• - الموافق2026/02/05م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
نخر من الداخل.. انهيار الهيبة الأمريكية

هل تكشف أزمة أليكس بريتي عن لحظة تحوّل تاريخية في الولايات المتحدة، حيث يتقاطع العنف المؤسسي والانقسام السياسي مع تراجع النفوذ العالمي، بما يعيد تعريف علاقة الدولة بمواطنيها ومكانتها الدولية؟

لم تعد الأزمات التي تضرب الولايات المتحدة مجرد أحداث عابرة أو هزّات يمكن احتواؤها بالتصريحات والبيانات التقليدية، مقتل الشاب أليكس بريتي في ولاية مينيسوتا على يد عناصر من قوات مكافحة الهجرة فجّر موجة غضب غير مسبوقة، لم تقتصر على الشارع وحده، بل كشفت عمق التصدّع السياسي والمؤسسي داخل الدولة الأمريكية

فقد تحوّل الحادث من واقعة أمنية إلى أزمة وطنية، عرّت تسييس العدالة، ورسّخت الإحساس المتزايد بأن العنف المنهجي بات جزءًا من آليات الحكم، لا استثناءً طارئًا.

هذا الغضب تصاعد إلى مطالبات واسعة بإصلاحات ومحاسبات سياسية، وسط أزمة ثقة متفاقمة في مؤسسات الأمن والقضاء، وفي ظل انقسام حاد بين الولايات والحكومة الفيدرالية حول سياسات الهجرة والتعامل مع الاحتجاجات

ومع إدارة دونالد ترامب، تتقاطع العنصرية المؤسسية مع صراعات الشرعية الديمقراطية، لتضع البيت الأبيض في قلب عاصفة تهدد بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها.

وفيما تنشغل واشنطن بإخماد حرائقها الداخلية، يستثمر العالم هذا الانكفاء الأمريكي لإعادة ترتيب التحالفات الاقتصادية والجيوسياسية بعيدًا عنها

هكذا لم يعد تراجع النفوذ الأمريكي فرضية أكاديمية، بل مسارًا يتشكل على الأرض، في لحظة تاريخية تختبر فيها الولايات المتحدة قدرتها على الصمود كنموذج سياسي، ودورها كمركز ثقل في النظام العالمي.

مقتل أليكس بريتي وغضب الشارع الأمريكي:

لم يعد مقتل أليكس بريتي في مينيسوتا مجرد حادث أمني، بل نقطة تحوّل في الشعور الجماهيري الأمريكي تجاه مؤسسات الدولة نفسها

ما بدأ كواقعة قتل على يد عناصر من قوات مكافحة الهجرة والحدود تصاعد سريعًا إلى قضية رأي عام بعد أن حاولت بعض الأصوات الرسمية وصف الضحية بـ«إرهابي محلي» توصيف أثار استنكارًا واسعًا، وأعاد إلى الواجهة سنوات من الغضب المكبوت حول العنصرية المؤسسية في التعامل مع الأقليات والمهاجرين.

في مدن مثل مينيابوليس وسانت بول، خرجت مظاهرات غير مسبوقة تطالب بمحاسبة الضباط المتورطين، وتوجيه لافتات تدعو إلى إصلاحات هيكلية في نظام إنفاذ القانون.

القرار بإشراك القضاء الفيدرالي في القضية يعكس امتداد الأزمة من الشارع إلى المؤسسات، ما يؤكد أن المتظاهرين لم يعد من المقبول لديهم تسييس الأحداث أو تهميشها

وفي سياق إدارة ترامب، حيث تتشابك مطالبات بإقالة وزيرة الداخلية وزخم الاتهامات بالعنصرية، تبدو الولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي. هذه الواقعة ليست منفصلة عن اهتزاز الثقة في النظام السياسي الأمريكي، بل هي انعكاس لشرخ عميق في علاقة المجتمع بمؤسساته، وسط عالم يعيد رسم خرائطه بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.

