في عالمٍ يتقلّب بين نصر الديمقراطية وصعود الاستبداد، يكشف هذا المقال عن الجذر الخفي الذي يدفع المجتمعات إلى أحضان السلطوية: الإهانة الجمعية وشعور الخسارة العميق، نستكشف كيف تتحول جراح التاريخ إلى طاقة محرّكة تعيد تشكيل الأنظمة السياسية، وتدفع بالفاشية إلى
المصدر: فورين أفيرز - كتبه: بنجامين كارتر هِت
بنجامين كارتر هِت أستاذ التاريخ في
كلية هنتر ومركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك.
ليس التاريخ سلسلة من
الانقطاعات، بل هو
– في كثير
من الأحيان
– إعادة
إنتاج للأزمات نفسها بأشكال جديدة. فما نشهده اليوم من تصاعدٍ للسلطوية، وتآكلٍ
للديمقراطية، وتمرّدٍ على النظام الليبرالي العالمي، ليس حدثًا طارئًا ولا شذوذًا
استثنائيًا، بل حلقة جديدة في دورةٍ عرفها القرن العشرون بكل مآسيه.
يؤدي نصرٌ كاسح في صراعٍ
عالمي بين الديمقراطية والاستبداد إلى موجةٍ من الديمقراطيات الجديدة، ولا سيما في
وسط وشرق أوروبا. وتفرض الرأسمالية الأميركية، بطابعها العدواني والمبتكر، شروطها
على الاقتصاد العالمي. غير أن هذا الانتصار لا يلبث أن يتحوّل إلى حالة من السخط،
لتظهر معه أولى علامات الانهيار. فتعود الأنظمة السلطوية إلى الظهور داخل تلك
الديمقراطيات الناشئة، دافعةً كلاً من الديمقراطية والرأسمالية إلى أزمة قد تكون
وجودية
فعقب كل انتصار كاسح
للديمقراطية والرأسمالية، تنشأ موجة من التفاؤل السياسي، تتبعها عادةً مرحلة من
الإحباط العميق. هكذا كان الحال بعد الحرب العالمية الأولى، حين بشّر الغرب بعصر
الديمقراطية الليبرالية، ثم ما لبث أن واجه ارتدادًا فاشيًا مدمّرًا. وهكذا تكرّر
المشهد بعد الحرب الباردة، حين قُدّم النموذج الغربي باعتباره نهاية التاريخ، قبل
أن يتبيّن أن ملايين البشر لم يروا في هذا
«النصر»
سوى هزيمة مؤجلة.
في الحالتين، لم تكن
السلطوية وليدة الفراغ، بل ثمرة شعورٍ جماعي بالإهانة.
حين تتحوّل
الخسارة إلى أيديولوجيا
في أوروبا ما بين الحربين،
ارتبط صعود الفاشية ارتباطًا وثيقًا بإحساس الدول المهزومة
–
أو التي شعرت أنها هُزمت معنويًا
–
بالإذلال. لم تكن الهزيمة العسكرية وحدها هي المشكلة، بل ما تلاها من نظام دولي
جديد فرضته قوى منتصرة، وقدم نفسه بوصفه تجسيدًا عالميًا للعدالة والديمقراطية،
بينما بدا في أعين كثيرين نظامًا لإدامة الهيمنة.
ألمانيا لم ترَ في معاهدة
فرساي إطارًا للسلام، بل صكّ إذلال. وإيطاليا، رغم وجودها في معسكر المنتصرين،
تبنّت خطاب
«النصر
المبتور».
أما هنغاريا والنمسا، فوجدتا نفسيهما خارج التاريخ، وقد تقلّصت أراضيهما ومكانتهما
دفعة واحدة.
في هذا المناخ، لم تكن
الفاشية مجرد أيديولوجيا يمينية متطرفة، بل مشروعًا نفسيًا وسياسيًا لإعادة
الاعتبار. خطابها لم يكن عقلانيًا بقدر ما كان وجدانيًا، يخاطب الكرامة المجروحة،
والهوية المهددة، والمكانة الضائعة.
السلطوية
حين ترتدي لغة اليسار
ومن مفارقات التاريخ أن
الحركات السلطوية في بداياتها لم تتكئ فقط على القومية، بل استعارت كثيرًا من
مفردات اليسار. فموسوليني خرج من عباءة الاشتراكية، وهتلر بدأ حياته السياسية في
بيئات يسارية راديكالية. ولم يكن نقد الرأسمالية العالمية، ولا الهجوم على
«البرجوازية»
و«نخب
المال»،
حكرًا على الشيوعيين.
هذا التداخل لم يكن
عرضيًا، بل كان تعبيرًا عن حقيقة أعمق: أن الفاشية قدّمت نفسها بوصفها ثورة على
نظام عالمي ظالم، لا مجرد ردّة فعل محافظة. لقد خاطبت الفئات الوسطى المنهكة،
والريف المتضرر من العولمة المبكرة، والجنود العائدين من الحرب وهم يشعرون بأن
تضحياتهم سُرقت.
لكن هذه الحركات، مهما بلغ
رصيدها الشعبي، لم تصل إلى الحكم وحدها. فقد احتاجت دومًا إلى تحالف مع النخب
التقليدية: الجيش، ورجال الأعمال، والبيروقراطيات القديمة. هؤلاء ظنّوا أنهم قادرون
على توظيف الشعبوية السلطوية لكسر الجمود السياسي، فإذا بهم يفتحون الباب أمام
كوارث تاريخية لم يحسنوا تقديرها.
