يحيى السنوار.. عقل حماس المدبر الذي تلاعب بإسرائيل

يحيى السنوار الاسم الأكثر رعبا في إسرائيل، مهندس عملية الخداع الكبرى التي سبقت عملية طوفان الأقصى، المفاوض العنيد الذي يدرك العدو صلابته، والمخطط البارع الذي أصاب الجميع بالدهشة، أضواء على حياة قائد حماس في غزة.


بعد 22 عامًا أمضاها في السجون الإسرائيلية؛ لم يكن أحدًا يتصور أن هذا القيادي القسامي الذي تعتبره إسرائيل من بين أخطر عناصر المقاومة الفلسطينية يمكن أن يرى الحرية مجددًا، كانت مشاهدته بالفعل في الحافلات التي تُقلّ الأسرى المحررين من سجون الاحتلال إلى قطاع غزة في عام 2011م حدثًا استثنائيًا بامتياز، كان من اللافت أنه ظلَّ يشكّلَ صداعًا شديدًا للسلطات الأمنية الإسرائيلية بمختلف أجهزتها، سواء كان أسيرًا أو محررًا، وفيما دأبت وسائل الإعلام الإسرائيلية على انتقاد خروجه من السجن ضمن صفقة تبادل، ظلّ الاحتلال يصنّفه ضمن أبرز الأسماء على قوائمه للاغتيالات، إنه يحيى السنوار، قائد حركة حماس في قطاع غزة.

بين النشأة والاعتقال

 

جرى انتخابه رئيسًا للهيئة القيادية العليا لأسرى حماس في سجون الاحتلال لدورتين متتاليتين، وهو ما مكّنه من قيادة كثيرٍ من المفاوضات المباشرة مع إدارة السجون الإسرائيلية، كما التقى مع مسؤولين إسرائيليين بارزين من بينهم رئيس جهاز الشاباك السابق يوفال ديسكين

وُلِدَ يحيى إبراهيم حسن السنوار في عام 1962م في مخيم خان يونس للاجئين بجنوب قطاع غزة، حيث تعود جذوره إلى مجدل عسقلان، كان معروفًا منذ صغره بالانضباط الشديد ونزعته الدينية، وقال والده ـ متأثرًا بتجاربه التي عاشها كنازح نشأ تحت الاحتلال العسكري لقطاع غزة الذي حدث في عام 1967م ـ إن "حياة يحيى كانت مليئة بالعذاب بسبب العدوان الصهيوني، فمنذ طفولته كان مصممًا على مقاومة الاحتلال"، أنهى دراسته الثانوية في مدرسة خان يونس للبنين، قبل أن يلتحق بالجامعة الإسلامية في غزة مطلع الثمانينات، شهدت فترة دراسته الجامعية نشاطه الملحوظ في العمل الطلابي، وقد ساعد في ريادة الكتلة الإسلامية عبر توليه بعض لجان مجلس الطلاب ثم نائبًا لرئيسه، ثم رئيسًا للمجلس، في عام 1982م سافر مع أعضاء آخرين في مجلس الطلاب لزيارة النساء الفلسطينيات في جنين اللاتي كنَّ ضحايا لمحاولة تسميم قام بها إسرائيليون، وردًا على هذه الزيارة تم اعتقاله ووضعه رهن الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة لمدة 6 أشهر بدعوى مشاركته في أنشطة تخريبية، وخلال تلك الفترة أصبح صديقًا لنشطاء آخرين، مثل صالح شحادة الذي قاد الجناح العسكري لحركة حماس حتى استشهاده في عام 2002م، كما أصبحت علاقته بالشيخ أحمد ياسين - الذي أسّسَ حماس، واغتالته إسرائيل لاحقًا - قوية بصورة كبيرة، ويُقَال إنهما اتفقا على تأسيس جهاز مجد الأمني الذي تخصّص في ملاحقة العملاء المتعاونين مع إسرائيل، وكان السنوار يشرف شخصيًا على ملفات هذا الجهاز، وقد اتهمته إسرائيل بقتل 4 عملاء على الأقل وحكمت عليه في عام 1988م بالسجن المؤيد 4 مرات.

