• - الموافق2025/08/31م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
نتنياهو وإسرائيل الكبرى.. من احتلال غزة إلى خطط التوسع

التوسع الإسرائيلي ليست طارئة، بل هي امتداد مباشر للمشروع الصهيوني الذي نشأ في أواخر القرن التاسع عشر تحت غطاء العودة إلى أرض الميعاد، وهي مقولة وظّفت الدين والتاريخ لتبرير مشروع استيطاني استعماري في فلسطين.


في أسابيع قليلة تحوّل الخطاب الإسرائيلي من لغة الإجراءات الأمنية المحدودة إلى عباراتٍ تحمل مصطلحاتٍ تكاد تُعيد تشكيل خريطة النزاع؛ رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو تحدث علنًا عن خطة تهدف إلى احتلال كلّ غزة، وهو ما يمهّد لوجود عسكري أوسع نطاقًا في القطاع، وبالتزامن مع ذلك أطلق نتنياهو تصريحاتٍ أخرى تؤكّد انحيازه لرؤية إسرائيل الكبرى، وهو تعبير يحمل طابعًا تاريخيًا ودينيًا لدى تيارات الصهيونية الدينية ويفتح الباب أمام آفاق توسعية.

هذا التزامن بين نبرة داعية إلى الامتداد وتصعيدٍ عسكري يضع المنطقة عند مفترق حادّ: هل نحن أمام خطة عابرة مخصصة لضرب بنية فصائل المقاومة وإخراج الرهائن، أم أمام مشروع منهجي لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية الفلسطينية وإحكام السيطرة الإسرائيلية على مساحات استراتيجية؟ وما إذا كانت تصريحات نتنياهو تعكس خيارًا مرحليًا أم تحوّلاً استراتيجياً في سياسات الاحتلال؟

تأتي هذه الأسئلة في ظلّ في ظل تباين داخلي بين قيادة عسكرية تحذّر من كلفة الاحتلال وقوى سياسية تدفع للتوسّع، وتباين دولي بين دعم وصمت وإدانة رمزية، مع خطر تصعيد إنساني وسياسي في السنوات المقبلة.

جذور الفكرة

فكرة التوسع الإسرائيلي ليست طارئة، بل هي امتداد مباشر للمشروع الصهيوني الذي نشأ في أواخر القرن التاسع عشر تحت غطاء العودة إلى أرض الميعاد، وهي مقولة وظّفت الدين والتاريخ لتبرير مشروع استيطاني استعماري في فلسطين. فمنذ المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897م، ارتبطت الأهداف المعلنة بإقامة دولة يهودية على أكبر مساحة ممكنة من فلسطين التاريخية، مع إزاحة السكان الأصليين أو إخضاعهم. وبعد قيام دولة الاحتلال عام 1948م عبر التهجير القسري والمجازر، واصل قادة إسرائيل استخدام الحروب كأداة للتوسع. جاءت حرب 1967م لتضيف الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء إلى مناطق السيطرة الإسرائيلية، ما أوجد واقعًا جديدًا سمح ببدء مشروع استيطاني منظّم في الأراضي المحتلة، هذا المشروع لم يكن مجرد مبادرات فردية، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع ديموغرافية وجغرافية تُضعف أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية.

 

إن تحركات نتنياهو وحكومته تكشف عن لعبة مزدوجة: السعي لتثبيت خطاب القوة في الداخل، مع محاولة استغلال الظرف الميداني لفرض وقائع جديدة في غزة والضفة والقدس.

في العقود الأخيرة، وخاصة منذ مطلع الألفية الثالثة، تزاوجت هذه الرؤية التوسعية مع صعود أحزاب يمينية ودينية أكثر تطرفًا داخل الائتلافات الحكومية، ما أتاح شرعنة وتوسيع المستوطنات التي كانت في السابق مخالفة حتى للقوانين الإسرائيلية. مشاريع ـ مثل: احتلال قطاع غزة ومخطط "E1" الذي يهدف إلى ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس المحتلة ـ ليست مجرد توسعات عمرانية، بل خطوات استراتيجية لقطع أوصال الضفة الغربية وعزل القدس عن محيطها الفلسطيني ومحو قطاع غزة. هذه السياسة تندرج ضمن نهج السيطرة الكاملة على الأرض، وتكشف بوضوح أن التوسع الاستيطاني ليس رد فعل أمني، بل أداة رئيسية لمشروع سياسي أيديولوجي يسعى لتكريس الهيمنة الإسرائيلية على حساب الحقوق الفلسطينية.

