشعب قائم. ففي الخطاب الداخلي للصندوق، لم يُنظر إلى الفلسطينيين كأصحاب أرض، بل كمسألة ديموغرافية ينبغي تحييدها عبر الشراء القسري، أو الإزاحة غير المباشرة، أو خلق وقائع اقتصادية تجعل البقاء مستحيلًا. هذه الرؤية لم تكن انحرافًا طارئًا، بل كانت مكوّنًا بنيويًا في فلسفة الصندوق، وهو ما يفسّر انسجام دوره المالي لاحقًا مع سياسات التهجير والاستيطان القسري بعد عام 1948م، فالصندوق لم يمهّد للاستيطان فقط، بل أسّس لمنطق يرى في المال أداة استعمارية فعّالة، قادرة على صناعة الجغرافيا، وتغيير البنية السكانية، وفرض واقع سياسي جديد قبل أن تتبلور أي تسوية أو اعتراف دولي.

الهجرة والاستيطان

وُجِّه صندوق "كيرين هايسود" الجزء الأكبر من موارده إلى تمويل الهجرة المنظمة، بما يشمل تكاليف النقل والإسكان الأولي، وبرامج الاستيعاب الاقتصادي، وهي منظومة صُمّمت لتحويل المهاجر فور وصوله إلى عنصر منتج داخل المشروع الاستيطاني، لا عبئًا عليه. وتشير وثائق الوكالة اليهودية إلى أن الصندوق كان المموّل الرئيس لموجات الهجرة خلال فترة الانتداب البريطاني، خصوصًا بين عامي 1920م و1948م.

الأرقام تكشف طبيعة هذا الدور بوضوح؛ فبحسب معطيات رسمية صهيونية، موّل «كيرين هايسود» حتى عام 1948م وحده هجرة ما يقارب 500 ألف يهودي إلى فلسطين، وهو رقم يعادل تقريبًا مجمل الزيادة السكانية اليهودية خلال تلك الفترة. وبعد قيام دولة الاحتلال، استمر الصندوق في أداء الدور نفسه، إذ تشير بياناته إلى المساهمة في تمويل وصول أكثر من 3.5 ملايين مهاجر حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين، لا سيما من أوروبا الشرقية، والاتحاد السوفييتي السابق، وإثيوبيا. هذه الهجرة الكثيفة لم تكن تلقائية، بل مشروطة بتوافر تمويل مسبق يضمن توطين المهاجرين في مناطق محددة تخدم الأهداف الاستيطانية، خصوصًا الأطراف والمناطق المتنازع عليها، لخلق كتل سكانية يهودية متماسكة.

لم يكن الاستيطان نتيجة جانبية للهجرة، بل هدفًا قائمًا بذاته، و"كيرين هايسود" كان أحد أبرز مهندسيه. فمن خلال تمويل شراء الأراضي، وبناء المستوطنات الزراعية، ثم لاحقًا المستوطنات السكنية، ساهم الصندوق في خلق شبكة استيطانية مترابطة، قطّعت الجغرافيا الفلسطينية، وأعادت رسمها بما يخدم المشروع الصهيوني، وقد ساهم الصندوق في إنشاء مئات المستوطنات، بعضها أُقيم على أراضٍ جرى شراؤها بطرق ملتوية، وبعضها الآخر على أراضٍ صودرت بالقوة. وقد تضاعف هذا الدور مع الوقت.

شرعنة الدور الاستيطاني

شكّل اعتراف الكنيست عام 1957م بـ "كيرين هايسود" كهيئة رسمية مخوّلة بجمع التبرعات لصالح إسرائيل انتقالًا نوعيًا في موقع الصندوق ووظيفته. فهذا الاعتراف لم يكن مجرد تنظيم قانوني لنشاط قائم، بل إقرارًا سياسيًا صريحًا بأن عمل الصندوق جزء من منظومة دولة الاحتلال، وامتداد مباشر لسياساتها الاستيطانية والديموغرافية. منذ تلك اللحظة، خرج "كيرين هايسود" من منطقة العمل شبه السري أو الحركي، ليعمل بغطاء رسمي يوفّر له الحماية القانونية داخل إسرائيل، ويمنحه شرعية ضمنية.

وقد أتاحت هذه الشرعنة للصندوق توسيع شبكاته الخارجية بوتيرة غير مسبوقة، لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، حيث نشط تحت مسميات متعددة مع الحفاظ على الوظيفة الجوهرية نفسها، وفي ظل هذا الغطاء القانوني والسياسي، اندمج الصندوق ضمن شبكة مالية دولية معقّدة، يصعب إخضاعها للمساءلة، ويتجلّى البعد الأخطر لدور الصندوق في مساهمته المبكرة في تأسيس مؤسسات تحوّلت لاحقًا إلى أعمدة الدولة الإسرائيلية، فالجامعة العبرية في القدس، وشركة الكهرباء، وشركة الطيران "العال"، ومؤسسات المياه والنقل، كانت من عناصر بناء دولة الاحتلال، وقد اضطلع الصندوق بدور محوري في تمويلها بوصفها أدوات لترسيخ السيطرة الفعلية على الأرض والموارد، وبذلك أسهم الاستثمار المؤسسي للصندوق في تحويل السيطرة السياسية إلى واقع يومي ملموس، يُدار عبر الشبكات الخدمية والاقتصادية.

المال والحرب

في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد العدوان على غزة وتوسّع الاستيطان في الضفة الغربية، عاد اسم "كيرين هايسود" إلى الواجهة بوصفه أحد مصادر التمويل الأساسية خلال الحرب. فبحسب تقارير، فقد جمع الصندوق مئات الملايين من الدولارات منذ أكتوبر 2023، تحت عناوين دعم ضحايا الحرب وإعادة التأهيل. هذا التداخل بين المال والحرب يعيد إلى الأذهان الدور التاريخي للصندوق في تمويل العصابات الصهيونية قبل 1948م، ويؤكد استمرارية الوظيفة، وإن اختلفت العناوين.

وراء الأرقام والمؤسسات، يقف الأثر الإنساني العميق لهذا المسار المالي. فكل مستوطنة موّلتها أموال "كيرين هايسود" تعني عائلة فلسطينية اقتُلعت من أرضها، وكل وحدة سكنية بُنيت تعني تقلصًا إضافيًا في المجال الحيوي للفلسطينيين. المال هنا ليس مجرد وسيط، بل أداة عنف غير مرئية، تعمل ببطء، لكنها تترك آثارًا طويلة الأمد.

يكشف تتبع مسار "كيرين هايسود" أن المال لم يكن عاملًا مساعدًا في المشروع الصهيوني، بل كان أحد أعمدته التأسيسية. فمن خلاله مُوّلت الهجرة، وصُنِعَ الاستيطان، وبُنيت المؤسسات، وشُرعنت الدولة، واستُدام الاحتلال. إن فهم هذا الدور لا يهدف إلى استعادة الماضي فحسب، بل إلى إدراك أن معركة الفلسطينيين ليست فقط مع الدبابات والطائرات، بل مع شبكة مالية عالمية ما زالت تعمل، بأسماء قديمة وجديدة، على تكريس الظلم ذاته.

أعلى