• - الموافق2026/01/20م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
هندسة الإقليم وفق الرؤية الصهيونية

هل تمثّل حرب غزة وما تلاها محاولة صهيونية شاملة لإعادة هندسة الشرق الأوسط أمنيًا وجيوسياسيًا وثقافيًا، أم أن المشروع يواجه حدود القوة بفعل المقاومة، والتوازنات الدولية، وصعود محور إقليمي سُنّي مضاد؟


مثَّلت جرائم الإبادة الوحشية التي ارتكبتها القوات الصهيونية، في غزة بعد طوفان الأقصى، مجرد حلقة من سلسلة أعمال، بدأت في أعقاب الهزيمة التي تلقَّاها جيش دولة الكيان على أيدي أبطال المقاومة الفلسطينية في طوفان الأقصى، وفشل إستراتيجية التهجير.

ولم تكن حملة الإبادة التي مارسها الكيان في غزة معزولة عن أفعال أخرى ارتكبها الكيان بعدها في لبنان وإيران واليمن وسوريا، بل يجمعها توجُّه جديد ومُخطّط لم يحاول رئيس وزراء دولة الكيان إخفاءه، بل صرَّح به مرارًا، وهو انتهاز الفرصة لإعادة تشكيل المنطقة وفق الأهداف الصهيونية.

ولم تكن تلك المنظومة الجديدة تقتصر فقط على أعمال القتال التي مارستها دولة الاحتلال، بل تعدّت إلى تعزيز تحالفات وصفقات غاز وربط كهربي وممرات تجارية؛ فهي إستراتيجية لها وجهة محددة وأهداف موجَّهة جيوسياسيًّا، فيما بدا على أنه جزء من مخطط صهيوني يستهدف الإقليم كله، في محاولة فَرْض أمر واقع على الجغرافيا، يُدشّن فيه الكيان مرحلة جديدة يكون فيها القوة الكبرى في المنطقة، ويُعيد هندسة وتشكيل الشرق الأوسط.

ولفَهْم هذا المخطط، لا بد أولًا من فَهْم مصطلح هندسة الإقليم، وما هي أبعاد ومكونات هذا المصطلح في علم السياسة، وبعد ذلك سنحاول تطبيق تلك المكونات على المشروع الصهيوني في المنطقة، وفي النهاية نستشرف فرص تمدُّد هذا المشروع وإمكانيات نجاحه.

إعادة هندسة الإقليم

الهندسة عمومًا تتضمَّن هدم وإعادة بناء، لذلك تشير الهندسة الإقليمية في الأدبيات الغربية الحديثة، إلى عملية إستراتيجية تهدف إلى هدم تماسك نظام إقليمي قديم، ثم إعادة صياغة الخرائط الجيوسياسية والتحالفات والتوازنات داخل الإقليم باستخدام آليات متعددة لتوجيه مسارات القوة.

ولتحليل مكونات مصطلح إعادة هندسة الإقليم، يجب أن ننظر إليه كعملية مُركَّبة تتألف من عدة أبعاد أو مُكوّنات رئيسة: 

1. المكوّن الفاعل؛ أي الطرف أو الدولة التي تقوم بعملية إعادة هندسة الإقليم، ومنطلقاتها وخلفياتها.

2. المكوّن الوظيفي؛ والذي يتضمن الأدوات المستخدَمة في الهدم والبناء.

3. المكون البنيوي؛ وهو الذي يجيب عن سؤال: ما الذي تتم إعادة هندسته فعليًّا؟ سواء كان حدودًا جغرافية أو نفوذًا سياسيًّا، أو تغيير الطبيعة السياسية للدول داخل الإقليم، أو إعادة توزيع القوة في الإقليم إلى نظام أُحادي القطبية الإقليمية.

4. المكوّن الثقافي أو الإدراكي؛ ويعني إعادة تعريف الهوية، وتعديل الطريقة التي تُعرِّف بها دول المنطقة نفسها، كما يتضمّن ما يُعرَف بالخرائط الذهنية، بصُنع تصورات جديدة للجغرافيا تجعل التدخل الخارجي يبدو منطقيًّا أو ضروريًّا.

الكيان وهندسة الإقليم

تطبيق المكونات الأربعة تلك لإعادة هندسة الإقليم، على تحركات بنيامين نتنياهو بعد السابع من أكتوبر، يكشف عن مشروع متكامل يهدف إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى حسم الصراع وتغيير وجه المنطقة جذريًّا.

