• - الموافق2026/03/19م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الموقف السوري من الحرب ضد إيران

هل تدخل سوريا حرباً جديدة أم تناور بذكاء؟ بين ضغوط أمريكا وإسرائيل وتعقيدات الداخل، يقف النظام أمام خيارات مصيرية قد تعيد رسم خريطة المنطقة. قراءة عميقة تكشف ما وراء الغموض، وتجيب: هل لبنان هو ساحة الصفقة القادمة؟ وما الثمن المحتمل؟


لايزال الموقف السوري من الضربات المتبادلة بين تحالف أمريكا والكيان الصهيوني وبين إيران وذراعها في لبنان يتسم بالغموض ويثير كثير من الحيرة.

فالبيانات الرسمية الصادرة عن حكومة دمشق بزعامة أحمد الشرع تبدو عادية وتتسم بالدبلوماسية، حيث تدور حول إدانة الهجمات الإيرانية التي استهدفت دولاً في المنطقة، وتأكيد على تضامن سوريا الكامل مع الدول العربية الشقيقة في مواجهة أي اعتداء يمس سيادتها، واصفة الهجمات الإيرانية بأنها انتهاك صارخ للسيادة وتهديد للأمن والاستقرار الإقليمي.

وبالنسبة للضربات الأمريكية الصهيونية الموجهة لإيران، فقد تراوحت البيانات الرسمية من الدعوة إلى الوقف الفوري للأعمال التصعيدية وتغليب لغة الحوار لتجنب اتساع دائرة الحرب، إلى التزام الحكومة السورية بقانون الحياد المنصوص عليه في اتفاقيات لاهاي، وذلك لحماية الأراضي السورية من أن تصبح ساحة صراع مفتوحة بين الكيان الصهيوني وإيران.

 لكن ما يثير الحيرة في نفس الوقت، هو كثرة وتزاحم التقارير الإعلامية والتحليلات الصحفية عن قرب دخول القوات السورية إلى لبنان، لاجتثاث حزب الله ونزع سلاحه.

وتزامن هذا مع نشر الجيش السوري لقواته على الحدود اللبنانية، والاتصالات التي أجراها الرئيس الشرع مع القيادات اللبنانية سواء مع الرئيس عون، أو مع قيادات مسيحية لبنانية.

والسؤال هنا ما هي رؤية النظام السوري الجديد تجاه ما يجري من الحرب الدائرة في إيران ولبنان وتطول دول المنطقة؟

كيف نفكك المواقف السورية تجاه هذه الحرب؟ هل ستشارك الحكومة السورية بالفعل في دخول لبنان كما يزعم البعض؟

لتحليل الموقف السوري، سنبدأ بأولويات النظام السوري حاليًا، وما هي أكبر الأزمات التي تواجهه؟

ما هي المقايضة التي تحاول الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ابتزاز النظام السوري في سبيل إنهاء تلك الأزمات؟

وفي النهاية هل دخول الجيش السوري لبنان لتصفية حزب الله من بين عناصر تلك المقايضة؟

أزمات سوريا بعد التحرير

يمكن تصنيف هذه الأزمات والمشكلات في ثلاث دوائر تشتبك مع بعضها:

1. الدائرة السيادية (معضلة الأرض والحدود)

هذه هي الأزمة الأكبر التي يستخدمها الخارج (أمريكا والكيان الصهيوني) كأداة ضغط ابتزازي على الشرع، وتتكون من ثلاث بؤر رئيسية:

البؤرة الأولى، أزمة شرق الفرات (قسد): وهي تمثل الشريان الاقتصادي لسوريا (نفط، غاز، قمح). كما إن وجود قوات سوريا الديمقراطية بدعم أمريكي يحرم دمشق من مواردها السيادية، مما يجعل النظام مأزومًا اقتصاديًا بانتظار المساعدات.

والأهم أنه يجعله في نظر حاضنته الشعبية من قبائل الرقة ودير الزور والحسكة، مجبرًا على استيعاب قسد وزعمائها داخل منظومة الأمن خاصة في الحسكة، وهم لهم تاريخ في قهر العشائر وسكان شرق الفرات.

