يكاد الرئيس دونالد ترامب في الأيام والساعات الأخيرة له في البيت الأبيض أن يصبح شديد القرب من الطائر الذبيح الذي يؤدي رقصته الأخيرة محاولًا لفت الأنظار، وهو يعلم في قرارة نفسه أن ساعته قد اقتربت، قبل يمضي إلى رحلة النسيان بعد أن كان ملء السمع والبصر. فالمتابع لتطورات المشهد الأمريكي سيجد نفسه في حيرة من أمره، الجميع يقرّ بفوز الخصم الديمقراطي جو بايدن، إلا أن رأس السلطة لا يعترف بذلك، فهو يصرّ على أن الدولة التي حاول جعلها "عظيمة مجددًا" خلال السنوات الأربعة الماضية، قد فشلت في تنفيذ انتخابات رئاسية نزيهة وبلا تزوير، وفيما يعمّ الارتباك المشهد بأكمله، تبقى السيناريوهات مفتوحة على كافة الاحتمالات، ولا أحد يدري ماذا يمكن لسيد البيت الأبيض المنتهية ولايته أن يفعل في أيامه الأخيرة!

حسنا، لنرى سريعًا كيف بدأت الأمور وصولًا إلى المأزق الراهن، فالبداية كانت من عند رئيس نرجسي، عاشق للسلطة والأضواء، يتحدث بشعبوية مفرطة، يكسر البرتوكولات ويضرب بالمعاهدات عرض الحائط، في ظل هذه الفوضى كان يجد من يؤيده ويصفق له طوال الوقت، دارت عجلة الزمن سريعًا، فانتهت فترته الرئاسية الأولى وحان موعد الانتخابات، استبق ذلك بالتشكيك في التصويت بالبريد بالرغم من كون هذا الأسلوب مستخدم في الولايات المتحدة منذ القرن السابع عشر، حيث كان بإمكان الناس التصويت من منازلهم، بحسب ما ذكره المؤرخ أليكس كيسار، في كتابه "الحق في التصويت: التاريخ المتنازع عليه للديمقراطية في الولايات المتحدة"، وبالرغم من التطور الرهيب الذي شهدته تلك التقنية، إلا ان ترامب ظلل يشكك في دقتها، وإبان الدعاية الانتخابية ظل ترامب يمجد في إنجازاته وأعماله العظيمة على حد وصفه لها، مهاجمًا خصمه جو بايدن ونائبته وعموم الديمقراطيين، وبالطبع لم تسلم وسائل الإعلام من هجومه عليها، إذ دأب في وصفها بوسائل "الإعلام المزيف" طوال الوقت، وعندما تمّ سؤاله عمّا إذا كان سينقل السلطة سلميًا إذا خسر فى الانتخابات، كانت إجابته: "لن يكون هناك انتقال للسلطة، لأننى سأفوز بولاية ثانية".

سرعان ما وجد ترامب نفسه أمام نتيجة غير متوقعة، أو بالأحرى نتيجة مخالفة لما رسمه في خياله، لم تصوت الجماهير الغفيرة لـ"رئيسهم المفضل" بحسب وصفه الدائم لنفسه، خسر الجمهورويون ولايات كانت تصوت تقليديًا لهم، فلجأ ترامب إلى حيلة جديدة، وهى الطعن في نزاهة العملية الانتخابية في الولايات الحاسمة التي رجحت كفة بايدن، وعلى الرغم من عدم ظهور أي دليل على وجود احتيال منهجي في الفرز، إلا أنه لا يزال يطعن في عملية التصويت في العديد من الولايات المتأرجحة الرئيسية، على الرغم من رفض المحاكم لطعونه، في مسار آخر.. لم يسمح لإدارته أن تتخذ خطوات جادة لتمهيد الطريق أمام إدارة بايدن، وعلى عكس العادة التي تجري بعد الانتخابات دائما، حين يدعو المرشح الخاسر للبيت الأبيض المرشح الفائز لإطلاق انتقال سلمي للسلطة، فإن ترامب لم يفعل، وهذا هو الأمر الذي أيده جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق، الذي قال إن ترامب خسر في انتخابات حرة ونزيهة، متوقعًا أن ترامب لن يذهب بهدوء، وأنه سوف يستمر في الحديث عن نظريات المؤامرة السوداء.