أولًا: المكوّن الفاعل

تسعى دولة الكيان الصهيوني -بزعمها فاعلًا رئيسًا-، إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، وتتحرَّك لتحقيق ذلك المسعى في اتجاهين:

أ-تغيير الرؤية الإستراتيجية: أي الانتقال من فاعل مُخترَق إقليميًّا؛ أي يقبل بوجود تهديدات محيطة، إلى فاعل مُطلَق العنان يسعى لتفكيك التهديدات من جذورها في غزة، ولبنان، وسوريا، وصولًا إلى اليمن والصومال وإيران.

ب-إقامة تحالفات: يسعى نتنياهو ليكون هو المهندس لتحالف أمني إقليمي يشبه الناتو، يضم الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية تحت مظلة مواجهة إيران، وهو ما سمَّاه في خطابه أمام الكونجرس بـ«تحالف إبراهيم».

ثانيًا: المكون الوظيفي

ونعني به الأدوات التي تستخدمها الدولة الصهيونية في تحقيق تلك الإستراتيجية. وبالقطع فتلك الأدوات ليست دبلوماسية في المقام الأول، بل هي أدوات هدم وإعادة بناء، فمن الطبيعي أنها تقوم على القوة الخشنة المادية.

ولذلك فهي تَرتكز على ثلاثة أسس:

الأساس الأول: الاستئصال العسكري، وهذا ما شاهدناه في محاولة استخدام القوة المفرطة لتفكيك البنية التحتية لحماس، أو تدمير سلاح الجيش السوري بعد سقوط الأسد؛ خشية أن يقع في أيدي الجيش السوري الجديد، كخطوة أولى لإفراغ المنطقة من قوى المقاومة.

أما الأساس الثاني في تلك القوة المادية، فيتمثل في إيجاد واقع جغرافي جديد؛ من خلال إنشاء مناطق عازلة، مثل السيطرة على محور فيلادلفيا، وتقسيم قطاع غزة، مما يُحوِّل الأرض إلى وحدات جغرافية يسهل التحكم بها أمنيًّا، وما أقدمت عليه في الجنوب السوري، باحتلال أراضٍ تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 400كم² تمتد بين جبل الشيخ شمالًا، وحتى قرب نهر اليرموك جنوبًا.

أما الأساس الثالث فهو ما يُعْرَف بـ«الأمننة»، التي تعني تحويل كل ملف حتى الإغاثة الإنسانية إلى ملف أمني؛ لضمان أن تكون إسرائيل هي المصفاة الوحيدة لكل ما يدخل أو يخرج من الإقليم.

ثالثًا: المكون البنيوي

وهو كما أسلفنا يقوم على إعادة الترتيب المادي للإقليم بما يضمن:

١-إلغاء الحدود الفاصلة بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية على الخارطة، ونعني به الضم الفعلي.

٢-تغيير توزيع القوى العسكرية عبر تفكيك الجيوش غير النظامية، أو إضعاف ما هو موجود عن طريق المحافظة على تفوُّق الجيش الصهيوني النوعي على أيّ جيش في المنطقة.

٣- فرض الأحادية القطبية الإقليمية، عبر محور يقوده الكيان لملء الفراغ، والحيلولة دون صعود أيّ محور آخر.

وفي سياق هذا المكوّن يأتي التحالف بين دولة الكيان مع كلٍّ من اليونان وقبرص، ليكون بمثابة حجر زاوية في بناء نظام إقليمي جديد يُعيد تعريف حدود النفوذ الصهيوني.

فهذا التحالف يمكن اعتباره الجناح الغربي لخطة نتنياهو، بينما يُمثّل ممر الهند-الشرق الأوسط الجناح الشرقي، وكلاهما يلتقيان عند دولة الكيان لتصبح هي المركز في هندسة الإقليم الجديدة.

رابعًا: المكون الثقافي أو الإدراكي

ونقصد به ما يحاول الكيان القيام به من إعادة هندسة الوعي العالمي والإقليمي تجاه المنطقة.

في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2024م، قال نتانياهو: «هذه الخريطة التي عرضتها هنا العام الماضي. إنها خريطة بركة. تُظْهِر «إسرائيل» وشركاءها العرب، وهم يُشكِّلون جسرًا بريًّا يربط آسيا بأوروبا... الآن انظروا إلى هذه الخريطة الثانية. إنها خريطة لعنة. إنها خريطة لقوس الإرهاب الذي يمتد من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط... السؤال أمامنا بسيط: أيّ من هاتين الخريطتين ستُشكّل مستقبلنا؟ هل ستكون بركة السلام والازدهار... أم لعنة الدمار والفوضى؟».