البؤرة الثانية، أزمة الجنوب وجبل الشيخ: وتتمثل في التغلغل الصهيوني في القنيطرة وريف دمشق الغربي، والسيطرة على نقاط حاكمة في جبل الشيخ، الأمر الذي يضع العاصمة دمشق تحت التنصت والنار الصهيونية المباشرة، كما يقع أهالي المنطقة فريسة للاجتياحات العسكرية الصهيونية وتعرض أبنائهم إلى البطش وأحيانًا الاعتقال من قوات الاحتلال.

 

 تقرير رويترز ينقل عن بعض المصادر أن دمشق مترددة، وتدرس الخيارات بحذر؛ فهي تخشى الانجرار لحرب إقليمية شاملة، أو تأجيج توترات طائفية داخلية قد يستغلها بقايا نظام الأسد.

البؤرة الثالثة، المربعات الأمنية (الدروز): فالحماية التي يمارسها الكيان الصهيوني ضمنا وعلنا للتحركات الانفصالية لبعض فصائل الدروز في السويداء بزعامة حكمت الهاجري، توجد ثقباً أسود في السيادة السورية، حيث يصعب على الحكومة المركزية بسط سلطتها دون صدام قد يستغله الكيان للتدخل.

2. الدائرة الأمنية: (صراع التثبيت ومكافحة التمرد)

يواجه الجيش السوري الجديد، الذي تشكل نواته هيئة تحرير الشام والفصائل المدمجة والمتطوعون، تحديات أمنية غير تقليدية تهدف لإفشال مشروع سوريا الجديدة بزعامة أحمد الشرع:

التحدي الأول، حرب العصابات (التمرد العلوي وبقايا النظام)

وهذا التمرد يقوده بقايا ضباط وشبيحة نظام الأسد، وبدافع عقائدي أو مصلحي، وقد انتقلوا من مرحلة الدولة إلى مرحلة العصابة.

ومن حين لآخر يتم تنفيذ عمليات اغتيال، وتفجيرات بعبوات ناسفة، وهجمات مباغتة في مناطق الساحل (اللاذقية وطرطوس) وبعض أحياء دمشق.

والهدف من ذلك، إرسال رسالة للمجتمع الدولي بأن حكومة الشرع غير قادرة على ضبط الأمن، وإثارة الرعب بين الأقليات لإبقائهم في حالة تحفز ضد الدولة الجديدة.

كما يهدفون إلى استغلال الحدود اللبنانية-السورية المتداخلة لجعلها ثقباً أمنياً يستنزف قدرات الجيش الجديد، ويمنعه من التركيز على إعادة الإعمار.

أما التحدي الثاني، هو تحدي المأسسة والانضباط.

فدمج فصائل متنوعة (من إدلب والجنوب والجيش الوطني) تحت قيادة واحدة يواجه عدة مشكلات، مثل توحيد العقيدة العسكرية والانتقال من عقلية الفصيل إلى عقلية الجيش الوطني النظامي، كما تواجه المؤسسة العسكرية السورية الجديدة، تأمين الرواتب واللوجستيات، لضمان ولاء المتطوعين الجدد ومنع اختراقهم من قبل المال الخارجي أو استغلال حاجتهم الاقتصادية.

3. الدائرة الوجودية (أزمة الإعمار والشرعية)

فهناك أزمة إعادة الإعمار والتمويل: وسوريا تحتاج لمئات المليارات. وشركات الاستثمار تربط المال بالحل السياسي وتمكين الأقليات، وهذه الأزمة تجعل النظام رهينة لمن يدفع الثمن.

وهناك أزمة عودة اللاجئين: هذه ليست أزمة إنسانية فقط، بل سياسية؛ فعودة الملايين تتطلب بنية تحتية وضمانات أمنية، وهي ورقة ضغط تستخدمها جهات خارجية ضد سوريا.