اتهامات بالعنصرية وتصدّع داخل إدارة ترامب:

استكمالًا للغضب الذي فجّره مقتل أليكس بريتي، انتقلت الأزمة طبيعيًا إلى قلب إدارة ترامب نفسها، حيث لم يعد الغضب موجّهًا فقط إلى عناصر ميدانية، بل إلى الخطاب السياسي الذي وفر الغطاء

الاتهامات بالعنصرية لم تأتِ من الشارع وحده، بل خرجت من داخل الكونغرس، جمهوريين وديمقراطيين على السواء، في مشهد نادر يعكس حجم القلق

 

بهذا المعنى، لم تعد أزمة أليكس بريتي حادثة عنف معزولة، بل مدخلًا لمسار أخطر، تتداخل فيه الهجرة مع السياسة، والأمن مع الانتخابات، في لحظة تُظهر هشاشة غير مسبوقة في النموذج الديمقراطي الأمريكي.

المطالبة بإقالة وزيرة الداخلية كريستي نوم ومستشار ترامب المتشدد ستيفن ميلر لم تكن بسبب الحادثة وحدها، بل بسبب تراكم خطاب يصنّف الضحايا قبل التحقيق، ويحوّل القتل إلى إجراء أمني مشروع.

حين يُوصَف قتيل أعزل بـ«إرهابي محلي» قبل أن يجف دمه، فالمشكلة لم تعد في الرصاصة، بل في العقل الذي بررها. تصريحات مسؤولين سابقين في وزارة العدل ومنظمات حقوقية أمريكية حذّرت بوضوح من أن هذا الخطاب يشرعن العنف ويغذي الانقسام، ويقوّض ثقة الأقليات في الدولة

وهكذا، لم يعد مقتل بريتي حادثًا معزولًا، بل صار دليلًا على تصدّع أعمق داخل السلطة نفسها، حيث تتحول اللغة العنصرية من زلة لسان إلى سياسة غير معلنة، تدفع البلاد خطوة إضافية نحو الاستقطاب والفوضى المؤسسية.

تسييس ملف الهجرة:

في ظل هذا المناخ المشحون بالعنصرية السياسية وتبرير العنف، انتقل الخطر إلى مستوى أعمق وأكثر حساسية: تسييس ملف الهجرة وتهديد صميم العملية الديمقراطية

الاتهامات الموجهة إلى وزيرة العدل الأمريكية بام بوندي لم تأتِ من فراغ، بل جاءت عقب مطالبتها رسميًا بالحصول على قوائم الناخبين في ولاية مينسوتا تحت ذريعة التحقق من وضع الهجرة، وهي خطوة وصفتها منظمات حقوقية كبرى بأنها سابقة خطيرة.

منظمة ACLU حذّرت في بيان علني من أن ربط بيانات التصويت بملفات الهجرة يفتح الباب أمام ترهيب الأقليات ومنعهم من ممارسة حقهم الدستوري في التصويت، فيما أكد مركز برينان للعدالة أن استخدام أجهزة إنفاذ القانون في سياق انتخابي يقوّض مبدأ الفصل بين الأمن والسياسة، وهو أحد أعمدة الديمقراطية الأمريكية.

حين يُوصم القتيل بالإرهاب، ثم يُستهدف الناخب بالاشتباه، تصبح الدولة نفسها طرفًا في تقويض الثقة العامة. أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ، من بينهم السيناتور إيمي كلوبوشار عن مينسوتا، اعتبروا أن طلب وزارة العدل يمثل محاولة لترهيب مجتمعات بعينها سياسيًا، لا إجراءً قانونيًا محايدًا

بهذا المعنى، لم تعد أزمة أليكس بريتي حادثة عنف معزولة، بل مدخلًا لمسار أخطر، تتداخل فيه الهجرة مع السياسة، والأمن مع الانتخابات، في لحظة تُظهر هشاشة غير مسبوقة في النموذج الديمقراطي الأمريكي.

