• - الموافق2026/01/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
معركة حلب.. تركيا في قلب التحول الجيوسياسي

في ظل تصاعد الأحداث على أرض حلب، تبرز تركيا كداعم للموقف السوري ولاعب محوري في المنطقة وسط بدايات لتشكل تحالفات جديدة. فهل نشهد بداية مرحلة جيوسياسية جديدة ستغير موازين القوى في الشرق الأوسط؟


لم تعد التطورات الجارية في شمال سوريا وعلى وجه التحديد في محافظة حلب السورية، مجرد اشتباكات عسكرية عابرة أو جولة جديدة من الصراع المعقد الذي أنهك البلاد على مدار أكثر من عقد، بل باتت تعكس تحوّلًا أعمق في موازين القوى الإقليمية وفي طريقة تعاطي الدول الفاعلة مع مفهوم الدولة والسيادة والأمن الجماعي.

إن العملية العسكرية التي خاضتها الحكومة السورية ضد تنظيم "قسد" في محافظة حلب منذ أيام، وما رافقها من مواقف وتصريحات تركية واضحة، فتحت الباب أمام قراءة أوسع للدور التركي في المرحلة المقبلة، ليس فقط بوصفها جارًا مباشرًا لسوريا بل كفاعل إقليمي يسعى لإعادة ضبط علاقته بالإقليم وفق معادلات جديدة تؤسس لتحالفات إقليمية قائمة على التعاون المشترك والمصالح المتبادلة لتوثيق الروابط وحماية الأمن القومي.

فبين إعلان تركيا دعمها الكامل للحكومة السورية في حربها ضد التنظيمات المسلحة الرافضة للانضواء تحت مظلة الدولة المركزية، وبين تسريبات صحفية تتحدث عن سعي تركيا للانضمام إلى اتفاق دفاعي ثلاثي مع السعودية وباكستان، تتشكّل ملامح سياسة تركية أكثر جرأة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن لحظة الفراغ الاستراتيجي الدولي تتيح فرصة لإعادة ترتيب المشهد من الداخل الإقليمي ذاته.

الموقف التركي والحسابات الدقيقة:

منذ اندلاع الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات "قسد" في مدينة حلب ومحيطها، حرصت تركيا على ضبط خطابها الرسمي بدقة لافتة، فقد أكدت وزارة الدفاع التركية مرارًا على أن العملية تُنفذ بالكامل من قبل القوات السورية نافية أي مشاركة مباشرة للقوات التركية في القتال، لكنها في الوقت ذاته شددت على أن "أمن سوريا هو من أمن تركيا" وأن أنقرة تتابع التطورات "لحظة بلحظة" وعن كثب لأن المسألة عبارة عن أمن قومي لتركيا.

 

رغم خطاب الدعم الواضح لدمشق، تبدو أنقرة حريصة على عدم الانجرار إلى معركة حلب بشكل كامل، وهذا الحذر لا ينبع من تردد بل من حسابات استراتيجية دقيقة

هذا الموقف المزدوج يعكس مقاربة تركية تقوم على دعم الدولة السورية في استعادة سيادتها، دون الانزلاق إلى تدخل عسكري مباشر واسع قد يخلط الأوراق أو يفتح جبهات لا تخدم المصالح التركية في هذه المرحلة، فتركيا التي أعلنت مرارًا دخولها مرحلة السلام للوصول لهدف "تركيا خالية من الإرهاب"، تدرك أن أي تورط عسكري مباشر غير مبرر قد يعرّض هذه المرحلة للاهتزاز، ما لم يكن هناك تهديد مباشر لأمنها القومي.

وقد عبّر عن هذا التوازن بوضوح رئيس البرلمان التركي "نعمان قورتولموش" حين أكد استعداد بلاده لتقديم الدعم اللازم للحكومة السورية إذا طُلب منها ذلك، مشددًا في الوقت ذاته على أن تركيا تفضل أن تُدار المعركة من قبل الجيش السوري نفسه في إطار "دولة واحدة وجيش واحد"، وهو تعبير يحمل دلالة سياسية تتجاوز السياق العسكري المباشر.

"قسد" بين العزلة الإقليمية والتنسيق الخارجي

في قلب هذا المشهد، تقف قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في وضع بالغ الحساسية، فالتنظيم الذي راهن طويلًا على الدعم الأمريكي والغربي يجد نفسه اليوم أمام بيئة إقليمية أقل تسامحًا مع مشاريع الحكم الذاتي والانفصال المقنّع في ظل تغيرات جيوسياسية متسارعة في المنطقة بشكل غير مسبوق.

