• - الموافق2026/02/26م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
من نيودلهي إلى تل أبيب: الهند في حلف نتنياهو الجديد

تحوّلٌ استراتيجي يعيد رسم خريطة الاصطفافات: من دعم فلسطين إلى حلف نتنياهو. كيف غيّر "مودي" عقيدة الهند الخارجية، وما علاقة تصاعد القومية الهندوسية ومعاداة المسلمين في الهند بالإبادة الجماعية في غزة؟


وصل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل يوم الأربعاء في زيارة تستغرق يومين، تشمل محادثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وإلقاء خطاب أمام البرلمان، وزيارة إلى ياد فاشيم، النصب التذكاري الرسمي للهولوكوست في البلاد.

تطورت علاقة الهند بإسرائيل وتحولت من علاقة حذرة إلى شراكة متينة خلال فترة حكم مودي التي امتدت قرابة 12 عامًا. وكانت زيارته لإسرائيل عام 2017، وهي الأولى لرئيس وزراء هندي، لحظة فارقة. لقد تحولت الهند في عهد مودي لأكبر مستورد للمعدات الدفاعية من إسرائيل، وثاني أكبر شريك تجاري آسيوي لها في مجال السلع.

لم تكن زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى إسرائيل حدثًا عابرًا في روزنامة الدبلوماسية، بل بدت كأنها إعلان رمزي عن اكتمال تحوّلٍ بدأ قبل سنوات. وحين تحدّث بنيامين نتنياهو عن حلفٍ يجمع إسرائيل ببعض الدول، وعدّ من بينها الهند، لم يكن يُلقي عبارة دعائية للاستهلاك الإعلامي، بل كان يضع حجرًا آخر في بناء اصطفافٍ جديد يتجاوز حدود التعاون الثنائي إلى هندسة جيوسياسية ذات مضمون أيديولوجي.

الهند التي عرفها العالم في عهد جواهر لال نهرو، بوصفها إحدى ركائز حركة عدم الانحياز وصوتًا داعمًا لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، لم تعد هي ذاتها في عهد ناريندرا مودي. التحوّل لم يكن تدريجيًا فحسب، بل كان بنيويًا، يمس تعريف الدولة لهويتها ولموقعها في العالم.

قامت السياسة الخارجية الهندية بعد الاستقلال على سردية أخلاقية: مناهضة الاستعمار، دعم حركات التحرر، والتضامن مع الشعوب المستضعفة. وكان الانحياز إلى القضية الفلسطينية جزءًا من هذا التكوين، لا بوصفه موقفًا عاطفيًا، بل باعتباره امتدادًا لتجربة الهند ذاتها في مقاومة الهيمنة.

غير أن صعود حزب بهاراتيا جاناتا، وترسيخ مشروع الهندوسية السياسية، أعاد تعريف الأولويات. لم تعد الهوية التعددية هي الركيزة، بل هوية قومية صلبة تُعيد صياغة الداخل، وتُعيد ترتيب التحالفات في الخارج.

في هذا السياق، لم تعد إسرائيل تُرى باعتبارها دولة محل نزاع أخلاقي في وجدان العالم الثالث، بل نموذجًا لدولة قومية أمنية استطاعت من منظور اليمين الهندوسي أن تُحكم قبضتها على الداخل وتفرض وقائعها في الخارج.

العلاقات الهنديةالإسرائيلية لم تبدأ مع مودي، لكنها بلغت في عهده مستوى غير مسبوق من العلنية والدفء السياسي. التعاون العسكري والتقني، صفقات السلاح، الشراكات في مجالات الأمن السيبراني والزراعة والمياه، كلها معطيات مهمة، لكنها لا تفسر وحدها هذا التقارب.

