• - الموافق2026/02/13م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
مستقبل المشروع الإيراني

بين تصاعد الحشود الأمريكية في الخليج وتراجع أذرع النفوذ، يقف المشروع الإيراني أمام أخطر اختبار في تاريخه الحديث. هل هو أفول قوةٍ تمددت لعقود، أم مجرد انحناءة تكتيكية لعاصفة عابرة تمهد لعودة أكثر حذرًا ودهاءً؟


بينما يقف العالم على أطراف أصابعه، ترقبًا لما ستؤول إليه المواجهة المرتقبة في منطقة الخليج.

وبينما تتوالى جلسات المفاوضات الإيرانية الأمريكية في مسقط، يتوالى وصول حاملات الطائرات الأمريكية في الخليج، فيما يبدو حتى الآن أن الولايات المتحدة لم ترسل هذه الحشود العسكرية لمجرد الاستعراض بل للضغط على الملالي للقبول بالشروط الأمريكية، إما سلمًا أو حربًا.

وقبلها كانت ضربات دولة الكيان على ذراع إيران الأكبر في المنطقة والمتمثل فيما يطلق عليه حزب الله اللبناني، والذي أُضعفت قدراته وقُتلت العديد من قياداته وعلى رأسهم الأمين العام للحزب حسن نصر الله، وأجبرت آلة الحرب الصهيونية الحزب على سحب قواته من جنوب لبنان، ثم أتبعها الغارات الصهيونية على إيران نفسها، فألحقت خسائر فادحة بالقدرات العسكرية الإيرانية، حتى أنها سيطرت على سماء وأجواء إيران.

فهل ما جري وما سيجري مستقبلا يمكن اعتباره نهاية النظام الذي كانت تريد إيران صياغته للمنطقة، وبالتالي انهيار مشروعها؟

النظام الإقليمي

في البداية يمثل النظام الإقليمي، المستوى المتوسط بين النظم المحلية للدول، وبين النظام الدولي الشامل.

ويعرف علم السياسة النظام الإقليمي، بأنه مجموعة من الدول التي ترتبط ببعضها جغرافيا وتتفاعل فيما بينها بشكل مكثف، بحيث تؤثر أمن وسياسة كل دولة بشكل مباشر على جيرانها.

وينظر بعض علماء السياسة للنظام الإقليمي من منظور أمني، فهو في نظرهم مجموعة من الوحدات التي ترتبط فيها عمليات الأمن (واللاأمن) لدرجة أن أمن أي منها لا يمكن تحليله بمعزل عن الآخرين.

ووفقا للأدبيات السياسية الغربية، يتكون النظام الإقليمي من ثلاثة عناصر رئيسية:

١- الرقعة الجغرافية: وجود دول في منطقة مكانية محددة.

٢- كثافة التفاعل: لا يكفي الجوار الجغرافي، بل يجب أن يكون هناك تبادل تجاري، دبلوماسي، أو حتى نزاعات مستمرة تجعل هذه الدول وحدة واحدة.

٣- توزيع القوة: وجود قوة أو قوى إقليمية قادرة على قيادة المنطقة أو التأثير في قراراتها.

 

تؤمن القيادة الإيرانية بأن أفضل وسيلة لحماية مشروعها، هي نقل المعركة إلى خارج حدودها، بدلا من انتظار التهديدات الأخرى لتصل إلى الداخل الإيراني.

بينما يقسمه آخرون وفق الدول الداخلية والخارجية إلى:

القلب: وهي الدول المركزية في الإقليم التي تقود التفاعلات.

والأطراف: ويقصد بها الدول الأقل تأثيرا، لكنها تتأثر بما يحدث في القلب.

وأخيرًا الدول المتطفلة: ويتم تعريفها بأنها القوى العظمى الخارجية التي تتدخل في شؤون الإقليم وتؤثر على توازناته.

الشرق الاوسط كنظام إقليمي

إذا حاولنا تطبيق مكونات النظام الإقليمي الثلاث: (الرقعة الجغرافية، وكثافة التفاعل، وتوزيع القوة) على منطقة الشرق الأوسط سنجد الآتي:

·                    أولا، من حيث الرقعة الجغرافية، فلا يُنظر للشرق الأوسط كمجرد مساحة يابسة، بل

كمنطقة تمتاز بالاتصال الجغرافي، تمتد من المغرب العربي غرباً إلى إيران شرقا، ومن تركيا شمالا إلى اليمن جنوبا، هذا الاتصال يسهل انتقال الأزمات، مثل موجات اللجوء أو موجات التغيير كالربيع العربي مثلا.

