• - الموافق2026/01/18م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
لجنة غزة الإدارية.. فخ صهيو-أمريكي جديد للسيطرة

هل يمثّل مشروع الإعمار واللجنة الإدارية في غزة مدخلًا إنسانيًا حقيقيًا لإنهاء الحرب، أم صيغة وصاية سياسية ناعمة تُستبدل فيها الدبابات بالإدارة والتمويل المشروط لتفريغ القضية والمقاومة من جوهرهما؟


في لحظةٍ تبدو فيها غزة مثخنة بالجراح، منهكة من حرب إبادة طويلة، ومحاصرة بين ركام البيوت وأشلاء الجغرافيا، يطلّ المشروع الأمريكيالصهيوني بثوبٍ جديد، هذه المرة تحت مسمّى اللجنة الإدارية لإدارة قطاع غزة ومجلس السلام الدولي. مسمّيات ناعمة تخفي خلفها منطق القوة ذاته، وتعيد إنتاج أدوات السيطرة بأساليب أكثر خبثًا ودهاءً. فالإعمار، الذي يُفترض أن يكون استحقاقًا إنسانيًا، يتحوّل في هذا السياق إلى أداة ابتزاز سياسي، وإلى فخّ استعماري يراد له أن يُنهي القضية الفلسطينية من بوابة غزة، لا عبر الدبابات وحدها، بل عبر الإدارة والتمويل والوصاية.

هندسة الوصاية

رغم إعلان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أن خطة الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة تدخل طورها الثاني، بالانتقال من "وقف إطلاق النار" إلى "نزع السلاح، الحكم التكنوقراطي، وبدء الإعمار"، فإن الوقائع الميدانية تكشف تناقضًا صارخًا بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية؛ إذ لا تزال الانتهاكات الإسرائيلية متواصلة على الأرض، فيما لم يُنفَّذ عدد جوهري من بنود المرحلة الأولى قبل القفز المتعمد إلى المرحلة التالية. هذا التسرّع لا يمكن فصله عن البنية السياسية للمرحلة الثانية نفسها، التي يُراد لها أن تعيد تشكيل واقع غزة تحت سقف مختلف، لا يقل قسوة عن منطق القوة العسكرية، بل يعيد إنتاجه بأدوات إدارية ومالية أكثر التواءً.

فمنذ الإعلان عن مجلس السلام برئاسة ترامب، بدأت تتضح ملامح نموذج حكم لا يمتّ إلى السيادة الفلسطينية بصلة، بل يؤسس لمرحلة وصاية مُقنّعة تُدار باسم الإعمار والاستقرار. فالمجلس، كما تعكسه التصريحات والتقارير الغربية، لا يُطرح كإطار داعم لإدارة فلسطينية مستقلة، وإنما كسلطة إشراف عليا تتحكم في القرار السياسي والاقتصادي، وتضبط إيقاع الحياة اليومية في القطاع وفق شروط الممول والراعي الأمريكي والصهيوني. أما الحديث عن لجنة تكنوقراط فلسطينية، فلا يتجاوز كونه واجهة محلية لتسويق مشروع الوصاية وتخفيف حدّة الرفض الشعبي، في حين تُدار الخيوط الفعلية من واشنطن وتل أبيب، ضمن تصور يُراد له أن يُنهي غزة كمساحة مقاومة، ويعيد تعريفها ككيان منزوع الإرادة، خاضع للإدارة لا للتحرر.

 

إنها محاولة لإعادة هندسة الوعي، وإقناع الناس بأن المقاومة هي سبب البؤس، لا الاحتلال والحصار، في قلبٍ فجّ للحقائق، وتزويرٍ فاضح لمسار الصراع

هذا النموذج يعيد إلى الأذهان تجارب استعمارية كلاسيكية، حين كانت القوى الكبرى تنصّب إدارات محلية محايدة ظاهريًا، لكنها مقيّدة بالكامل بشروط المموّل والمشرف. فقد عرفت المنطقة العربية أشكالًا مشابهة في الانتداب البريطاني على فلسطين حين أُفرغت المؤسسات المحلية من أي سيادة فعلية، وفي الإدارة المدنية الأمريكية في العراق بعد 2003 التي رُوّج لها كحكم تكنوقراطي بينما كانت تُدار بقرارات الاحتلال الأمريكي، وكذلك في النموذج الفرنسي بالجزائر عبر مجالس محلية تابعة تُستخدم لضبط المجتمع لا لتمكينه. في جميع هذه الحالات، لم يكن التكنوقراط صُنّاع قرار، بل منفذين لسياسات مرسومة سلفًا، وحدود حركتهم مرهونة بمدى التزامهم بأجندة «الأمن أولًا» كما يعرّفها الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، حيث تُختزل السياسة في الإدارة، وتُختزل السيادة في التقارير والتمويل المشروط.