دوافع نتنياهو

يصعب عزل سياسات نتنياهو الخارجية عن أزماته الداخلية، فالحرب الجارية في غزة وفّرت له ساحة يبرّر عبرها قرارات عسكرية مثيرة للجدل، تصريحات نتنياهو الأخيرة حول خطة احتلال غزة ورؤيته لـ "إسرائيل الكبرى" تأتي في سياق تداخل اعتبارات شخصية وسياسية وأيديولوجية، ويمكن تلخيص أبرز دوافعه فيما يلي:

* ضغوط شركاء الائتلاف: أحزاب اليمين القومي الديني تضع السيطرة الكاملة على غزة والتوسع في الضفة كأولوية قصوى، ما يدفع نتنياهو لمجاراة هذه المطالب حفاظاً على تماسك حكومته.

* الأزمات القضائية والشخصية: ملاحقته في قضايا فساد ورشوة واحتيال تجعله في حاجة إلى إطالة عمر حكومته واستخدام الملفات الأمنية لصرف الأنظار وتعبئة الشارع خلفه.

* التقرب من اليمين الديني المتشدد: تعزيز تحالفه مع التيارات الحريدية والمستوطنين المتدينين، الذين يرون في السيطرة على كل فلسطين التاريخية واجبًا دينيًا غير قابل للتنازل.

* البقاء السياسي عبر خطاب القوة: استغلال الحرب لإظهار نفسه كزعيم حازم في مواجهة التهديدات ولتعزيز موقعه داخل الحزب واليمين الإسرائيلي، لا سيما في ظل فشله في تحقيق نصر عسكري حاسم، وهو ما أضعف صورته وأثار تساؤلات داخلية حول جدوى استراتيجيته.

* فرض وقائع ميدانية دائمة: استغلال العمليات العسكرية في غزة لاحتلال مناطق رئيسية أو إعادة رسم حدود السيطرة بما يمنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وذلك بعد أن فشلت خطط نتنياهو في تحقيق أهداف حاسمة، بما في ذلك الصعوبة المستمرة في استعادة الرهائن.

* استثمار الظرف الدولي: توظيف الدعم الأمريكي والغربي، أو التراخي العملي لبعض القوى الدولية، لتنفيذ خطوات توسعية كان من الصعب تمريرها في فترات أخرى، مع الاستفادة من الانقسام العربي وتفاوت أولويات الدول الإقليمية، ما يقلل من فاعلية الموقف العربي الجماعي ويحد من الضغط على الحكومة الإسرائيلية.

* إضعاف المنافسين السياسيين: استخدام الحرب وخطاب «الأمن القومي» لإحراج المعارضة، ووصم أي دعوات للتسوية بالضعف أو التنازل، ما يقطع الطريق أمام بروز بديل سياسي قادر على طرح مسار تفاوضي، ويعزز احتكار اليمين المتطرف لملف الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

رهانات الفشل والانزلاق

إن تحركات نتنياهو وحكومته تكشف عن لعبة مزدوجة: السعي لتثبيت خطاب القوة في الداخل، مع محاولة استغلال الظرف الميداني لفرض وقائع جديدة في غزة والضفة والقدس. لكن هذه الرهانات تصطدم بذاكرة تاريخية قاسية وكلفة ميدانية باهظة. ففي غزة؛ لا يمكن فصل الحديث عن أي خطة احتلال شامل عن التجربة السابقة بين عامي 1967م و2005م، حين خضع القطاع لاحتلال عسكري مباشر دام نحو 38 عامًا، انتهى بانسحاب إسرائيلي أحادي الجانب نتيجة الكلفة الأمنية والسياسية والاقتصادية الهائلة.

