من إسطنبول إلى أنقرة، يتردد سؤال أصبح ملحا هل يطوي رجب طيب أردوغان صفحةً امتدت لأكثر من عقدين، أم يعثر على طريقٍ جديد للبقاء؟ وبين حسابات الدستور وصراعات السياسة، تبرز أسماءٌ تستعد لملء الفراغ المحتمل في لحظةٍ مفصلية بتاريخ تركيا.
منذ أكثر من عشرين عامًا يشكّل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أحد أبرز الفاعلين في
الحياة السياسية التركية، سواء من حيث استمرارية القيادة أو من حيث التأثير في بنية
النظام السياسي والحزبي، ومع فوزه في الانتخابات الرئاسية عام
2023
بولاية تُعد الأخيرة وفق النص الدستوري الحالي، عاد إلى الواجهة سؤال ظل مؤجلاً
لفترة طويلة: هل يمكن لأردوغان الترشح للرئاسة مرة أخرى؟ وإن لم يكن ذلك ممكنًا،
فمن هي الشخصيات الأوفر حظًا لخلافته داخل حزب العدالة والتنمية أو في المشهد
السياسي بشكل عام؟
في هذا المقال سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة من زاوية تحليلية موضوعية، تستند إلى
المعطيات الدستورية والتصريحات الرسمية والتقارير الصحفية الإعلامية، ومنها ما ورد
في تقرير مجلة "الإيكونوميست" البريطانية الذي نُشر قبل أيام قليلة حول مسألة مَنْ
يخلف أردوغان بعده في الحكم.
الخلفية السياسية واستمرارية القيادة
يقود الرئيس أردوغان حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه عام
2001،
كما قاد الحكومات المتعاقبة منذ فوز الحزب في انتخابات نوفمبر
2002، وخلال هذه الفترة ظل
أردوغان الشخصية المركزية في الحزب والدولة، حتى في المراحل التي فرض فيها النظام
السياسي السابق الفصل بين رئاسة الحزب ورئاسة الدولة.
طوال هذه السنوات لم يشهد حزب العدالة والتنمية نقاشًا علنيًا حول مسألة خلافة
أردوغان، ويرتبط ذلك بعدة عوامل من بينها استمرار أردوغان في خوض الاستحقاقات
الانتخابية بنجاح، وكون نسب التصويت التي يحصل عليها في الانتخابات الرئاسية غالبًا
ما تفوق نسب التصويت للحزب نفسه في الانتخابات البرلمانية، وهذا الواقع جعل مسألة
نقاش خلافته مؤجلة بحكم الأمر الواقع الذي يصب في صالح استمراره في الحكم وعدم طرح
فرضية الاستغناء عنه كقائد يمتلك العديد من المميزات التي تؤهله للحفاظ على المنصب
بجدارة عند مقارنته بشخصيات أخرى.
غير أن انتخابات
2023 بوصفها الفترة الأخيرة
المسموح بها دستوريًا لبقاء أردوغان في سدة الحكم، أعادت فتح النقاش ولو بشكل غير
مباشر حول مستقبل القيادة السياسية في تركيا.
السبل القانونية لإعادة ترشح أردوغان للرئاسة
رغم القيود الدستورية الحالية برزت في الفترة الأخيرة تصريحات سياسية واضحة تؤكد
نية "تحالف الجمهور" الحاكم ترشيح أردوغان مجددًا للانتخابات الرئاسية المقبلة، ومن
هذه الشواهد تصريح زعيم حزب الحركة القومية والحليف المقرب لأردوغان دولت بهتشلي
بأن إعادة ترشح أردوغان أمر ضروري، معتبرًا أن خبرته ورؤيته تشكلان عنصر استقرار
للبلاد، كما أكد المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر تشليك أن مرشح الحزب في
الانتخابات المقبلة هو أردوغان، وهو الأمر ذاته الذي أكده منذ أيام قليلة نائب رئيس
حزب العدالة والتنمية كورشاد زورلو بقوله: "في عام 2028 سنعيد أولًا انتخاب الرئيس
أردوغان رئيسًا للجمهورية ثم سنستعيد إسطنبول من جديد من يد المعارضة".
|
|
ومن الناحية التنظيمية سنجد أن غياب النقاش العلني يرتبط أيضًا بطبيعة حزب
العدالة والتنمية نفسه، الذي تشكّل وتطوّر في إطار قيادة مركزية منذ
تأسيسه، حيث بُنيت هياكله القيادية وآليات اتخاذ القرار فيه على دور
محوري للرئيس المؤسس
|
وطالما أن هذه الشواهد تقودنا بشكل مبدئي إلى نية عازمة على ترشيح أردوغان مجددًا،
فالسؤال الذي يفرض نفسه هل يحق لأردوغان الترشح في الانتخابات المقبلة؟
من الناحية الدستورية، يُطرح مساران رئيسيان:
1. الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة بقرار من البرلمان، وهو خيار يتيح
الترشح مجددًا وفق تفسير دستوري قائم.