بعد خروج السنوار من المعتقل في عام 1982م تم اعتقاله مجددًا بعد أسابيع قليلة وحُكِمَ عليه مرة ثانية بالسجن 6 أشهر إداريًا في سجن الفارعة، وفي عام 1988م تم اعتقاله مجددًا وحُكِمَ عليه بالمؤبد، تنقل أثناء هذه السنوات عشرات المرات بين السجون الإسرائيلية، وقضى غالبية فترة اعتقاله في الحبس الانفرادي، وجرى انتخابه رئيسًا للهيئة القيادية العليا لأسرى حماس في سجون الاحتلال لدورتين متتاليتين، وهو ما مكّنه من قيادة كثيرٍ من المفاوضات المباشرة مع إدارة السجون الإسرائيلية، كما التقى مع مسؤولين إسرائيليين بارزين من بينهم رئيس جهاز الشاباك السابق يوفال ديسكين، كما قاد إضرابات عديدة عن الطعام في سجون الاحتلال، وهو ما دفع إسرائيل إلى وضعه تحت رقابة مشددة لا سيّما وأن هناك تقارير كانت تشير إلى أنه يخطط سياسة حماس داخل السجون وله رأي مسموع في

 

 في عام 2011م وضعت حماس اسم يحيى السنوار على رأس قائمتها للأسرى التي تريد تحريرهم مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط بعد احتجازه في غزة لمدة 5 سنوات،

 الخارج، وهو ما شكّل أيضًا مصدر قلق كبير للسلطات الإسرائيلية، وفي عام 2005م أصيب السنوار بورم في المخ فمكث في مستشفى سوروكا بمدينة بئر السبع لفترة من الوقت، حيث أُجرِيَت له جراحة أنقذت حياته، وفي تلك الأثناء حاولت بيتي لاهات، رئيسة استخبارات نظام السجون آنذاك، استغلال هذا الحدث لتجنيد السنوار كعميل، وقد ذكرت في فيلم وثائقي تلفزيوني لاحقًا إنها قالت له: "دولة إسرائيل أنقذت حياتك، اعتقدت أنه يمكنني تحويله إلى واحد من عملائنا، لكنه لم يكن مهتمًا، ظل يتحدث عن اليوم الذي سيطلق فيه سراحه، قلت له إنك لن تخرج أبدًا، قال إن هناك موعدًا لذلك، الله يعلمه".

قائد الحركة في غزة

قبل 11 عامًا، عندما كان السنوار معتقلًا في السجون الإسرائيلية، قال لمراسل القناة الإسرائيلية الثانية: "لن نعترف بإسرائيل، ولكننا مستعدون لقبول هدنة طويلة الأمد تحقق هدوءً وازدهارًا في المنطقة، خلال الجيل الحالي على الأقل، وربما في الجيل القادم، ومع ذلك سنقلق أمن الإسرائيليين أثناء المحادثات حول الهدنة، مثلما فعلنا في فترات المقاومة والحرب". في عام 2011م وضعت حماس اسم يحيى السنوار على رأس قائمتها للأسرى التي تريد تحريرهم مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط بعد احتجازه في غزة لمدة 5 سنوات، قالت تقارير آنذاك إن السنوار عارض الصفقة حتى مع وجود اسمه بين المحررين، إذ كان يريد الإفراج عن كل معتقلي كتائب القسام من داخل السجون، وقد حظي السنوار بتغطية استثنائية سبقت الإفراج عنه ووصوله إلى القطاع، وحظي كذلك بعناق طويل من كل قادة ومسؤولي حماس على بوابات غزة التي عانق ترابها طويلًا، ثم توارى فورًا عن الأنظار، لسنوات طويلة لم يظهر السنوار إلا نادرًا، لم يتحدث إلى وسائل الإعلام إلا في حالات معدودة، واكتفى بما يبثه الآخرون عنه، وحتى بعدما أصبح على رأس حركة حماس في غزة، حافظ على نمط حياة محدد يقوم على عدم الظهور بكثرة والابتعاد طوال الوقت عن وسائل الإعلام، إنه باختصار نمط رجل أمن وليس رجل سياسة.