 

المواقف الأوروبية ـ وإن شملت تحذيرات من ضم أراضٍ فلسطينية أو تهويد القدس ـ لم تتجاوز سقف البيانات، باستثناء خطوات فردية كتعليق بعض برامج التعاون أو المساعدات في حالات نادرة

خلال تلك الحقبة، شكّلت المقاومة الفلسطينية وتكاليف إدارة الحياة اليومية للسكان عبئاً متزايدًا على الجيش الإسرائيلي، وصولًا إلى قناعة لدى المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بأن السيطرة المباشرة ليست مستدامة، واليوم تحذّر أصوات من داخل المؤسسة الأمنية ذاتها من أن إعادة احتلال غزة بالكامل لن تعني تحقيق الأمن، بل ستؤدي إلى استنزاف طويل الأمد، وزيادة الخسائر البشرية، واندلاع مقاومة جديدة، ناهيك عن الانعكاسات الاقتصادية التي قد تتجاوز مليارات الدولارات سنويًا.

أما في الضفة الغربية والقدس، فإن المضي قدمًا في مشاريع استيطانية كبرى، يحمل بدوره رهانات عالية المخاطر. هذه المشاريع قد تحقق مكاسب أيديولوجية لليمين الديني المتطرف، لكنها قد تفتح الباب أمام عزلة دولية متزايدة، وإمكانية فرض عقوبات اقتصادية أو تجميد اتفاقيات مع بعض الشركاء الغربيين. إضافة إلى ذلك، تشير تقديرات أمنية إسرائيلية إلى أن الضغط الديموغرافي والسياسي الناتج عن ضمّ أو خنق مناطق فلسطينية قد يشعل موجة انتفاضة جديدة أو يسرّع توحيد الجبهات الفلسطينية في الضفة وغزة على قاعدة مقاومة شاملة، وهو ما قد يدفع إسرائيل إلى مواجهة متعددة الجبهات، ويقوّض قدرة الدولة العبرية على إدارة الصراع ضمن حدود التحكم المنخفض الذي اعتمدته لعقود.

بين الداخل والخارج

التحركات الإسرائيلية الأخيرة، من التصعيد العسكري في حرب غزة إلى تسريع مشاريع الاستيطان في الضفة، تكشف عن تفاعل معقّد بين ضغوط داخلية وحسابات خارجية. فعلى الصعيد الدولي، ورغم صدور إدانات متكررة من الاتحاد الأوروبي ودول عربية ومنظمات الأمم المتحدة، فإن تأثير هذه المواقف ظل محدوداً. المواقف الأوروبية ـ وإن شملت تحذيرات من ضم أراضٍ فلسطينية أو تهويد القدس ـ لم تتجاوز سقف البيانات، باستثناء خطوات فردية كتعليق بعض برامج التعاون أو المساعدات في حالات نادرة. أما واشنطن، فهي توازن بين التزامها التقليدي بأمن إسرائيل وضغوط أطراف داخلية مثل الكونغرس واللوبي المؤيد لإسرائيل، ما ينتج سياسة متذبذبة: انتقادات لفظية لبعض الممارسات، مقابل استمرار الدعم العسكري والغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن. هذا التباين بين الخطاب والفعل منح تل أبيب هامش حركة واسعًا لمواصلة سياستها الميدانية.