من الشارع إلى القضاء:

مع تصاعد الغضب الشعبي وتسييس الخطاب الرسمي، كان الانتقال إلى المسار القضائي لحظة كاشفة تؤكد أن الأزمة خرجت من يد السلطة التنفيذية ولم تعد قابلة للاحتواء سياسيًا

استدعاء قاضٍ فيدرالي في ولاية مينسوتا للقائم بأعمال دائرة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) للمثول أمام المحكمة لم يكن إجراءً روتينيًا، بل رسالة واضحة بأن القضاء يرى في ما جرى شبهة انتهاك جسيم للقانون والدستور.

بحسب ما نقلته وسائل إعلام أمريكية كبرى، شدد القاضي في حيثيات الاستدعاء على ضرورة توضيح قواعد الاشتباك التي سمحت باستخدام القوة المميتة، وعلى الأساس القانوني لوصف الضحية بـ«الإرهابي المحلي» دون توجيه اتهام رسمي أو محاكمة

هذا التدخل القضائي أعاد إلى الأذهان تحذيرات قضاة سابقين، من بينهم القاضي الفيدرالي المتقاعد جون بول ستيفنز، الذي أكد مرارًا أن غياب الرقابة القضائية على الأجهزة الأمنية هو الطريق الأسرع نحو الدولة البوليسية.

حين تفشل السياسة وينحرف الخطاب، يتقدم القضاء كآخر خط دفاع عن الدولة. منظمات مثل Human Rights Watch وAmnesty International رحبت بالاستدعاء، معتبرة إياه اختبارًا حقيقيًا لاستقلال القضاء الأمريكي

لكن في المقابل، رأت شخصيات محافظة مقربة من إدارة ترامب أن الخطوة تمثل تدخلًا قضائيًا في صلاحيات تنفيذية. هذا الصدام يعكس بوضوح أن أزمة أليكس بريتي لم تعد قضية شارع أو إعلام، بل مواجهة مؤسسية كاملة بين السلطات، تكشف عمق التصدع داخل النظام الأمريكي نفسه.

العزلة الأمريكية وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي:

وفي موازاة هذا الاشتباك الداخلي بين الشارع، والسلطة، والقضاء، كانت الولايات المتحدة تخسر بهدوء أخطر معاركها: معركة الموقع العالمي. فبينما انشغلت واشنطن بإدارة أزمة مقتل أليكس بريتي وتداعياتها السياسية والمؤسسية، تحركت القوى الدولية الأخرى لملء الفراغ

توقيع الاتحاد الأوروبي والهند اتفاقًا تجاريًا ودفاعيًا وُصف بأنه الأكبر من نوعه، لم يكن مجرد صفقة اقتصادية، بل إعلانًا صريحًا عن انتقال مركز الثقل شرقًا، بعيدًا عن المظلة الأمريكية التقليدية

وقبلها بأيام، مضت كندا، الحليف الأقرب تاريخيًا لواشنطن، في إبرام اتفاقيات تجارية موسعة مع الصين، في خطوة قرأها خبراء الاقتصاد على أنها رسالة ثقة في بكين مقابل تردد تجاه واشنطن.

هذا التحول الخارجي تزامن مع مؤشرات مالية لا تقل دلالة: تراجع الدولار أمام سلة العملات، وقفزات قياسية في أسعار الذهب والفضة باعتبارهما ملاذين آمنين، وهو ما ربطته مؤسسات مثل بلومبرغ إيكونوميكس وفايننشال تايمز بحالة عدم اليقين السياسي داخل الولايات المتحدة

هكذا يكتمل المشهد: أزمة داخلية تهز الثقة في العدالة والديمقراطية، تقابلها إعادة رسم للخريطة الاقتصادية العالمية في تحدٍ القيادة الأمريكية. لم يعد السؤال ما إذا كانت واشنطن تتراجع، بل إلى أي مدى سيتسارع هذا التراجع كلما طال الانقسام في الداخل.

أعلى