·                    ثانيا، وبالنسبة لكثافة التفاعل بين دول المنطقة، نجد أن أكثر التفاعل يغلب على طابعه

الصراع عن التفاعل التعاوني في المنطقة، بالرغم من أنه لا يمكن لدولة في الشرق الأوسط أن تحقق أمنها بمعزل عن جيرانها، كما أن كثافة التفاعل هنا لا تقتصر على دول المنطقة فقط، بل تشمل القوى الخارجية، كالولايات المتحدة وروسيا، التي أصبحت جزءا من تفاعلات المنطقة الأمنية.

·                    ثالثا، من حيث توزيع القوة، يتسم الشرق الأوسط بأنه نظام متعدد الأقطاب إقليميًا، حيث

لا توجد دولة واحدة تهيمن بشكل كامل، بل تتنافس عدة قوى مثل السعودية وتركيا وإيران والكيان الصهيوني، ولكن نظرية توازن القوى تؤدي إلى حالة من القلق؛ فكلما حاولت إحدى القوى توسيع نفوذها، كما في حالة إيران مثلا، شرعت القوى الأخرى لمنعها من الهيمنة، وهو ما يفسر حالة عدم الاستقرار المزمنة، كما يؤدي إلى سباق للتسلح في المنطقة.

الصعود الإيراني في المنطقة

منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، تحولت إيران من شرطي المنطقة المتحالف مع الغرب في عهد الشاه، إلى قوة تدعي أنها ثورية تسعى لإعادة صياغة النظام الإقليمي بما يخدم أمن نظامها القائم ومصالحها الجيوسياسية.

حاولت إيران صياغة استراتيجية للصعود كقوة مهيمنة تتسم خصائصها بمزيج من الأيديولوجيا، والبراغماتية، والحرب غير المتماثلة.

 

الأكثر احتمالا، أن التراجع الإيراني تراجع تكتيكي، فنظام الآيات في طهران معروف عنه البراعة في ما يعرف بالصبر الاستراتيجي، والانحناء للعاصفة حتى تمر، والأمر المرجح أنه سيعيد بناء شبكة وكلائه في المنطقة ببطء،

وترتكز تلك الاستراتيجية على عدة ركائز أهمها:

1. الدفاع الأمامي

تؤمن القيادة الإيرانية بأن أفضل وسيلة لحماية مشروعها، هي نقل المعركة إلى خارج حدودها، بدلا من انتظار التهديدات الأخرى لتصل إلى الداخل الإيراني.

ولذلك تقوم إيران ببناء خطوط دفاعية في دول المنطقة، واصطلح على تسميتها بالأذرع، بغرض إيجاد عمق استراتيجي، يجعل أي هجوم على إيران مكلفا جدا للمهاجمين بسبب رد الفعل المتوقع من هذه الأذرع في المنطقة.

ونظرا لاختلاط هدف تصدير المذهب الشيعي مع التمدد الاستراتيجي، يطلق الباحث الأمريكي سيث جونز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (csis) الأمريكي على هذه الاستراتيجية بالحرب الهجينة، حيث تتداخل العقيدة مع الوسيلة لإنشاء نفوذ إقليمي واسع بأقل خسائر مباشرة ممكنة للدولة الإيرانية.

ومما شجع الإيرانيون على المضي في هذه الاستراتيجية، ضعف سلاح الجو الإيراني وتقادم أسلحتها الدولة التقليدية نتيجة العقوبات.

وقد نجحت تلك الاستراتيجية في تكوين ثلاث جماعات محلية: وهي حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، وفصائل الحشد الشعبي في العراق.

وظلت تلك الجماعات لفترة قريبة، توفر لإيران قدرة على التأثير في السياسات الإقليمية دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع القوى العظمى.

٢- الركيزة الثانية، تعتمد على البرنامج النووي والصاروخي والطائرات المسيرة والتي تعرف بالردع غير المتماثل.

وقد استثمرت إيران بشكل هائل في تكنولوجيا الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة لتعويض النقص في القوة العسكرية التقليدية.

وأصبحت هذه الأسلحة أداة ردع إلى حد ما ألحقت بعض الضرر بالكيان، رغم الهزيمة الكارثية التي نتجت عن الهجوم الصهيوني.