داخليًا؛ يلعب التيار القومي الديني، الذي رسّخ نفوذه في السياسة الإسرائيلية منذ سبعينيات القرن الماضي وتوسع بعد انتفاضة 2000، دورًا محوريًا في توجيه أجندة الحكومة. أحزاب مثل الصهيونية الدينية وعوتسما يهوديت ترى في الضفة الغربية وقطاع غزة أرضًا محررة يجب إخضاعها بالكامل، وفي المقابل يعبّر قادة في المؤسسة الأمنية عن قلق متزايد من أن هذه السياسات قد تدفع إسرائيل إلى مواجهة لا يمكن السيطرة عليها. فقد حذّر رئيس الأركان الحالي، إيال زامير، في اجتماعات مغلقة من أن احتلال غزة بالكامل سيعني استنزافًا طويلًا، وهو ما يخالف الرؤية السياسية لنتنياهو التي تروّج لاحتلال موسع كخيار ردع. كما عبّر قادة أركان سابقون، مثل غادي آيزنكوت وموشيه يعلون، عن مخاوف من أن ضمّ أو خنق مناطق واسعة في الضفة سيفجّر انتفاضة شاملة ويهدد التماسك الداخلي الإسرائيلي، محذرين من أن الجمع بين جبهتي الضفة وغزة قد يشكل عبئاً أمنيًا واستراتيجيًا يتجاوز قدرة الجيش الصهيوني ويقوّض مستقبل المشروع الصهيوني نفسه.

سيناريوهات محتملة

مع تراكم المؤشرات على أن الحرب في غزة ليست مجرد رد أمني محدود، بل جزء من مسار أوسع يتقاطع فيه المشروع الاستيطاني مع حسابات بقاء نتنياهو السياسية، يصبح استشراف المسارات القادمة ضرورة لفهم اتجاهات الصراع، التحولات الجارية والسيناريوهات المحتملة تجعل المنطقة أمام خيارات متباينة في المدى القريب والمتوسط، والتي يمكن حصرها في التالي:

1ـ السيناريو الأقصى ـ فرض واقع جديد:

استمرار العمليات العسكرية في غزة بالتوازي مع توسيع المستوطنات في الضفة، قد يؤدي إلى تقطيع الجغرافيا الفلسطينية وعزل القدس الشرقية عن محيطها، هذا الواقع سيقوّض عمليًا حل الدولتين ويحوّل السلطة الفلسطينية إلى كيان معزول جغرافيًا، مع احتمالية زيادة العزلة الدولية لإسرائيل، لكنها ستظل في الغالب عزلة سياسية رمزية ما لم تقترن بإجراءات اقتصادية أو قانونية مؤثرة.

2ـ السيناريو المتوسط ـ تجميد مشروط وتصعيد متقطع:

تحت ضغط المواقف الدولية أو اعتبارات الأمن، قد توافق الحكومة الإسرائيلية على تجميد مؤقت لبعض المشاريع أو تأجيل تنفيذها، مع الاحتفاظ بالبنية القانونية والسياسية التي تسمح بإعادة تفعيلها لاحقا. في هذا السيناريو، يبقى الوضع هشّاً وقابلاً للانفجار عند أول فرصة أو تغير في ميزان القوى داخل الائتلاف الحاكم.

3ـ السيناريو التصعيدي ـ مواجهة إقليمية شاملة:

الانتقال من حرب محدودة في غزة إلى احتلال كامل أو شبه كامل للقطاع قد يدفع أطرافًا أخرى للتدخل المباشر أو غير المباشر، وهو ما يرفع مستوى الاحتجاجات العالمية والمقاطعات المحتملة. هذا المسار سيحمل كلفة استراتيجية على إسرائيل، تشمل اهتزاز الوضع الداخلي وتفاقم الخلافات مع بعض الحلفاء الغربيين.

ختامًا: تبدو المنطقة مقبلة على اختبار تاريخي تتقاطع فيه طموحات إسرائيل الكبرى مع هشاشة النظامين الدولي والعربي، فالتصعيد في غزة، إذا تحول إلى احتلال طويل الأمد، قد يفتح بابًا لصراع استنزافي يتجاوز حدود القطاع، فيما يهدد التوسع في الضفة والقدس بإشعال جبهات سياسية وأمنية متعددة. في المقابل، غياب ردع منظم وفعال يمنح تل أبيب فرصة لفرض خرائط جديدة ببطء وثبات، وسط انقسام المواقف الدولية وتراجع القدرة العربية على التأثير. يبقى السؤال: هل تُترك خرائط المنطقة لتتشكل تحت وطأة القوة العسكرية وحدها؟ أم يظهر ميزان جديد يوقف هذا المسار قبل أن يتحول إلى أمر واقع دائم؟

أعلى