لذلك اشتهر خطاب نتانياهو هذا بخطاب البركة واللعنة، وهو مستمَدّ من قصة توراتية من سفر التثنية، حيث قال موسى للشعب اليهودي: «إن أفعالهم ستُحدِّد ما إذا كانوا يُورِّثون الأجيال القادمة بركة أم لعنة».

وبهذا يتضح أن نتنياهو لا يُعيد هندسة الإقليم بناء على توازن قوى تقليدي فحسب، بل يُعيد هندسته بناء على رؤية مستمَدة من أيديولوجيا دينية.

ففي الهندسة التقليدية: تبني الجسر لأنه يوصلك للنقطة (ب)، ولكن في هندسة نتنياهو: هو يبني الجسر/الممر، ويسميه طريق البركة ليقول: إن هذا الجسر هو مشيئة تاريخية دينية، وليس مجرد مشروع اقتصادي. وفي هذا السياق جاءت تسمية الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بأوروبا مرورًا بالخليج وفلسطين بـ«ممر داود».

دور الصهيونية الدينية في المشروع الصهيوني

ظهر وجه نتانياهو الحقيقي بتدشينه تحالفًا جذريًّا مع الصهيونية الدينية، التي أطلت علينا بواجهتين متطرفتين هما: وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وإيتمار بن غفير وزير الأمن القومي.

هذان المتطرفان كانا دائمًا يُعبِّران عمَّا يُريده نتانياهو، ولم يستطع أن يُصرِّح به علنًا.

وإذا رصدنا تصريحات ذلك الثنائي في هذا الاتجاه؛ فإننا سنرى مدى الفجاجة والوقاحة والإجرام التي وصلت إليها الصهيونية الدينية، والتي تجاوزت التلميحات السياسية إلى طرح مشاريع إعادة هندسة الإقليم تعتمد على الإحلال والمحو الجغرافي.

ومكمن خطورة تصريحاتهما في أنها تنتقل من الهندسة الإقليمية كإدارة علاقات، إلى الهندسة الديموغرافية والجغرافية القسرية.

فمثلًا إذا ألقينا نظرة على تصريحات سموتريتش الذي يمكن اعتباره المُنظِّر الأول في الحكومة الحالية لإعادة هندسة الإقليم من منظور أيديولوجي ديني؛ نجد أنه في باريس عام 2023م، وقف أمام خارطة للكيان كاملة، تضم الأردن والضفة وغزة، وقال صراحة: «لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني، هذا اختراع يعود لعمر أقل من 100 عام». هذا التصريح هو محاولة لإعادة هندسة الوعي العالمي لإلغاء أيّ حق سياسي للفلسطينيين.

كما طرح وثيقة تسمى «خطة الحسم»؛ تضع الفلسطينيين أمام خيارات صعبة: إما كرعايا بلا حقوق سياسية تحت السيادة اليهودية، أو الهجرة، أو القتل.

وفي تصريح لإحدى القنوات التليفزيونية، صرح سموتريتش بأن طموحه هو دولة تمتد لتشمل أجزاء من الأردن، وسوريا، ولبنان، والعراق، ومصر، وحتى السعودية.

أما بن غفير فإنه يُركِّز على الأدوات التنفيذية لإعادة تشكيل الإقليم عبر القوة المادية.

فقد قالها صريحة في عام ٢٠٢٤: «يجب أن نعود لبيوتنا في غزة، يجب أن نشجّع الهجرة الطوعية للفلسطينيين، الحقيقة هي أن هذا هو الحل الوحيد والأخلاقي».

وقد أعلن صراحة عن نِيّته بناء كنيس يهودي في المسجد الأقصى.

كما قام بالفعل بعملية إعادة هندسة أمنية داخلية، عبر توزيع آلاف قِطَع السلاح على المستوطنين، لإيجاد ميليشيات قادرة على فرض واقع جديد في الضفة الغربية يتجاوز دور الجيش الرسمي.

المشروع الصهيوني بين الواقع والخيال

مشروع هندسة الإقليم التي يسعى إليها نتنياهو وحلفاؤه، أو ما يمكن تسميته بالهندسة القسرية المركزية، يمر الآن بمرحلة مخاض حَرِجَة.

فالكيان الصهيوني لم ينجح في القضاء على البنى القديمة للإقليم تمامًا كما كان يتمنَّى، وفي الوقت نفسه فإن قدرته على بناء النظام الجديد لا تزال تُواجه تحديات وجودية.

وهذا ما نستعرضه من خلال تحليل الفرص والتهديدات لذلك المشروع.

