• - الموافق2026/01/20م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الدفاع عن الصحابة واختبار وعي الأُمَّة

كيف تحوّلت الإساءة العلنية للصحابة في العراق من تجاوز فردي إلى ظاهرة مهدِّدة لوحدة الأمة، ولماذا أصبح الصمت عنها خللًا شرعيًا ومجتمعيًا يستدعي موقفًا علمائيًا عالميًا وتحركًا مؤسسيًا حاسمًا؟


 

ليست الإساءة إلى صحابة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  حادثةً عابرةً، ولا زلّة لسانٍ فردية يمكن تجاوزها بالصمت عنها أو الاحتواء المُؤقَّت لها، بل هي -حين تتكرَّر وتُعلَن وتُترَك بلا ردع- مؤشرٌ خطير على خلل عميق في الوعي الديني، وانزلاق مُقْلِق في بنية السلم المجتمعي، واعتداء مباشر على أحد أعمدة الهوية الإسلامية الجامعة.

وما يشهده العراق بين الحين والآخر من سبٍّ علني ومُتعمَّد للصحابة الكرام -رضي الله عنهم-، لم يَعُد مجرد سلوك شاذّ، بل ظاهرة آخذة في التكرار، ما يستدعي قراءة نقدية جادّة، تتجاوز ردود الفعل الانفعالية، وتضع الظاهرة في سياقها الديني والسياسي والاجتماعي.

فالصحابة في الوعي الإسلامي العام، ليسوا شخصيات تاريخية قابلة للتجريح أو الطعن، ولا رموزًا تخص طائفة دون أخرى، بل هم الجيل الذي اختاره الله لصحبة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وزكّاهم في كتابه، وجعلهم حلقة الوصل الأمينة بين الوحي والأمة، والطعن فيهم -بأيّ صيغة كان-، ليس طعنًا في أشخاص بسطاء، بل تشكيك في عدالة الرواة، وهدمٌ لموثوقية الدين، وضربٌ لأسس نقل الدين الإسلامي من جذوره.

ومع ذلك، فإن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس وقوعها بحد ذاته، بل تطبيعها بالصمت، وتحويلها إلى مشهد مألوف يُدار محليًّا وكأنه شأن داخلي لا يستحق أكثر من بيانات استنكار موسمية، أو ردود أفعال محدودة لا تتجاوز الجغرافيا العراقية؛ لأنّ هذا التعامل القاصر هو ما منَح المسيء شعورًا بالأمان، ورسَّخ قناعة خطيرة مفادها أن كلفة الإساءة منخفضة، وأن أقصى ما يمكن أن يواجهه هو ضجيج عابر سرعان ما يخبو ويذهب في أدراج النسيان.

إن العراق بما يحمله من رمزية دينية وتاريخية، لا يمكن فَصْل ما يجري فيه عن عمق الأمة الإسلامية كلها، فالإساءة إلى الصحابة على أرضه ليست قضية محلية، ولا خلافًا داخليًّا يمكن عزله داخل حدود الدولة، بل رسالة سلبية تتجاوز الحدود، وتطال مشاعر ما يقارب ملياري مسلم، وتُستخدم -شاء البعض أم أبى- وقودًا للانقسام، وأداة لإعادة إنتاج الكراهية المذهبية وتدوير عَفن الطائفية من جديد.

ولا يَخفى على المتابع أن هذه الإساءات لا تقع في فراغ، بل تتغذى على خطاب تعبوي مقصود، وصمت رسمي وتردد علمائي، وتراكم أخطاء في إدارة التنوع الديني للمجتمع العراقي، فحين تغيب المواقف الصريحة، ويختلط التسامح بالتفريط، وتُقدَّم الحسابات السياسية على الثوابت العقدية؛ ستصبح الرموز الإسلامية آنذاك هدفًا سهلًا، ويُفتَح الباب أمام العبث بالمقدسات تحت أيّ لافتة وبلا رادع ولا حساب.

ومن هنا، فإن اختزال القضية -كما يُروَّج لها- في كونها «حساسية سُنية» أو «إشكالًا طائفيًّا»؛ هو تضليل مُتعمَّد لحقيقة أعمق وأخطر، فالدفاع عن الصحابة ليس معركة فئوية، بل واجبٌ شرعي وأخلاقي، ومسؤولية علمية لا تقبل التجزئة. والسكوت عنها، مهما كانت دوافعه، لا يُفسَّر إلا بوصفه تراجعًا عن دور العلماء التاريخي في حماية الثوابت، وصيانة وحدة الأمة من الذوبان والتفكُّك الناعم.

