فوز سانائيه تاكايتشي برئاسة وزراء اليابان ليس حدثاً داخلياً عادياً، بل يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز حدود طوكيو. يمكن فهم معناه عبر ثلاث دوائر مترابطة: العلاقة مع الولايات المتحدة، التصعيد مع الصين، والتحول داخل اليابان نفسها.
المصدر:
the conversation
المؤلف: آدم سيمبسون
محاضر أول في الدراسات الدولية، كلية المجتمع والثقافة، جامعة أديلايد
حققت رئيسة الوزراء اليابانية سانائيه تاكايتشي فوزاً كاسحاً لحزبها، الحزب
الليبرالي الديمقراطي (LDP)، في الانتخابات
البرلمانية التي دعت إليها بعد فترة وجيزة من توليها المنصب.
وبعد أن رسّخت سيطرتها على الهيئة التشريعية اليابانية (البرلمان)، يبرز السؤال
الجوهري: كيف ستستخدم تاكايتشي هذا النفوذ السياسي الواسع؟
فمنذ صعودها إلى رئاسة الوزراء عبر تصويت برلماني في أكتوبر، أحدثت تاكايتشي،
المعروفة بتوجهها المحافظ المتشدد، هزة واضحة في النظام السياسي الياباني الذي يتسم
تقليدياً بالجمود.
فقد نجحت في التواصل مع فئة الشباب على نحو لم يسبق له مثيل تقريباً بين القادة
اليابانيين المعاصرين، مستفيدة من حضور ذكي على وسائل التواصل الاجتماعي، وأسلوب
بصري لافت، وبراعة دبلوماسية. وفي مشهد رمزي لنجوميتها السياسية، شاركت رئيس كوريا
الجنوبية في عزف موسيقي على الطبول خلال جلسة مشتركة.
استغلت تاكايتشي بذكاء ما يُعرف بـ«شهر
العسل السياسي»
الذي يرافق بدايات القيادة، فدعت إلى انتخابات مبكرة بهدف توسيع نفوذها البرلماني
قبل أي تراجع محتمل في شعبيتها.
غير أن الناخبين، بعد منحها هذا التفويض الواسع، يتوقعون الآن عائداً سياسياً
ملموساً. وتواجه تاكايتشي تحدياً أكثر صعوبة يتمثل في تنفيذ وعودها الانتخابية، ولا
سيما تحسين مستويات المعيشة في بلد يعاني من تقلص سريع في القوى العاملة وشيخوخة
سكانية متسارعة، من دون اللجوء إلى هجرة جماعية واسعة.
فوز انتخابي غير متوقع
على الرغم من أن الحزب الليبرالي الديمقراطي حكم اليابان معظم فترة ما بعد الحرب
العالمية الثانية، فإنه عانى في السنوات الأخيرة من سلسلة إخفاقات انتخابية.
ففي عام 2024، خسر الحزب أغلبيته في مجلس النواب، التي كان يشغلها بالتحالف مع حزب
«كوميتو»،
إثر فضائح فساد متتالية. ثم خسر التحالف، في العام التالي، أغلبيته في مجلس الشيوخ،
ما جعل الحكومة في وضع سياسي هش.
بدأ التحول اللافت للحزب بعد استقالة رئيس الوزراء آنذاك شيغيرو إيشيبا في سبتمبر،
عقب تلك الانتكاسات الانتخابية.
|
|
ففي نوفمبر، أثارت تاكايتشي غضب بكين بتصريحها بأن اليابان قد تتدخل
عسكرياً للدفاع عن تايوان في حال وقوع غزو صيني محتمل، ما أدى إلى هجمات
إعلامية صينية حادة استمرت حتى مطلع العام الجديد. |
ورجحت استطلاعات الرأي قبل الانتخابات فوزاً كبيراً للحزب الليبرالي الديمقراطي
وحليفه الجديد
«نيبّون
إيشين»
(حزب الابتكار الياباني). كما تلقت تاكايتشي دفعة سياسية من تأييد الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب. وعلى الرغم من النظرة السلبية للرأي العام الياباني تجاه ترامب، يدرك
اليابانيون أن الولايات المتحدة تمثل الضامن الأمني الأساسي لبلادهم في مواجهة
الصين، فضلاً عن كونها أكبر سوق تصديرية لليابان.