بعد تحرير السنوار من سجون الاحتلال أصبح فورًا لاعبًا مهمًا ومؤثرًا في المقاومة الفلسطينية، يعزو ذلك إلى عضويته في قيادة حماس بغزة، ولأنه بات ممن يشاركون في اتخاذ القرار في ملفات كثيرة سياسية وأمنية، ناهيك عن سيرته المعروفة في مقاومة الاحتلال، وفي عام 2015م أصبح مسؤولًا عن الملف الأكثر حساسية لدى حماس والإسرائيليين، وهو ملف الأسرى الإسرائيليين، وبالتالي فقد بات مسؤولًا عن أي مفاوضات تُجرَى مع إسرائيل بهذا الشأن، وفي عام 2017م لعب السنوار دورًا رئيسيًا في محاولة إصلاح العلاقات بين السلطة الفلسطينية، بقيادة حركة فتح، وحماس، ولكن دون جدوى، كما تزعم السنوار حركة حماس في قطاع غزة بصفته أول عسكري على رأس الجسم السياسي، بعد أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل هنية، وكلهم سياسيون، بعض التحليلات أشارت إلى أن هذا كان دليلًا على زيادة أسهم قادة كتائب القسام مقارنةً بالقادة السياسيين في الحركة، لكن في الواقع فإن طريق السنوار نحو قمة الحركة في قطاع غزة لم يكن غامضَا كما جرت العادة في التنظيمات السياسية أو العسكرية، فبعد أن تحرر السنوار من السجون الإسرائيلية بقليل نجح في أن يصبح عضوا في المكتب السياسي لحماس في غزة، وكان ممثلا لكتائب القسام في القيادة السياسية للحركة، كان معروفًا بين الغزيين بأنه وزير دفاع حماس وأنه المقاوم الذي لا يكترث كثيرا بالمستوى السياسي أو المناصب القيادية، ووفقًا للحركة فإن "اختياره كقائد لحركة حماس في غزة عبر عملية انتخابية شفافة وهادئة، وبإرادة ووعي من عشرات الآلاف من كوادر الحركة".

كيف يراه العدو؟

خلال فترة تواجده في سجون الاحتلال، تعلم السنوار اللغة العبرية وصار يتكلمها بطلاقة، وكان يقرأ الصحف بانتظام إلى جانب السير الذاتية للشخصيات الإسرائيلية الرئيسية مما مكّنه من فهم المجتمع الإسرائيلي؛ لكن كيف كان الإسرائيليون وحلفاؤهم يرونه؟

إسـرائيـل:

يقول الإسرائيليون عن يحيي السنوار إنه زعيم مغناطيسي بارد الأعصاب، رجل نحيل تحول معظم شعره ولحيته القصيرة إلى اللون الأبيض، ويركّز الإعلام الصهيوني طويلًا على رسم صورة مخيفة لقائد حماس الغزي، مع مواصلة بثّ التخوّفات وترويج الهواجس حوله، وتناول كل تفصيلة ممكنة عنه، وسبق وأن قال وزير الطاقة الصهيوني يوفال شتاينتس إنه "كلما تعزّزت مكانة السنوار في حماس، كلما ازداد الخطر الذي يشكله على إسرائيل"، فيما قال رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست آفي ديختر: "خسارة أننا لم نقتل يحيى السنوار من قبل"، بيْدَ أن الإحراج الشديد الذي تسبب فيه السنوار للقادة الصهاينة الحاليين دفع وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت قبل أيام إلى القول: "سوف نصل إلى يحيى السنوار، وسوف نقوم باغتياله، أقول لسكان غزة: إذا وصلتم إليه قبلنا، فإن ذلك سيختصر الحرب".