ولقد أثبتت التجربة أن بقاء ردود الأفعال في الإطار المحلي العراقي لم يَعُد مُجديًا؛ فالعالم اليوم تحكمه الصورة، ويُدار بالضغط الإعلامي والسياسي، ولا يُحْسَب الحساب إلا للمواقف الجماعية ذات الصدى الواسع، أما الأصوات المنفردة -مهما كانت صادقة ومخلصة-؛ فإنها تُستنزَف سريعًا، وتُترَك وحيدةً في مواجهة خطاب مُنظَّم ومتراكم ويُدار بتوجيه المستفيد الذي يعتاش على بقاء هذه الظاهرة في المجتمع.

وهنا تكون المسؤولية مضاعَفة على المؤسسات العُلمائية والهيئات الشرعية العالمية، لا بوصفها جهات رمزية تُستدعَى للتوقيع المعنوي، بل كقوى مسموعة الرأي، ولها أتباع وقادرة على صناعة رأي عام وفرض معايير أخلاقية، ووضع خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها، وحين تتوحد كلمة العلماء في الأمة -سواء في هذه الظاهرة أو غيرها-، وتخرج من إطار المجاملة إلى فضاء الموقف الواضح، فإنها تُغيِّر موازين التأثير، وتُعيد ضبط البوصلة، وتفرض على كل مَن يريد التجاوز على الدين أن يحسب ألف حساب لكل تصرُّف قبل أن يبدأ به.

إن المطلوب اليوم ليس بيانات إدانة عامة، ولا خطابات إنشائية تُتْلَى ثم تُنْسَى، بل تحرُّك مؤسسي مُنظّم، يُعيد الاعتبار لقدسية الصحابة، ويضع حدًّا لاستخدامهم وقودًا للصراعات، «تحرّكٌ يبدأ بالاعتراف بأن ما يجري في العراق قضية أُمَّة لا أزمة محلية»، وينتهي بخطوات عملية تجعل الإساءة مُكلِّفة أخلاقيًّا وقانونيًّا وسياسيًّا.

ولمواجهة تكرار هذه الظاهرة ومعالجتها؛ من الأهمية بمكان: الدعوة إلى عقد مؤتمر علمي عالمي، تشارك فيه المؤسسات الشرعية الكبرى؛ لمناقشة هذه الظاهرة بعُمق، ووضع تصوُّر شرعي وإعلامي مُوحَّد للتعامل معها، بحيث لا يكتفي المؤتمر بالتشخيص، بل يَخرج بآليات واضحة، وميثاق عُلمائي جامع يُجرِّم الإساءة إلى الصحابة، ويؤكّد خطورتها على وحدة الأمة واستقرار مجتمعاتها، ويضع خطوات واقعية لمعالجتها معالجة حقيقية من جميع النواحي.

كما أن التضامن العلني مع علماء العراق وأهل السُّنة فيه لم يَعُد ترفًا معنويًّا، بل ضرورة معنوية ومجتمعية، تُعيد إليهم شعور الانتماء إلى جسد الأمة، وتكسر عُزلتهم المفروضة؛ لأنّ الشعور بأنك تُدافع وحدك عن رموز أُمّتك هو أول طريق الانكسار، أما الإحساس بأنّ وراءك أُمَّة كاملة، فيصنع التوازن ويضع الحكمة في مجالها الصحيح.

ولا يمكن إغفال البُعْد السياسي والقانوني في هذه القضية؛ فالدعوة إلى مُخاطبة الحكومة العراقية، عبر قنوات رسمية وضغوط دبلوماسية مشروعة، باتت أمرًا مُلِحًّا، لوضع حدّ لهذا الانفلات، وتجريم الإساءة إلى الصحابة بوصفها تهديدًا مباشرًا للسِّلْم الأهلي، لا يقلّ خطرًا عن خطابات التطرف والإرهاب والعنف.

كما أن مطالبة المرجعيات الدينية في العراق بإعلان موقفهم الصريح من تكرار الإساءة، وإصدار فتاوى تُلزم أتباعهم باحترام الصحابة وتوقيرهم، سيكون له أثر في كَبْح جماح المتجاوزين، وتجفيف منابع التحريض، وإعادة توجيه الخطاب الديني نحو المشتركات، بدل الاستثمار في الجراح التاريخية المختلَقة من ابن سبأ وأمثاله.

إن هذه الدعوة في جوهرها ليست دعوة إلى صدام، ولا تحريضًا على مُواجهة، بل نداء عقلاني لإعادة الاعتبار لدور العلماء، واستنهاض الضمير الجمعي للأمة، قبل أن تتحوَّل الإساءة إلى ثقافة، والطعن إلى خطاب مألوف، والصمت إلى شراكة غير مُعلَنة.

إن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا -وسيبقون- رمزًا لوحدة الأمة، وعنوانًا لثوابتها، وحمايتهم ليست دفاعًا عن الماضي، بل صيانة للحاضر، وتأمين للمستقبل، وحين يقف العلماء موقفًا واحدًا، فإنهم لا يحمون الرموز فحسب، بل يحمون الأُمة ذاتها، ويكفي بذلك مفخرةً وشرفًا.

 

أعلى