ومع ذلك، ظل التساؤل قائماً حول ما إذا كانت شعبية تاكايتشي، خاصة بين الشباب،
ستُترجم فعلياً إلى أصوات انتخابية.
في نهاية المطاف، انعكست جاذبيتها الشخصية على حزبها بأكمله. فعلى الرغم من درجات
الحرارة المتجمدة وتساقط الثلوج القياسي في بعض المناطق، عاد الحزب الليبرالي
الديمقراطي إلى السلطة بأغلبية موسعة بشكل كبير في مجلس النواب. ويمتلك التحالف
الآن أغلبية الثلثين، ما يتيح له تجاوز مجلس الشيوخ وفرض تشريعاته.
موقف أكثر تشدداً تجاه الصين؟
منذ توليها رئاسة الوزراء، تبنت تاكايتشي موقفاً حازماً إزاء الصين.
ففي نوفمبر، أثارت تاكايتشي غضب بكين بتصريحها بأن اليابان قد تتدخل عسكرياً للدفاع
عن تايوان في حال وقوع غزو صيني محتمل، ما أدى إلى هجمات إعلامية صينية حادة استمرت
حتى مطلع العام الجديد.
ورغم انقسام الرأي العام الياباني بشأن مسألة الدفاع عن تايوان، فإن هناك دعماً
قوياً لتعهد تاكايتشي برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول
مارس المقبل، أي قبل الموعد المحدد بعامين.
وفي ديسمبر، أقرّ مجلس الوزراء زيادة بنسبة 9.4% في ميزانية الدفاع لتحقيق هذا
الهدف، مع التركيز على الإنتاج المحلي والقدرات المتقدمة، مثل الأمن السيبراني،
والفضاء، والضربات بعيدة المدى.
كما تعتزم الحكومة، في ظل تصاعد التهديدات من الصين وكوريا الشمالية وروسيا، مراجعة
الاستراتيجيات الأمنية والدفاعية الأساسية لليابان خلال العام الجاري.
التحديات الاقتصادية في الصدارة
رغم أهمية القضايا الدفاعية، فإن الحكم النهائي على تاكايتشي سيُبنى في نظر الرأي
العام على أدائها الاقتصادي.
فالمواطنون يشعرون بقلق متزايد إزاء التضخم وركود الأجور، وما يترتب عليهما من
تراجع مستويات المعيشة.
ويُجسّد ذلك بوضوح الارتفاع الحاد في أسعار الأرز، التي تضاعفت منذ عام 2024 وبلغت
مستوى قياسياً الشهر الماضي، وهو غضب شعبي أسهم في إسقاط وزير الزراعة العام
الماضي.
ظل التضخم أعلى من هدف بنك اليابان البالغ 2% لمدة 45 شهراً متتالياً. وعلى الرغم
من تحسن الأجور الاسمية مؤخراً، فإن الدخل الحقيقي تراجع على مدى السنوات الأربع
الماضية.
جعلت تاكايتشي من معالجة تكاليف المعيشة أولوية سياسية، وتعهدت بتعليق ضريبة الغذاء
البالغة 8% لمدة عامين. كما أعلنت حكومتها العام الماضي عن حزمة تحفيز ضخمة بقيمة
135 مليار دولار أميركي، شملت إعانات لفواتير الكهرباء والغاز.
غير أن هذه السياسات ستؤدي إلى زيادة العجز في الميزانية، ما يفاقم مستويات الدين
العام المرتفعة أصلاً في اليابان.
وفي الشهر الماضي، انهارت أسعار السندات الحكومية اليابانية عقب إعلان تاكايتشي
الانتخابات، إذ توقعت الأسواق أن يؤدي فوز الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى سياسة
مالية أكثر تساهلاً وارتفاع أكبر في الدين العام.
ومن غير المرجح أن يتدخل بنك اليابان لدعم سوق السندات في أي أزمة مقبلة، ما يعني
ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي، وبالتالي تفاقم عبء الدين.
إلى جانب ذلك، تواجه اليابان تحديات بنيوية عميقة تتعلق بتقلص عدد السكان والقوى
العاملة.
لا يزال من المبكر الحكم على ما إذا كانت تاكايتشي تمتلك الحلول الكفيلة بمواجهة
هذه المعضلات. غير أنها تمتلك اليوم السلطة والنفوذ والحرية السياسية لتمرير أجندة
جريئة. ويبقى التحدي الحقيقي في قدرتها على تحقيق التغيير الذي ينتظره الناخبون.