الإهانة تعود…
ولكن بثياب جديدة
بعد مضي قرابة قرن من
الزمان، تتكرّر وقائع التاريخ ولكن بصيغ وأشكال حديثة. فكما لم يكن انهيار الاتحاد
السوفييتي مجرد تحوّل جيوسياسي عابر، بل جرحًا غائرًا في الوعي الروسي، أصبح هذا
الجرح الوقود الأساسي لمشروع فلاديمير بوتين. إذ يرى بوتين في توسّع الغرب
استمرارًا لنهج الإذلال لا انتصارًا لمبادئ الحرية، ويستند في ذلك إلى ذاكرة وطنية
جريحة تستحضر الانكسار وتستنفر للانتقام.
وتتجلى نتائج هذا الشعور
بالإهانة في ممارسات بوتين السياسية والعسكرية: من عدوانه على جورجيا عام 2008،
مرورًا بحربه المستمرة في أوكرانيا، وصولاً إلى محاولاته المتكررة لتقويض
الديمقراطيات الغربية. كل هذه الأفعال تنبع من إحساس عميق بالمهانة جراء انهيار
الاتحاد السوفييتي، الذي وصفه بوتين بأنه "أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين"،
وكذلك من رؤية تعتبر التمدد الغربي تغولاً على أراضي روسيا التاريخية.
ومع ذلك، لم تقتصر تبعات
الحرب الباردة على موسكو وحدها؛ إذ لم يكن هذا التحول انتصارًا حقيقيًا للغرب. فقد
وجد الكثيرون في الدول الغربية أنفسهم أمام مكاسب اقتصادية شكلية، إذ شهدت الأغلبية
ركودًا أو تراجعًا في مستويات الدخل الحقيقي، في الوقت الذي تضاعفت فيه مكاسب النخب
المالية وارتفعت معدلات الهجرة. هذا الواقع خلق أرضًا خصبة لسياسات ديماغوجية تتغذى
من الإحساس الجماعي بالإهانة والتهميش.
ولم تكن الولايات المتحدة،
صانعة النظام الاقتصادي العالمي الجديد، بمنأى عن تبعات هذا المناخ. فقد تمكن
دونالد ترامب، خلال سنواته في السياسة الأميركية، من استثمار هذا الشعور المتنامي
بالمظلومية لدى قطاعات واسعة من الشعب، مطلقًا شعارات مثل "أنا انتقامكم" و"لنجعل
أميركا عظيمة مجددًا". وقد اتسمت ولايته الثانية بتصعيد الخطاب والملاحقات ونشر
القوات، في مسعى للانتقام من أولئك الذين اعتبر أنهم أهدروا كرامته وكرامة قاعدته
الاجتماعية.
في هذا السياق، صعدت
الشعبويات اليمينية في أوروبا، من شرق ألمانيا إلى شمال إنجلترا. وصعد دونالد ترامب
في الولايات المتحدة نفسها، لا باعتباره شذوذًا، بل باعتباره تعبيرًا صارخًا عن
سياسة المظلومية داخل القوة الأعظم في العالم.
اقتصاد
الكرامة
حذّر المؤرخ الدبلوماسي
إرنست ماي منذ عقود من الاستخدام السطحي للتاريخ، مشيرًا إلى أن صانعي السياسات
«غالبًا
ما يستخدمون التاريخ استخدامًا سيئًا»،
عبر إسقاط أول تشبيه يخطر ببالهم من دون تمحيص. غير أن التعلم من التاريخ، على
صعوبته، يظل ضرورة ملحّة. فالتاريخ، كما كتب ماي،
«مورد
غني للغاية لمن يتولّون الحكم»،
لما يتيحه من تفكير أكثر مرونة في أوقات الضغط.
إن وقف صعود السلطوية
اليوم يتطلّب من الولايات المتحدة وحلفائها معالجة أسباب الإهانة وقلق المكانة.
ويقدّم التاريخ أمثلة ناجحة على ذلك. فبعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية
الثانية، أسهمت سياسات ألمانيا الغربية الاقتصادية والاجتماعية في تحقيق نمو ورعاية
اجتماعية ومساواة نسبية في الدخل، ما حال دون عودة اليمين المتطرف. كما أطلق الرئيس
الأميركي هاري ترومان خطة مارشال لإعادة بناء أوروبا، بالتوازي مع إعادة إعمار
اليابان.
التاريخ لا يعلّمنا فقط
كيف تقع الكوارث، بل كيف يمكن تجنّبها. بعد الحرب العالمية الثانية، أدركت الولايات
المتحدة وحلفاؤها أن إذلال المهزومين وصفة مؤكدة للفوضى. فجاء مشروع مارشال، لا
كعمل خيري، بل كاستثمار في الاستقرار. وأقامت ألمانيا الغربية نظامًا اقتصاديًا
واجتماعيًا وفّر النمو والعدالة النسبية والاندماج، بدل الانتقام والإقصاء.
الدرس واضح: الديمقراطية
لا تصمد بالخطاب وحده، بل بالكرامة الملموسة. والسياسة التي تتجاهل الإهانة
الاجتماعية تترك فراغًا تملؤه السلطوية.
اليوم، يحتاج العالم
–
والولايات المتحدة على وجه الخصوص
–
إلى ما يشبه
«اقتصاد
الكرامة»:
سياسات تقلّص اللامساواة، تعيد الاعتبار للعمل، وتمنح الشعور بالمشاركة لا
بالهامشية. فبدون معالجة الجذور النفسية والاجتماعية للغضب، ستظل الديمقراطية عرضة
للارتداد، وسيظل التاريخ يعيد نفسه، لا بوصفه مأساة فقط، بل بوصفه تحذيرًا لم يُصغَ
إليه.