عقل حماس المدبر

على مدار السنوات القليلة الماضية، كان الإسرائيليون والسنوار يراقبون ويحللون بعضهم البعض منذ عقود، وقد تمكّن الأخير من خداع الإسرائيليين من خلال جعلهم يعتقدون أن حماس قد تخلّت عن العمل العسكري وأنها باتت تركز على حكم القطاع المحاصر، قبل 5 سنوات كتب السنوار على عجل ملاحظة بالعبرية على وثيقة سيسلّمها الوسطاء المصريين إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.، بأنه يريد "وقفًا طويلًا لإطلاق النار"، وقبل وقت ليس ببعيد من ذلك، كان زعيم حماس قد قال شيئًا مشابهًا لصحفي إيطالي: "لم أعد أريد الحرب بعد الآن، نحن نريد وقفًا لإطلاق النار"، لافتًا على أن طموحه للقطاع الساحلي الفلسطيني الفقير هو أن يكون مثل سنغافورة أو دبي.، وفي ظل هذه الكلمات وما يشابهها من تصريحات لقيادات حماس، كان الشعور السائد في إسرائيل هو أن حماس قد تم ردعها وأن التحديات الحقيقية تكمن في أماكن أبعد من غزة، وهذا ما جعل قادة الكيان الصهيوني يقلصون بشكل كبير من دور جيشهم في مراقبة للسياج الحدودي مع غزة، وأصبحوا يعتمدون على أجهزة الاستشعار والطائرات بدون طيار، وأمروا بنقل جزء كبير من القوات إلى خارج المنطقة لحراسة المستوطنات في الضفة الغربية، فيما انبرت أجهزة الاستخبارات في التركيز على إيران وسوريا، وبات العمل على القضايا الفلسطينية بلا أهمية وجودية بالنسبة لهم.

في أعقاب عملية طوفان الأقصى التي شنّتها حركة حماس في السابع من أكتوبر على إسرائيل، أعادت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية النظر مجددًا إلى كلمات السنوار، وكيف أنه تمكّن من خلق الوهم وخداع إسرائيل بأن حماس كانت تحد من تبنيها للعمل العسكري من أجل التركيز على شؤون الحكم، لقد نجح السنوار في قراءة الوعي الإسرائيلي جيدًا وأراد أن تصدق إسرائيل أن حماس كانت تركز على الاستقرار في غزة والحياة الاقتصادية لسكان القطاع وتقوم بتعزيز الشؤون المدنية، لقد كان السنوار بارعًا في زراعة هذه الفكرة الخاطئة في أذهان الإسرائيليين، لدرجة أنه عمل من خلال وسطاء لإقناع إسرائيل بإصدار تصاريح عمل إسرائيلية لحوالي 18 ألفًا من سكان غزة مما سمح لهم بالعمل كعمال يومية داخل إسرائيل، وقال مسؤولون أمنيون صهاينة إن بعض هؤلاء العمال رسموا خرائط للمجتمعات الإسرائيلية ووضعوا خرائط لمستوطنات غلاف غزة لتوجيه عناصر حماس أثناء عملية طوفان الأقصى، ورغم أن حماس لم تكشف بعد عن تفاصيل التخطيط لعمليتها إلا أن التقارير الصهيونية تشير إلى السنوار باعتباره العقل المدبر للهجوم والمخطط الرئيسي للحرب النفسية التي تمارسها حماس حيال الإسرائيليين وحكومتهم، لذا فإن إسرائيل تضع السنوار كهدف رئيسي أعلى للاغتيال في حربها الحالية على قطاع غزة.

 

أعلى