الفرص أمام المشروع الصهيوني

هناك ثلاث فرص أو مُعطيات تساعد مشروع الكيان في التمدُّد؛ وهي:

أولًا: الفراغ الإستراتيجي العربي: فحالة الضعف أو الانشغال الداخلي في بعض دول المركز العربي التقليدية كمصر، وسوريا، والعراق، تمنح الكيان فرصة نادرة لتقديم نفسه كالمُنظِّم الوحيد لأمن المنطقة.

ثانيًا: المصالح الاقتصادية الدولية: وهنا تبرز حاجة الغرب والهند لممر تجاري بديل وآمِن بعيدًا عن النفوذ الصيني، وهذا المشروع يمكن اعتباره حجر زاوية في الاقتصاد العالمي. وهذا ما تستغله دولة الكيان، مما يضمن دعمًا دوليًّا دائمًا لهندستها الإقليمية.

ثالثًا: التفوق التكنولوجي والأمني: فالكيان يُقدّم نفسه كمختبر عالمي لتقنيات الدفاع والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يجعل الدول الإقليمية، والتي تخشى التهديدات الإيرانية أو الداخلية أو لها طموحات إقليمية، تنجذب للدخول في مظلة أمنية صهيونية.

في المقابل هناك عدة تحديات قد تؤدي إلى نتائج عكس ما يطمح إليه الكيان في هندسة المنطقة.

التحديات أمام المشروع

أولًا: فخّ التمدُّد والاستنزاف العسكري: إعادة هندسة الإقليم تتطلب بقاءً عسكريًّا دائمًا، مما يُحوِّل الكيان من مركز مزدهر إلى دولة يجري استنزاف مواردها في حروب عصابات لا تنتهي، وما يحدث في غزة كان خير مثال.

ثانيًا: رفض فَرْض المكوّن الثقافي الصهيوني شعبيًّا: فعلى الرغم من البركة المزعومة التي يتحدَّث عنها نتنياهو على مستوى النُّخَب؛ إلا أن الشعوب العربية والإسلامية أصبحت أكثر رفضًا لمزاعم وسرديات الكيان بعد السابع من أكتوبر. هذا الرفض الشعبي والتمسُّك بالهوية، يجعل تلك الهندسة الإقليمية هشَّة، ومُعرَّضة للانهيار مع أيّ تغيير سياسي داخلي في دول المنطقة.

ثالثًا: تعدّد الأقطاب الدولية: فصعود الصين وروسيا قد يُوفِّر مظلة بديلة للدول المتضررة من الهندسة الصهيونية المرتبطة بالدعم الأمريكي، مما قد يخلق هندسة مضادة تكسر الانفراد الصهيوني.

رابعًا: التناقض في داخل الكيان الصهيوني: فالصراع بين الصهيونية العلمانية الليبرالية، والصهيونية الدينية، آخِذ في الاتساع، وإذا أضفنا إليه صراعًا داخل الكتلة المتدينة نفسها بين الحريديم والصهاينة المتدينين، فجميع تلك التناقضات قد تؤدي إلى تفكُّك أو ضعف الفاعل نفسه، مما يجعل الدولة الصهيونية عاجزة عن قيادة مشروع إقليمي طموح.

خامسًا: المعضلة الديموغرافية: في أواخر عام ٢٠٢٠م أشارت الإحصائيات العلمية الفلسطينية أن نسبة السكان العرب في فلسطين التاريخية (التي تضم الضفة الغربية وغزة وأراضي ٤٨)، قد زادت لأول مرة عن نسبة السكان اليهود، وبما أنه في خارطة البركة المزعومة الصهيونية قد ابتلعت دولة الكيان الأرض الفلسطينية، فإنها أيضًا قد ابتلعت معها الغالبية السكانية الفلسطينية. هذه البنية السكانية التي يُشكِّل فيها العرب غالبية، تفقد الهندسة الصهيونية للإقليم شرعيتها.

سادسًا: بروز محور جديد لأهل السنة يقف في وجه الكيان الصهيوني وتحالفاته مع بعض دول المنطقة. هذا المحور يُمثّل التحدي الأبرز والأكثر خطورة على هندسة نتنياهو للمنطقة؛ لأنه يضرب المشروع في مكمن قوته الشرعية والتمثيل الجيوسياسي.