الإعمار المشروط

لا يُطرح الإعمار في الخطة الأمريكية بوصفه حقًا للضحايا، بل كجائزة مشروطة بالسلوك السياسي والأمني. فالدول المانحة، تحت مظلة مجلس السلام، تضع التمويل في كفة، ونزع سلاح المقاومة في الكفة الأخرى، في معادلة ابتزاز واضحة لا تخفى على أحد. الإعمار هنا ليس لإعادة الحياة، بل لإعادة تشكيل المجتمع بما يتلاءم مع متطلبات الاستقرار الصهيوني. هذا المنطق يحوّل الركام إلى ورقة تفاوض، والبيوت المهدمة إلى أداة ضغط. كل مشروع إسكان، كل محطة كهرباء، كل معبر، يصبح مرتبطًا بتقارير أمنية وتقييمات سياسية، لا بحاجات الناس. وهكذا يُدفع المجتمع الغزي إلى خيار قاسٍ: إما القبول بشروط الإخضاع، أو البقاء في دائرة الحرمان.

الأخطر أن هذا الإعمار المشروط يسعى إلى تفكيك الحاضنة الشعبية للمقاومة، عبر ربط تحسين الظروف المعيشية بالتخلي عن خيار الصمود. إنها محاولة لإعادة هندسة الوعي، وإقناع الناس بأن المقاومة هي سبب البؤس، لا الاحتلال والحصار، في قلبٍ فجّ للحقائق، وتزويرٍ فاضح لمسار الصراع، فمما لا شك فيه أن ربط الإعمار بنزع السلاح يعني عمليًا تجريد غزة من آخر عناصر القوة، وتركها مكشوفة أمام الابتزاز والعدوان. والتجربة الفلسطينية، والعربية عمومًا، أثبتت أن الوعود الدولية لا تصمد أمام تبدّل المصالح، وأن الضمانات الأمريكية ليست سوى أوراق بلا قيمة حين تتعارض مع أمن الكيان. ويزداد الأمر سوءًا مع تحول الإدارة من أداة تنظيمية إلى أداة تفكيك سياسي. إذ يجري فصل غزة عن سياقها الوطني الأشمل، وتقديمها كملف إداري أمني مستقل، ما يكرّس الانقسام الجغرافي والسياسي، ويمهّد لتحويل القطاع إلى كيان منزوع الإرادة، محاصر بالاحتياجات، وخاضع لشروط الخارج دائما.

دور اللجنة الإدارية

تُقدَّم اللجنة الإدارية لغزة بوصفها إطارًا تقنيًا مؤقتًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، اللجنة مؤلفة من 15 عضواً، سيرأسها علي شعث، نائب وزير التخطيط السابق في السلطة الفلسطينية المدعومة غربيًا، والتي تُدير أجزاءً من الضفة الغربية المحتلة خارج السيطرة الإسرائيلية، غير أن تفكيك صلاحيات تلك اللجنة وآليات عملها يكشف أنها ليست هيئة إدارة محايدة، بل أداة ضبط سياسي وأمني مغلّفة بلغة مدنية. فهذه اللجنة لا تنبثق عن توافق وطني فلسطيني، ولا تستمد شرعيتها من تمثيل شعبي، وإنما تُنشأ بقرار خارجي، وتعمل تحت إشراف مباشر لما يُسمّى مجلس السلام الذي يرأسه دونالد ترامب ووفقاً للخطة المكونة من 20 بندًا التي كُشف عنها قبل 3 أشهر، وهو ما يجعل تبعيتها واضحة منذ اللحظة الأولى، ويحدّد دورها ضمن منظومة وصاية لا إدارة ذاتية.

 

تنطلق المقاومة الفلسطينية من حقيقة تاريخية ثابتة: كل تجربة جُرِّدت فيها الشعوب من أدوات قوتها، وعودًا بالاستقرار أو التنمية، انتهت إلى تكريس التبعية لا إنهاء الاحتلال

تنحصر وظائف اللجنة المعلنة حتى الآن في مهام محسوبة بدقة، تُدار جميعها من خلال التمويل والرقابة، ويمكن تلخيص جوهر عملها في الآتي:

* إدارة المساعدات الإنسانية وتوزيعها وفق آليات تخضع للتدقيق الأمني.

