في قلب العاصفة الإقليمية، تقف تركيا على حافة معادلة خطيرة؛ حربٌ تتسع دوائرها، وتحالفاتٌ يعاد رسمها، وأسئلةٌ معلّقة حول الدور القادم. بين الدبلوماسية والنار، هل تنجح أنقرة في تفادي الشرارة التالية أم تصبح عنوان الفصل الأخطر؟
حين تشتعل الحرب في الشرق الأوسط لا تبقى دولة بمنأى عن تداعياتها، خاصة إذا كانت
تلك الدولة في موقع جغرافي حساس وتملك شبكة علاقات متشابكة مع أطراف النزاع، ومثال
ذلك الحرب التي اندلعت بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى،
فهي لم تكن حدثًا عابرًا في مسار الصراعات الإقليمية، بل شكلت لحظة مفصلية أعادت
ترتيب الحسابات الاستراتيجية في المنطقة بأكملها، وفي قلب هذه المعادلة برز اسم
تركيا؛ لا بوصفها طرفًا مباشرًا في القتال بل باعتبارها دولة إقليمية تمتد علاقاتها
مع أطراف الصراع.
لذلك أضع بين يديك عزيزي القارئ هذا المقال في محاولة لفهم المشهد عبر قراءة
الاستعدادات التركية قبل اندلاع هذه الحرب بالمنطقة، ومواقف أنقرة الرسمية بعد
اندلاعها، وأسباب امتناع إيران عن استهداف القواعد الأمريكية في تركيا، إضافة إلى
السيناريوهات المحتملة لما بعد انتهاء الصراع مع إيران وما إذا كانت تركيا ستكون
الهدف التالي في حال تغيرت موازين القوى.
التحركات التركية قبل اندلاع الحرب.. الاستعداد للأسوأ
قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب بدأت تركيا تتحرك بهدوء ولكن بجدية واضحة، فلم
تنتظر أنقرة لحظة الانفجار، بل تصرفت على قاعدة أن المواجهة بين واشنطن وطهران لم
تعد احتمالًا نظريًا بل سيناريو قريب الوقوع.
فقد ذكرت وكالة بلومبيرغ الأمريكية نقلًا عن مصادر مطلعة أن تركيا بدأت الاستعداد
لموجة لجوء محتملة من إيران في حال اندلاع حرب واسعة، وتضمنت الخطط المحتملة إقامة
مخيمات على الحدود، بل وطرحت
–
في سيناريو أكثر تصعيدًا
–
احتمال دخول الأراضي الإيرانية لمنع تدفقات عبور واسعة إذا تفاقمت الفوضى، وهذه
المعطيات تعكس إدراكًا عميقًا من تركيا بأن الحرب لن تبقى داخل الحدود الإيرانية
وأن تداعياتها الديموغرافية قد تكون أول ما يطرق أبواب تركيا.
المخاوف التركية لم تقتصر على الإيرانيين وحدهم، بل أشارت المصادر إلى أن أنقرة
تخشى موجة لجوء جديدة تضم أفغانيين وباكستانيين يقيمون في إيران، وهذا يعني أن
تركيا كانت تستعد للتعامل مع سيناريو احتمال انفجار سكاني على حدودها الشرقية مع
إيران، في وقت لا تزال فيه تواجه تحديات ملف اللاجئين السوريين.
ووفقًا للمصادر تحول تركيز المراقبة الجوية لحلف الناتو في تركيا من روسيا إلى
إيران مع تزايد خطر عملية عسكرية محتملة ضد طهران، وأشارت وكالة بلومبيرغ إلى أنه
تم استخدام طائرات الإنذار المبكر المتقدمة (أواكس) المتمركزة في تركيا لمراقبة
التحركات، لافتة
– نقلًا
عن مصادر رفيعة المستوى
– إلى أن
وتيرة الطلعات الجوية المنطلقة من ولاية قونية وسط تركيا زادت لمراقبة إيران.
هذا التحول في بوصلة الرصد الجوي يعكس أن تركيا كانت جزءًا من بيئة أمنية مترقبة
حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا في المواجهة، وكل ذلك يشير إلى أن أنقرة لم تُفاجأ
بالحرب بل كانت تتهيأ لها بهدوء واضعةً في اعتبارها أسوأ السيناريوهات.