ومن الشواهد على مسألة الحسم مع الدعوات الانفصالية لتنظيم "قسد" ما صرح به وزير الخارجية التركي "هاكان فيدان" حين اتهم "قسد" بالتنسيق مع إسرائيل، داعيًا إياها صراحة إلى التخلي عن "الإرهاب والنيات الانفصالية".

هذا الاتهام لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للصراع في المنطقة، حيث باتت أي قوى محلية ترتبط بمشاريع خارجية موضع شك ورفض متزايد من قبل دول الإقليم، كما أن الربط التركي الصريح لأول مرة بين "قسد" وإسرائيل يعزز السردية القائلة بأن التنظيم لم يعد مجرد فاعل محلي، بل أداة في صراعات تتجاوز الجغرافيا السورية، وهو ما يضعف من شرعيته السياسية والأخلاقية في نظر كثير من دول الإقليم، خاصة تلك التي تريد عقد شراكات قوية ومتينة مع كل من سوريا وتركيا.

في المقابل، تحاول "قسد" تصوير نفسها كضحية "تصعيد تركي مباشر" متهمة أنقرة باستهداف مواقعها بطائرات مسيّرة، إلا أن غياب التأكيد التركي الرسمي لهذه الرواية، إلى جانب إصرار تركيا على أن الجيش السوري هو من يقود العملية العسكرية في حلب، يضع هذه الادعاءات في إطار الحرب الإعلامية أكثر من كونها حقائق ميدانية ثابتة.

لماذا تتجنب تركيا التدخل المباشر في سوريا؟

رغم خطاب الدعم الواضح لدمشق، تبدو أنقرة حريصة على عدم الانجرار إلى معركة حلب بشكل كامل، وهذا الحذر لا ينبع من تردد بل من حسابات استراتيجية دقيقة، فتركيا تدرك أن المرحلة الحالية تتطلب منها لعب دور الداعم والضامن لا دور الطرف المقاتل، خاصة في ظل سعيها لترسيخ صورة الدولة التي تساند استقرار الجوار لا تلك التي تزيد من تعقيد أزماته، ومن الشواهد على ذلك تأكيد عدد من المسؤولين الأتراك مرارًا وتكرارًا حتى في ظل استمرار الاشتباكات بين القوات السورية و"قسد" على أهمية العودة لتنفيذ اتفاق 10 مارس المبرم بين الدولة السورية والتنظيم، وهو ما يؤكد سعي تركيا لدفع كافة الأطراف للحل السلمي رغم استمرار العملية العسكرية.

 

فهذه الرؤية تنطلق من قناعة بأن أزمات المنطقة ليست منفصلة، بل تُدار وفق أنماط متشابهة، غالبًا ما تتغذى على تدخلات خارجية تسعى لإبقاء الصراعات مشتعلة أو قابلة للاشتعال،

كما أن أي تدخل تركي واسع قد يمنح أطرافًا دولية ذريعة لإعادة الانخراط العسكري المباشر في سوريا، وهو ما يتعارض مع الرؤية التركية التي تقوم على تقليص التدخلات الخارجية لصالح حلول إقليمية تحفظ أمن المنطقة واستقرار سوريا الداخلي وأمن تركيا القومي الحدودي.

لذلك تفضّل تركيا الاكتفاء بالدعم الاستخباراتي واللوجستي والعسكري للحكومة السورية، مع الإبقاء على خيار الرد الحاسم إذا ما تعرض أمنها القومي لأي تهديد مباشر.

هاكان فيدان ورؤية "استيقاظ الإقليم"

تصريحات وزير الخارجية التركي "هاكان فيدان" الأخيرة خلال مقابلة تلفزيونية له منذ أيام قلائل مع قناة "تي آر تي الإخبارية" تمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم السلوك التركي الراهن، ففي حديثه عن (اليمن والسودان وسوريا والصومال) قدّم فيدان قراءة شاملة لما وصفه بـ"استيقاظ المنطقة من نوم عميق دام مئة عام" وهو تصريح لافت يستدعي وقفة جادة لفهم دلالاته الإقليمية الراهنة والمستقبلية.