* الإشراف على مشاريع الإعمار وربطها بشروط الممولين وجدولهم الزمني وأولوياتهم السياسية.

* تنظيم الخدمات المدنية الأساسية من صحة وتعليم وبنية تحتية دون امتلاك قرار استراتيجي بشأنها.

* ضبط الفضاء العام ومنع أي نشاط يُصنَّف على أنه مهدد للاستقرار.

* التعامل مع ملف نزع سلاح المقاومة كشرط ضمني لاستمرار التمويل والإعمار.

بهذا المعنى، لا تقوم اللجنة بدور البناء بقدر ما تؤدي وظيفة الإدارة المقيّدة، حيث تُختزل السياسة في إجراءات، وتُفرَّغ السيادة من مضمونها. فهي ليست معنية بإعادة صياغة مستقبل غزة أو حماية حقها في مقاومة الاحتلال، بل بتأمين انتقال ناعم نحو واقع جديد تُدار فيه الحياة اليومية لسكان القطاع دون المساس بجوهر الهيمنة الإسرائيلية.

تُدرك المقاومة الفلسطينية، في لحظتها الراهنة، أن المواجهة دخلت طورًا أكثر تعقيدًا من سابقاته. فبعد أن فشلت آلة الحرب في كسرها عسكريًا، انتقلت محاولات الإخضاع إلى مساحات السياسة والإدارة والاقتصاد. هذا التحول لم يفاجئ المقاومة، بل جاء منسجمًا مع قراءتها المبكرة لطبيعة المشروع الصهيوني، القائم على استبدال الاحتلال الصريح بأنماط وصاية ناعمة تُفرغ القضية الفلسطينية من جوهرها. ومن هنا، يبدو موقفها الحالي قائمًا على وعي مركّب بأن المعركة لم تنتهِ بوقف إطلاق النار، بل بدأت مرحلة جديدة لا تقل خطورة. ويتجلى هذا الوعي في رفض المقايضة بين الإعمار ونزع السلاح، وفي الإصرار على الفصل بين الاحتياجات الإنسانية المشروعة وبين الشروط السياسية المفروضة.

تنطلق المقاومة الفلسطينية من حقيقة تاريخية ثابتة: كل تجربة جُرِّدت فيها الشعوب من أدوات قوتها، وعودًا بالاستقرار أو التنمية، انتهت إلى تكريس التبعية لا إنهاء الاحتلال. من الجزائر في خمسينيات القرن الماضي، إلى جنوب لبنان قبل عام 2000، أثبتت الوقائع أن نزع القوة قبل زوال الاحتلال لم يكن يومًا مدخلًا للسلام، بل وصفة لإدامة السيطرة بأشكال أقل كلفة للمحتل. لذا فإن المقاومة الفلسطينية لا تتعامل مع السلاح بوصفه غاية بحد ذاته، بل كأداة ردع تمنع فرض الحلول من طرف واحد.

أما على مستوى المستقبل، فتراهن المقاومة على عامل الزمن وعلى الذاكرة الجمعية الفلسطينية. فهي تعلم أن المشاريع المفروضة، مهما بدت محكمة، تحمل في داخلها بذور فشلها حين تصطدم بإرادة شعبية رافضة. التجربة الفلسطينية نفسها، منذ الانتداب البريطاني مرورًا باتفاق أوسلو، تؤكد أن محاولات الالتفاف على الحقوق الوطنية عبر هياكل إدارية أو حلول انتقالية لم تُنهِ الصراع، بل أجّلته وزادته تعقيدًا. ومن هنا، تستند يقظة المقاومة إلى درس: الصمود ليس فقط في الميدان، بل في القدرة على قراءة اللحظة، وعدم تسليم المفاتيح تحت ضغط المعاناة، والحفاظ على جوهر القضية حيًا، مهما تغيّرت الأشكال والواجهات. فالإعمار الذي لا يمر عبر السيادة ليس إعمارًا، والسلام الذي يُبنى على نزع الحقوق ليس سلامًا، بل استراحة تكتيكية في حرب لم تُغلق فصولها بعد، لأن فلسطين، ببساطة، لم تقل كلمتها الأخيرة.

أعلى