لماذا لم تستهدف إيران القواعد الأمريكية في تركيا؟
مع بدء المواجهة العسكرية وجهت إيران ضربات إلى قواعد أمريكية في بعض الدول
العربية، لكنها لم تستهدف القواعد الأمريكية الموجودة في تركيا، وعلى رأسها قاعدة
إنجرليك الأمريكية التي تقع في ولاية أضنة التركية، وهذا المعطى يفتح الباب أمام
تساؤل استراتيجي مهم: لماذا تجنبت طهران توسيع دائرة الاستهداف لتشمل الأراضي
التركية؟
هناك عدة تفسيرات محتملة أولها أن إيران لا ترغب في فتح جبهة مباشرة مع تركيا
بصفتها الدولة العضو في حلف الناتو لما يحمله ذلك من مخاطر توسع الصراع، وثانيها أن
طهران ربما ترى في أنقرة قناة تواصل محتملة مع واشنطن خاصة في ظل العلاقة المتميزة
التي تجمع الرئيس التركي أردوغان بالرئيس الأمريكي ترامب على مدار سنوات حتى الآن.
ولذلك يُرجح أنه قد تكون تعمدت إيران ترك باب الوساطة مفتوحًا للمستقبل، فاستهداف
القواعد الأمريكية في تركيا كان سيضع أنقرة في زاوية حرجة وربما يدفعها إلى موقف
أكثر تشددًا، أما الامتناع عن ذلك فيُبقي على هامش دبلوماسي يمكن استثماره في
التهدئة أو نقل الرسائل وقتما تريد إيران فعل ذلك.
كما أن إيران تدرك أن تركيا ليست مجرد دولة مستضيفة لقواعد أمريكية بل لاعب إقليمي
مستقل له حساباته الخاصة ولا يتماهى دائمًا مع السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية،
لذلك قد يكون تجنب استهداف القواعد الأمريكية بتركيا رسالة مزدوجة مفادها عدم
الرغبة في التصعيد مع تركيا وترك مساحة لدور محتمل لها في احتواء الأزمة في وقت
يسمح بذلك في إحدى مراحل هذا الصراع الحديث بالمنطقة.
الموقف الرسمي التركي.. إدانة وتحذير من "حلقة النار"
مع الساعات الأولى لاندلاع الحرب صدر أول تعليق رسمي عن الخارجية التركية دعت فيه
الأطراف إلى وقف الهجمات فورًا، لكن التصريحات الأبرز جاءت على لسان الرئيس أردوغان
الذي أعرب عن "حزن عميق وقلق" إزاء الهجمات الأمريكية
–
الإسرائيلية التي بدأت بتحريض من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وأكد أردوغان أن الهجمات لا تنتهك سيادة إيران فحسب بل تستهدف أيضًا أمن وطمأنينة
الشعب الإيراني "الصديق والشقيق"، وهذا الخطاب لا شك أنه يحمل بعدًا سياسيًا
وأخلاقيًا ويضع تركيا في موقع الرافض للتصعيد العسكري.
كما حذر أردوغان من أن غياب الحكمة وعدم فتح المجال للدبلوماسية قد يدفع المنطقة
إلى "حلقة من النار"، وهذه العبارة تختصر الرؤية التركية للمشهد حيث ترى أن هذه
الحرب ليست حدثًا محدودًا بل شرارة قد تشعل المنطقة بأكملها.
وفي الوقت ذاته شدد أردوغان على أن تركيا لا تواجه مشكلة على صعيد أمن حدودها
ومجالها الجوي، وأن الجيش والدرك والشرطة وجهاز الاستخبارات يتخذون جميع التدابير
بأعلى مستوى، وهذه التصريحات تحمل بالطبع رسالة مزدوجة لكل الأطراف برفض الحرب
والاستعداد الكامل لأي تداعيات لها.