2. تعديل الدستور أو صياغة دستور جديد يعيد تحديد مدد الترشح أو يعالج قواعد الترشح
الحالية.
وفي هذا الخصوص توضح مجلة "الإيكونوميست" البريطانية أن تمرير دستور جديد يتطلب دعم
400 نائب من أصل
600 في البرلمان، وهو ما لا
يتوافر لحزب العدالة والتنمية حاليًا، أما خيار الاستفتاء الدستوري في حال تعديل
الدستور فيحتاج إلى
360
نائبًا، لكنه ينطوي على مخاطر سياسية خصوصًا أن استفتاء
2017 الذي عزز صلاحيات الرئيس
تم تمريره بفارق ضئيل، لذلك يُرجح أن يتم اللجوء إلى الدعوة لانتخابات مبكرة ربما
في أواخر عام
2027
أو بدايات
2028
على أقصى تقدير.
وفي هذا السياق يُنظر إلى مسار حل المسألة الكردية ومشروع "تركيا بلا إرهاب" كعامل
سياسي قد يسهم في توفير توافق برلماني أوسع للدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، خاصة لو
انضم نواب حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب (الذراع السياسي لحزب العمال الكردستاني)
إلى جانب نواب حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية اللذان يشكلان "تحالف
الجمهور" الحاكم في البلاد.
وبناءً عليه فإن النقاش حول إعادة الترشح لا ينفصل عن توازنات البرلمان والبيئة
السياسية العامة وحجم التقلبات بها وما يطرأ على خريطة التحالفات الحزبية، وليس
مجرد مسألة قانونية مجردة كما ينظر إليها البعض.
لماذا لا يزال ملف خلافة أردوغان غائبًا عن النقاش الحزبي العلني؟
رغم اتساع النقاش الإعلامي والأكاديمي حول مسألة خلافة أردوغان، إلا أنه لا تزال
هذه القضية غائبة إلى حد كبير عن الخطاب الرسمي لحزب العدالة والتنمية، فمن منظور
الحزب لا تزال الخيارات الدستورية والسياسية المطروحة لإعادة الترشح قائمة ولم
تُغلق نهائيًا، وهو ما يجعل فتح نقاش علني حول خلافته سابقًا لأوانه وقد يُفهم
داخليًا أو خارجيًا، بوصفه إقرارًا ضمنيًا بانتهاء دور أردوغان السياسي، وهو أمر لا
يتماشى مع الخطاب الرسمي الحالي ولا مع حسابات المرحلة.
كما أنه قد جاءت التطورات السياسية الداخلية والخارجية خلال الفترة الأخيرة لتُعيد
تعزيز موقع أردوغان في المشهد السياسي، سواء من خلال الملفات الإقليمية كدوره في
إسقاط نظام الأسد أو المبادرات السياسية الداخلية كدوره في إعلان تنظيم حزب العمال
الكردستاني حلّ نفسه وإيقاف عملياته العسكرية، وهو ما أسهم في ترسيخ أولوية "إدارة
المرحلة الراهنة" على حساب التفكير العلني في المرحلة اللاحقة، مما جعل قيادة الحزب
تميل إلى التعامل مع مسألة خلافة أردوغان باعتبارها ملفًا مؤجلًا يُفتح عند اكتمال
شروطه السياسية والدستورية، لا بوصفه أولوية تنظيمية آنية.
|
|
استل
واستشهدت الإيكونوميست باستطلاع رأي أُجري في ديسمبر الماضي، أظهر أن 33.4%
من الأتراك يفضلون هاكان فيدان زعيمًا لحزب العدالة والتنمية، مقابل 32.5%
لسليمان صويلو ليأتي في المركز الثاني
|
ومن الناحية التنظيمية سنجد أن غياب النقاش العلني يرتبط أيضًا بطبيعة حزب العدالة
والتنمية نفسه، الذي تشكّل وتطوّر في إطار قيادة مركزية منذ تأسيسه، حيث بُنيت
هياكله القيادية وآليات اتخاذ القرار فيه على دور محوري للرئيس المؤسس، ما جعل
مسألة الانتقال القيادي تخضع لحساسية عالية وتتطلب توافقات دقيقة داخل الحزب
والتحالف الحاكم، وفي مثل هذا السياق يُفضّل الحزب الحفاظ على وحدة الخطاب السياسي
وتماسك الصف الداخلي، بدلًا من الدخول في نقاشات قد تُفسَّر على أنها تنافس مبكر أو
اصطفاف داخلي.