الأعمق من ذلك هو التلاقي الأيديولوجي: دولة تُعرّف نفسها على أساس ديني/قومي في مواجهة خطر ديموغرافي، وخطاب سياسي يُشيطن الأقلية المسلمة بوصفها تهديدًا داخليًا. في إسرائيل، الفلسطيني هو الآخر الذي يُدار أمنيًا. وفي الهند الجديدة، المسلم خاصة في كشمير وفي الولايات ذات الأغلبية المختلطة يُعاد تقديمه في الخطاب الشعبوي بوصفه مشكلة ينبغي ضبطها.

هنا يصبح التحالف أكثر من صفقة سلاح؛ إنه تبادل خبرات في إدارة الصراع مع الداخل.

لم تعلن الهند رسميًا تخليها عن دعم حل الدولتين، لكنها انتقلت من خطاب صريح داعم للفلسطينيين إلى خطاب بارد، متوازن ظاهريًا، بينما تتعمق علاقاتها مع تل أبيب. في المحافل الدولية، تراجعت الحماسة القديمة، وحلّ محلها حساب براغماتي بارد.

هذا التحول ترافق مع برودٍ ملحوظ تجاه القضايا العربية، بل ومواقف بدت أقرب إلى الاصطفاف مع الرؤية الإسرائيلية في بعض المحطات. لم تعد الهند ترى في انحيازها السابق رصيدًا استراتيجيًا، بل عبئًا على مشروعها الجديد في بناء تحالفات مع القوى الصاعدة، وتعزيز موقعها في مواجهة الصين، وكسب ودّ الدوائر المؤثرة في واشنطن.

الداخل الهندي: إعادة تعريف المواطنة

لا يمكن قراءة السياسة الخارجية للهند بمعزل عن سياستها الداخلية. في عهد مودي، شهدت البلاد تحولات مثيرة للجدل: إلغاء الوضع الخاص لإقليم كشمير، تعديلات في قانون الجنسية، تصاعد خطاب الكراهية، وتكرار حوادث العنف الطائفي.

الهند التي كانت تُقدَّم بوصفها أكبر ديمقراطية تعددية في العالم، باتت تُتهم حتى من داخلها بأنها تنزلق نحو قومية أحادية تعيد تعريف المواطنة على أساس الهوية الدينية. وفي مثل هذا المناخ، يصبح التقارب مع إسرائيل انعكاسًا طبيعيًا لتشابه في الرؤية، لا مجرد تقاطع مصالح.

حديث نتنياهو عن حلف يضم إسرائيل والهند ودولًا أخرى، يشي بمحاولة بناء شبكة دعم عابرة للجغرافيا، تكسر العزلة الأخلاقية التي تحيط بإسرائيل في بعض الأوساط الدولية. وجود الهند بثقلها السكاني والاقتصادي في مثل هذا الحلف يمنحه بعدًا رمزيًا مهمًا.

لكن السؤال الأعمق: هل هو حلف استراتيجي متماسك، أم شبكة مصالح ظرفية؟ الهند قوة براغماتية في نهاية المطاف، وحساباتها محكومة بمصالحها الكبرى في الطاقة، والتجارة، وعلاقاتها مع العالم العربي الذي يشكل شريكًا اقتصاديًا لا يمكن تجاهله.

التحول الهندي لم يحدث فجأة، ولم يكن خفيًا. ومع ذلك، بدا التفاعل العربي معه أقرب إلى ردود فعل متفرقة، لا إلى استراتيجية تستثمر أوراق القوة المتاحة. الهند تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة والأسواق والعمالة المرتبطة بالمنطقة العربية، لكن هذا الاعتماد لم يُترجم إلى نفوذ سياسي موازٍ.

إن إعادة تموضع الهند ليست قدرًا محتومًا، لكنها نتيجة توازنات، وفراغات، وغياب خطاب عربي قادر على مخاطبة نيودلهي بلغة المصالح المتبادلة التي تفهمها لا بلغة الشعارات التي لم تعد تجد لها سواقا في عالم اليوم.

 

أعلى