٣- الركيزة الثالثة، هي استغلال الفراغ الاستراتيجي

فقد برعت إيران في اقتناص الفرص الناتجة التي سنحت لها في المنطقة، فتحالفت مع أمريكا عام 2003 لإسقاط صدام حسين، الذي يعتبر العدو التاريخي إيران، الأمر الذي نتج عنه تحول العراق من سد منيع أمام نفوذها، إلى ساحة نفوذ رئيسية لها.

كما استغلت إيران حالة الفوضى وضعف الدول المركزية بعد الربيع العربي، (كما في سوريا واليمن) لترسيخ وجودها العسكري والمؤسساتي.

التراجع الإيراني

تجد إيران نفسها اليوم أمام معضلة استراتيجية لم تواجهها منذ عقود. فالضغوط التي أعقبت طوفان الأقصى، والردود العسكرية الإسرائيلية والأمريكية المتتالية أحدثت شروخا في أدوات الهيمنة الإيرانية.

تجلى هذا التراجع في عدة أمور:

أولها، تصدع ما يعرف بوحدة الساحات

كانت استراتيجية إيران تقوم على أن أي هجوم عليها سيواجه برد جماعي من كافة الوكلاء في وقت واحد.

وما حدث هو تلقي حزب الله درة التاج في الاستراتيجية الإيرانية ضربات قاسية استهدفت قياداته وبنيته التحتية، وتم تحجيم أو تحييد ذراعيها العراقي واليمني، واكتشفت إيران أن تحريك كافة الأوراق مرة واحدة قد يؤدي لخسارتها جميعا. التراجع هنا ظهر في انكماش إيران، وعدم دخولها في حرب شاملة لإنقاذ وكلائها، مما أرسل رسالة ضعف مفادها أن البقاء للنظام في طهران أولا، وليس للوكلاء.

ثاني تجليات التراجع الإيراني، انكشاف الردع المباشر

فبعد سقوط الدرع الواقي الخارجي والمتمثل في الأذرع، فشلت إيران في توفير حماية ذاتية لداخلها.

وتجلى هذا الانكشاف في أبريل وأكتوبر 2024، حين حدث تحول تاريخي بمواجهة مباشرة بين إيران والكيان الصهيوني.

ورغم إطلاق إيران مئات الصواريخ، إلا أن التفوق التكنولوجي الصهيوني المدعوم أمريكيًا أظهر فجوة هائلة، فضربات جيش دولة الكيان التي استهدفت أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية (مثل S-300)، ومنشآت عسكرية داخل إيران، جعلتها تدرك أنه بعد انهيار عمقها الاستراتيجي الذي بنته في الخارج، عجز القلب في الداخل عن حماية نفسه.

ثالث مظاهر التراجع الإيراني، مظاهرات الشارع

كشفت الضربات العسكرية لإيران عن إنهاك اقتصادي داخلي.

فالاستمرار في المنافسة على الزعامة يتطلب تمويلا هائلا، مع تزايد احتمالات استهداف المنشآت النفطية الإيرانية لحرب تدمر ما تبقى من اقتصادها.

وتشير التقارير الصادرة عن وكالات دولية وأممية، إلى تصعيد في الشارع الايراني غير مسبوق؛ حيث أقرّت السلطات الإيرانية رسميا بسقوط أكثر من 3,100 قتيل، بينما تشير تقديرات حقوقية ودولية إلى أن الأعداد قد تتراوح بين خمسة آلاف إلى عشرين ألف قتيل، نتيجة استخدام الرصاص الحي والقمع العنيف خلال فترة انقطاع الإنترنت.

مستقبل إيران

هل هو تراجع نهائي؟

الأكثر احتمالا، أن التراجع الإيراني تراجع تكتيكي، فنظام الآيات في طهران معروف عنه البراعة في ما يعرف بالصبر الاستراتيجي، والانحناء للعاصفة حتى تمر، والأمر المرجح أنه سيعيد بناء شبكة وكلائه في المنطقة ببطء، ولكن النتائج المنتظرة ليست أكيدة، فالظرف الذي سمح له ببناء تلك الأذرع في السابق غير متوفرة الآن، خاصة مع يقظة القوى الإقليمية الأخرى للمخطط الإيراني ومعاناتهم بسبب تلك الأذرع.

إيران الآن في مرحلة تقليل الخسائر، بعد أن فقدت المبادرة، التي كانت تمتلكها قبل أكتوبر 2023، وتحولت من لاعب يفرض قواعد اللعبة إلى لاعب يحاول الدفاع عن عوامل بقائه.

أعلى