فهذه الرؤية تنطلق من قناعة بأن أزمات المنطقة ليست منفصلة، بل تُدار وفق أنماط متشابهة، غالبًا ما تتغذى على تدخلات خارجية تسعى لإبقاء الصراعات مشتعلة أو قابلة للاشتعال، ومن هذا المنطلق دعا فيدان خلال لقائه التلفزيوني دول الإقليم إلى تبني سياسة إقليمية جماعية تقوم على تعاون الدول المتضررة نفسها، بدلًا من الارتهان لإرادات خارجية تتلاعب بها وتضر بمصالحها.

هذا الخطاب لا يعكس فقط موقفًا فكريًا لطريقة التفكير لدى المسؤولين الأتراك، بل ينسجم عمليًا مع التحركات التركية الأخيرة، سواء في سوريا أو في محيطها الإقليمي الأوسع، حيث تسعى أنقرة إلى ترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع وتحالفات قابلة للتطبيق على أرض الواقع كلما سنحت الفرصة بذلك، وهذا كان واضحًا بالنظر إلى الاتفاقيات التي وقعتها تركيا مؤخرًا مع كل من سوريا والصومال وليبيا والسودان.

تركيا والسعي نحو تحالفات جديدة

في هذا السياق تأتي تسريبات صحفية لوكالة "بلومبيرغ" الأمريكية حول سعي تركيا للانضمام إلى اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين "السعودية وباكستان" كحلقة مكملة في سلسلة التحركات التركية؛ لعقد المزيد من الشراكات التي تقوي جبهتها وتمنحها حق المشاركة في الحفاظ على أمن الإقليم من المخططات التي لا تتوقف بهدف زعزعة استقراره بين الحين والآخر.

وحسب ما نقلت وكالة "بلومبيرغ" فإن الاتفاق الموقع بين كل من السعودية وباكستان والذي ينص على اعتبار أي هجوم على "الرياض أو إسلام آباد" هجومًا على الطرفين معًا، يشكل نواة لتحالف أمني إقليمي جديد قد تتوسع دائرته بانضمام أنقرة إليه، كما أن انخراط تركيا المحتمل في هذا الإطار يعكس إدراكها لتراجع مصداقية المظلة الأمنية الأمريكية، وسعيها في المقابل إلى بناء شبكة أمان إقليمية قائمة على المصالح المشتركة.

كما أن العلاقات العسكرية المتينة بين تركيا وباكستان، والتقاطع المتزايد في المصالح بين تركيا والسعودية في الشرق الأوسط وإفريقيا، يجعل من هذا التحالف المحتمل تطورًا منطقيًا أكثر منه مفاجئًا، وإذا ما تحقق هذا التحالف الثلاثي فإنه قد يعيد رسم موازين القوى، ليس فقط في الشرق الأوسط بل في جنوب آسيا والقرن الإفريقي، مانحًا دول الإقليم هامشًا أوسع للاستقلالية الاستراتيجية.

كلمة أخيرة

تكشف المقاربة التركية تجاه العملية العسكرية السورية في حلب عن انتقال محسوب من منطق إدارة الأزمات إلى منطق إعادة البناء، فتركيا وهي تؤكد على دعمها لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، ترسل في الوقت ذاته رسالة واضحة مفادها أن زمن الكيانات المسلحة العابرة للدولة يقترب من نهايته، وأن الأمن المستدام لا يُصنع إلا من داخل مؤسسات الدولة الوطنية، لا على هامشها.

وفي ظل امتداد هذه الرؤية التي تتقاطع فيها مصالح أنقرة مع عواصم محورية كإسلام آباد والرياض، وتُعاد فيها صياغة مفهوم الشراكة بعيدًا عن الوصاية الخارجية، وبين دعمٍ مدروس في الميدان وحراكٍ سياسي في الإقليم وخطابٍ يعكس يقظة متأخرة للعالم الإسلامي، ترسم تركيا لنفسها دورًا لا يقوم على الهيمنة، بل على المشاركة.

وهكذا تبدو معركة حلب أكثر من مجرد مواجهة عسكرية محدودة؛ ليتضح أنها اختبار حقيقي لإرادة الدولة، ومؤشر على أن المنطقة رغم تعقيداتها بدأت تتحرك ولو ببطء لكن بثقة نحو استعادة شيء من قرارها وامتلاك أدواتها والبدء في طيّ صفحة طويلة من الفوضى المُدارة من الخارج.

أعلى