كما أن غياب قرار نهائي بشأن ترشح أردوغان من عدمه يلعب دورًا حاسمًا في هذا
السياق، فطالما لم يُحسم هذا الخيار رسميًا يظل من الصعب من الناحية السياسية
والتنظيمية، الانتقال إلى مرحلة بحث الأسماء أو رسم سيناريوهات خلافته بشكل معلن،
ولذلك يمكن القول إن تأجيل هذا النقاش لا يعكس بالضرورة غياب رؤية مستقبلية، بقدر
ما يعكس مقاربة حذرة تهدف إلى إدارة التوقيت السياسي لهذا الملف بما ينسجم مع مصالح
الحزب واستقراره الداخلي وبما تتطلبه هذه المرحلة خاصة مع تسارع التطورات الإقليمية
بالمنطقة.
سيناريوهات
ما بعد أردوغان
على صعيد التناول الإعلامي والأكاديمي للأسماء المحتملة، تناولت مجلة الإيكونوميست
في تقرير تحليلي سيناريوهات مرحلة ما بعد الرئيس أردوغان، مشيرة إلى أن هذا النقاش
لا يزال افتراضيًا في ظل غياب أي مسار رسمي معلن داخل حزب العدالة والتنمية حول هذه
المسألة.
ولفت التقرير إلى بروز عدد من الشخصيات في التحليلات السياسية، من بينها وزير
الخارجية الحالي هاكان فيدان، ووزير الداخلية السابق سليمان صويلو، إلى جانب مهندس
الطائرات المسيّرة سلجوق بيرقدار ونجل الرئيس بلال أردوغان، مع اختلاف خلفياتهم
وتجاربهم المهنية.
واستشهدت الإيكونوميست باستطلاع رأي أُجري في ديسمبر الماضي، أظهر أن
33.4% من الأتراك يفضلون هاكان فيدان زعيمًا لحزب العدالة والتنمية، مقابل 32.5%
لسليمان صويلو ليأتي في المركز الثاني، فيما حل بلال أردوغان
ثالثًا بنسبة
14.2%، متقدمًا على بيرقدار
الذي حل في المركز الرابع بنسبة
12.9%.
وترى المجلة أن فيدان يمتلك السيرة الأقوى بين هؤلاء المرشحين، حيث قاد جهاز
الاستخبارات التركي لأكثر من عقد قبل توليه وزارة الخارجية، ولكن في المقابل تحذر
المجلة من أن حزب العدالة والتنمية قد يواجه صعوبة في البقاء بعد رحيل أردوغان،
خاصة في ظل التراجع الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم التي ما زالت تتجاوز
30%
رغم تحسنها وانخفاضها عن مستويات مرتفعة سابقة.
من يمكنه قيادة المرحلة التالية بعد أردوغان؟
يظل الحديث عن القيادة المحتملة للمرحلة المقبلة محكومًا بتعدد الاعتبارات التي
يصعب اختزالها في عامل واحد، فطبيعة المرحلة القادمة بما تحمله من تحديات داخلية
واستحقاقات إقليمية، تفرض معايير متداخلة تشمل القدرة على إدارة مؤسسات الدولة
والحفاظ على تماسك الحزب والتحالفات القائمة إلى جانب التفاعل مع الرأي العام
ومقتضيات الوضع الاقتصادي، ولذلك فإن اختلاف التقديرات حول الشخصية الأنسب يعكس
تباين التصورات بشأن أولويات المرحلة، أكثر مما يعكس وجود مسار محدد أو توافق جاهز.
وفي الوقت الراهن لا تشير المعطيات المتاحة إلى وجود عملية منظمة أو إشارات سياسية
واضحة داخل حزب العدالة والتنمية تمهد لانتقال قيادي وشيك، كما أن أي تصوّر لمسار
ما بعد أردوغان يبقى مرتبطًا بالقرار الذي سيتخذه أردوغان نفسه فيما يخص الاستحقاق
الرئاسي المقبل، وبالظروف السياسية التي ستتشكل في حينه، سواء على مستوى الحزب أو
ضمن التحالف الحاكم، وعليه فإن هذا الملف سيستمر نقاشه في إطار التقدير والتحليل
دون أن يتحول إلى موضوع مطروح فعليًا على جدول الأعمال السياسي.
كلمة أخيرة
يتجه المشهد السياسي التركي نحو استحقاق رئاسي تُعد ملامحه مرهونة في المقام الأول
بمسألة إعادة ترشح الرئيس الحالي أردوغان، وهو خيار تؤكده مواقف التحالف الحاكم
بالبلاد ويُبحث له عن أطر دستورية وسياسية مختلفة قابلة للتطبيق في ظل حالة
الاستقطاب بالساحة الداخلية، وفي الوقت نفسه تبقى النقاشات المتعلقة بمرحلة ما بعد
أردوغان في نطاق التقدير والتحليل دون أن تتحول إلى مسار سياسي فعلي، وبين هذا وذاك
سيظل الجميع بانتظار ما ستفضي إليه القرارات النهائية والتوازنات التي ستتشكل مع
اقتراب موعد الانتخابات المقبلة.