هذا المحور الذي يتكوّن من تركيا، والسعودية، وقطر، مع عودة سوريا للمحيط العربي، والتنسيق مع مصر، يمتلك قدرة فائقة على تفكيك مشروع خارطة البركة المزعومة الصهيونية في ثلاثة من مكوناتها:

١- كسر احتكار الوظيفة الأمنية، وهي المكوّن الوظيفي للمشروع الصهيوني. فقد كان نتنياهو يُروّج لفكرة أن الكيان هو الحامي الوحيد للسُّنة من البعبع الإيراني، ولكنّ تراجُع إيران أمام الضربات الصهيونية والتقارب الباكستاني السعودي، جعَل فكرة التحالف مع الكيان للحماية تفقد بريقها. فإذا استطاعت هذه الدول الإقليمية إدارة أمنها عبر الاعتماد على الذات، فإن المكوّن الوظيفي للكيان في المنطقة سينهار.

2- يستطيع هذا المحور إيجاد ثِقَل جيوسياسي مُوازن للمُكوّن البنيوي الذي يريد الكيان فرضه في المنطقة، وقد كان يسعى إلى إقليم مُجزَّأ، لكن هذا المحور يمتلك:

- العمق الجغرافي: من إسطنبول إلى الرياض والقاهرة، مما يعني السيطرة على أهم الممرات المائية، البوسفور، قناة السويس، وباب المندب.

- القوة العسكرية: اجتماع الجيش التركي ثاني أكبر جيش في الناتو مع الجيش المصري والقدرات التمويلية والعسكرية السعودية، يُوجد بنية صلبة لا يمكن لنتنياهو تجاوزها أو فرض هندسة قسرية عليها.

3- استعادة شرعية السردية في مواجهة المكون الثقافي الذي يريد نتنياهو الترويج له.

ولذلك عندما تتحدَّث السعودية وتركيا ومصر بلسان واحد عن دولة فلسطينية، فإنها تُعيد صياغة الإدراك الإقليمي الذي حاول نتنياهو مَحْوه. وهذا يجعل خارطة البركة المزعومة لناتنياهو تبدو كخارطة احتلال وتوسُّع بدلًا من أن تكون خارطة سلام وازدهار.

وفي نفس الوقت تُمثّل زيارة وزير خارجية الكيان الصهيوني جدعون ساعر لأرض الصومال تحديًا للمحور السُّنِّي الصاعد. فمصر ترى في أيّ تحرك للكيان الصهيوني في أرض الصومال تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، متمثلًا في مضيق باب المندب، والذي يتحكم في السفن المارَّة في قناة السويس.

والسعودية ترى في التحرك الصهيوني في هذا التوقيت تحديًا لها في ضبط أمور اليمن الجنوبي، ومحاولة لكسر الهندسة السعودية للقرن الإفريقي.

كما تمثل زيارة الوزير الصهيوني التحدي الأكبر لتركيا اللاعب الأكثر نفوذًا في الصومال المُوحّد؛ فتركيا تمتلك في مقديشو أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها، وهي المسؤولة عن تدريب الجيش الصومالي. فالوجود الصهيوني في الإقليم الانفصالي (أرض الصومال)، يُمثّل محاولة لكسر البنية الأمنية التي تبنيها تركيا في القرن الإفريقي، ويُهدِّد وحدة الصومال التي تَعتبرها تركيا حجر زاوية في إستراتيجيتها الإفريقية.

الخلاصة

 هل يمكن إسقاط مشروع نتنياهو؟

الإجابة: نعم... فالمحور السُّنِّي قادر على تحويل مشروع نتنياهو من هندسة إقليمية شاملة إلى مجرد تحالف أمني محدود بين الكيان وعدد قليل من الدول.

ولكن هناك نوعان من التحدي:

الأول: هو تضارب بعص المصالح أحيانًا بين دول المحور السُّنّي الصاعد، مثل التنافس على الزعامة، أو انعدام ثقة تاريخي بين بعض أطراف هذا المحور، أو ربما تكون هناك بعض الملفات العالقة التي تتعلق بطبيعة نُظُم الحكم في كلٍّ من دول المحور.

أما التحدي الثاني فيتمثل في الضغوط الأمريكية، فالولايات المتحدة تضغط بقوة لمنع تشكُّل كتلة سنية صلبة قد تخرج عن المدار الأمريكي أو تُهدِّد أمن الكيان الصهيوني المطلق.

ولكن إذا تكتلت هذه القوى، وخاصةً السعودية وباكستان وتركيا ومصر، فإن هندسة الإقليم الصهيونية ستصبح مجرد جزيرة صغيرة في محيط إقليمي يرفض قواعدها، مما يضطر الكيان في النهاية للعودة إلى حجمه الطبيعي بدلًا من فرض الحلول العسكرية.

 

أعلى