وأكد أردوغان في مجمل تصريحاته على أن تركيا منذ اليوم الأول تقوم بما يقع على
عاتقها لتسهيل حل المشكلات، وأن وزير الخارجية ورئيس جهاز الاستخبارات والمؤسسات
المعنية بدأوا اتصالات مكثفة مع نظرائهم، وهذا التصريح من أردوغان في الساعات
الأولى من اندلاع الحرب يعكس تحركًا دبلوماسيًا نشطًا لتركيا يهدف إلى لعب دور في
خفض التصعيد.
هل الدور على تركيا بعد إيران؟
وسط تصاعد التوتر في المنطقة مع اندلاع الحرب، برز تصريح للصحفي التركي الشهير
أوغور دوندار نقل فيه عن العقيد الأمريكي المتقاعد دوغلاس ماكغريغور قوله:
“بعد
إيران سيأتي الدور على تركيا”،
ليرد الصحفي التركي دوندار قائلًا:
“إذا
كان لديهم نية للمجيء فسيجدون ما ينتظرهم.. يبدو أنهم اشتاقوا لأن تغرق سفنهم في
البحر”.
قد يبدو هذا التصريح في ظاهره جزءًا من سجال إعلامي لكنه في الحقيقة يعكس قلقًا
أعمق داخل بعض الأوساط التركية، فالسؤال المطروح هو إذا نجحت الولايات المتحدة
وإسرائيل في تحقيق أهدافهما في إيران، هل ستتجه الأنظار نحو تركيا بوصفها القوة
الإقليمية التالية التي تتبنى سياسات مستقلة؟
فكما يعلم الجميع تركيا خلال السنوات الماضية اتخذت مواقف لا تنسجم بشكل كبير مع
الرؤية الغربية سواء في ملفات شرق المتوسط أو سوريا أو علاقاتها مع روسيا أو دعمها
للقضية الفلسطينية، وإذا أُعيد رسم ميزان القوى في المنطقة بعد إضعاف إيران، فقد
تصبح تركيا اللاعب الأكبر الذي يثير حسابات معقدة لدى بعض الأطراف، وبحكم كونها
لاعبًا صعبًا في معادلة التوازنات فقد تزداد الضغوط عليها بشكل كبير.
ويرجع ذلك إلى أن الحالة التركية تختلف عن الإيرانية جذريًا، فتركيا في نهاية
المطاف عضو في حلف الناتو واقتصادها متشابك مع الغرب ولديها علاقات مؤسساتية مع
الولايات المتحدة وأوروبا؛ لذلك فإن سيناريو المواجهة المباشرة والتصعيد العسكري
معها يبدو أقل ترجيحًا
– حتى
الآن
–،
لكنه لا يلغي احتمالات ممارسة الضغوط السياسية أو الاقتصادية عليها أو محاولات
احتواء نفوذها وهو الخيار الأكثر واقعية في إدارة التنافس معها.
كلمة أخيرة
لم تعد هذه الحرب مجرد صراع بين أطراف متنازعة بل أصبحت لحظة فاصلة تعيد رسم خرائط
النفوذ والتحالفات في المنطقة، وفي قلب هذه التحولات تتحرك تركيا وفق مقاربة تقوم
على إدارة الأزمات لا الانخراط فيها، مستفيدة من موقعها الجغرافي وصلاتها المتشعبة
مع مختلف الأطراف، من إيران إلى الولايات المتحدة وصولًا إلى قدرتها على التواصل
غير المباشر مع إسرائيل، وهذا التوازن يمنحها هامش حركة واسعًا لكنه في الوقت ذاته
يضعها أمام اختبار صعب للحفاظ على علاقاتها دون فقدان استقلالية قرارها.
غير أن هذا الدور المحتمل لا يخلو من تحديات معقدة، إذ يتطلب من تركيا موازنة دقيقة
بين حسابات الأمن القومي ومصالحها الاقتصادية وعلاقاتها مع القوى الكبرى في وقت
تتسارع فيه التحولات الإقليمية وتزداد فيه مساحة الضغوط الدولية، فأي انزلاق أو سوء
تقدير سيؤدي إلى إدخالها في دوائر استنزاف سياسي وأمني طويلة، وهو ما يجعل المرحلة
المقبلة اختبارًا حقيقيًا للدبلوماسية التركية.