دأبت الولايات المتحدة على تقديم نفسها كأول دولة ديمقراطية على مستوى العالم، لكن هذه الديمقراطية الآن على المحك، فالبلد منقسمة، وإن كان هذا الانقسام غير مرشح للوصول إلى نقطة الحرب أو المواجهة، وهو ما يعني أن تكرار تجربة الحرب الأهلية التي جرت بين عامي 1860 و1864 هو أمر مستبعد، لأن ما يجمع الولايات الخمسين التي تتألف منها أمريكا، هو أكثر بكثير مما يفرقها، كما أن المؤسسات الفيدرالية تمتد جذورها في أعماق هذا البلد المترامي الأطراف، وبالرغم من اختلاف برامج الحزبين وتعارض سياساتهما وصراعهما الدائم حول القضايا الداخلية والخارجية، إلا أن الحياة السياسية فيها ستبقى مستقرة، وبنظرة أعمق للأمور يدرك المرء أن المؤسسات في أمريكا، وبغض النظر عن مزاعم ترامب وبعض أنصاره الجمهوريين، تكاد تجمع على أن عهد ترامب قد انتهى، وأضحى جو بايدن هو الرئيس الجديد للبلاد حيث سيتم تنصيبه رسميًا في 20 يناير المقبل.

ولا يمكن التعويل على جمهور الناخبين العريض الذي صوّت لترامب، بالرغم من أنه يبلغ أكثر من 73 مليونًا، فقسم كبير منهم لن يكون مهمومًا بمزاعم ترامب، قلة فقط منهم يمكن الزج بها في لجج معركة الاحتجاجات والتظاهرات، وهى معركة إن اشتعلت فإنها ستحرق المجتمع الأمريكي المنقسم على ذاته الآن بالأساس، فالناخب الأمريكي جل اهتمامه هو الحصول على فرصة عمل وتأمين دفع فواتيره وحصوله على تأمين صحي واجتماعي يحميه من أنياب المجتمع الرأسمالي المتوحش، فقد أسهم الرفاه الاجتماعي العام في صرف معظم الأمريكيين عن السياسة، لكن في نفس الوقت يخطئ من يعتقد أن انتقال السلطة سيتم بسلاسة، فالارتباك الحادث الآن ما هى إلا كرة اللهب التي تتدحرج إلى أن ترتطم بقاع الجبل، ولكن ماذا إذا رفض ترامب الخروج من البيت الابيض؟.. وفقًا للتعديل الـ20 للدستور الأمريكي، يفقد الرئيس ولايته في يوم 20 يناير ظهرًا، وإذا حاول البقاء بعد ذلك في المنصب، فإن حراس الخدمة السرية أنفسهم الذين كانوا مكلفين بحماية صاحب المنصب الأعلى في البلاد، عليهم أن يقوموا بطرده!

بأي حال فإن ما يحدث الآن هو أمر غير مسبوق في التاريخ السياسي الأمريكي، وثمة أسئلة كثيرة عن خطط ترامب المقبلة، هل سينقلب على المسار الديمقراطي؟، هل سيسعى إلى البقاء في الواجهة عبر إطلاق قناة تلفزيونية تنافس "فوكس نيوز" مثلما قال سابقًا؟، هل سيترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة في 2024؟، ما هو مؤكد هو أن الرئيس المحبط بسبب خسارة منصبه، يتراقص كطائر ذبيح، محدثًا فوضى وارتباكًا كبيرين من أجل إبقاء الأضواء مسلطة عليه مهما كان الثمن، لا شك أنه سيُجبَر على الانسحاب في النهاية، ولكنه يريد إظهار سلوك يتعارض مع تواضع المهزوم، ولياقة شخص انتهت ولايته، وهو الذي كان دائما ما يقول إنه يكره الخاسرين، وبحسب بعض المحللين فإن ترامب سينتهج سياسة الأرض المحروقة، وقد تشهد الأيام المقبلة قرارات وإجراءات تنفيذية تصعب من مهمة ساكن البيت الأبيض الجديد، حيث سيجد نفسه قد ورث دولة منهكة بسبب بحث رئيسها الحالي عن العظمة مهما كلّف الأمر!