وهناك أزمة الانجاز والأداء الحكومي: فالشارع السوري الذي عانى الويلات ينتظر نتائج سريعة لمشكلاته الحياتية من كهرباء، ووقود، واستقرار عملة. فإذا تباطأت الحكومة في تأمين ذلك، ستفقد شرعيتها الشعبية سريعاً، الأمر الذي يجعل عاملاً إضافيًا في الضغط على الشرع لتسريع المساومة مع أمريكا والكيان الصهيوني.

مقاربة تاريخية

تعد عملية دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، نموذجاً لما أطلق عليه المقايضة الوظيفية تحت ضغوط دولية وإقليمية.

فلم يكن دخول حافظ الأسد قراراً عاطفياً أو قومياً محضاً، بل كان استجابة لتقاطع مصالح معقدة بين الأسد، وأمريكا، والكيان الغاصب.

ففي بداية عام 1976، كانت الحرب الأهلية اللبنانية تتجه نحو حسم عسكري لصالح ما يسمى وقتها الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط وهي مظلة اجتمع فيها أهل السنة مع الشيعة والدروز اللبنانيين، والمتحالفين وقتها مع منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. هذا الانتصار المحتمل كان يمثل كابوساً لثلاثة أطراف:

الكيان الصهيوني: الذي خاف من قيام دولة ثورية فلسطينية على حدوده الشمالية.

أمريكا: خشيت من خروج لبنان عن السيطرة والتحاقه بالمعسكر السوفيتي عبر اليسار اللبناني الممثل داخل الحركة الوطنية.

حافظ الأسد: الذي كان يخشى من وجود جماعات إسلامية سنية لبنانية تتحالف مع فصائل أخرى في سوريا كانت قد بدأت في شن حرب عصابات ضد النظام الطائفي، كما كان الأسد يحمل حقدًا كبيرًا وعدم ثقة متبادل مع الفلسطينيين بزعامة عرفات.

لعب وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، هنري كيسنجر، دور المهندس لهذه العملية.

ونجح كسينجر في إقناع الأسد بالتخلي تمامًا وواقعيًا عن المطالبة باسترداد الجولان، وتعويض ذلك بلبنان والاعتراف بنفوذه عليها نظير عدة شروط:

منها لجم المنظمات الفلسطينية والإسلامية، وتحييد الجبهة اللبنانية ومنع تحولها إلى منطلق لعمليات فلسطينية، وتفكيك البنية العسكرية لمنظمة التحرير، وحماية المعسكر المسيحي من الانكسار، وهو ما حدث بالفعل في معارك مثل تل الزعتر.

وبالفعل حدث الاتفاق، فنقلت أمريكا رسائل بين سوريا والكيان، لضمان عدم حدوث صدام عسكري، وتم الاتفاق على الخطوط الحمراء.

وكان أهمها خطين:

جغرافية التحرك: فقد فرض الكيان الصهيوني ألا يتجاوز الجيش السوري نهر الليطاني جنوباً.

طبيعة السلاح: مُنعت سوريا الأسد من إدخال صواريخ أرض-جو (سام) أو استخدام سلاح الجو.

هل يكرر الشرع تجربة الأسد

في التحقيق فإن منطلق الشخصين مختلف:

فالشرع ينطلق من خلفية جهادية عقائدية تبتغي إعادة أمجاد الشام كمنطلق لاستعادة دور الأمة الإسلامية، أما الأسد فمنطلقاته طائفية، تكن حقدًا كبيرًا وثارات قديمة تجاه أمة الاسلام.

وفي نفس الوقت، فإنه في عام ١٩٧٦، عند مقايضة الأسد مع الأمريكان والصهاينة كان الأسد في قمة قوته الداخلية، بينما الشرع يفاوض وهو يرمم أشلاء دولة، مما يجعل مطالبته بالثمن مقدماً ضرورة لا غنى عنها لضمان عدم تعرضه للغدر السياسي لاحقاً.

وهذا ما ظهر في الخبر الذي تناقلته الأخبار هذا الأسبوع، فقد نشرت رويترز يوم 17 مارس الجاري تقريراً استند إلى 10 مصادر سورية، غربية، واستخباراتية، يكشف أن واشنطن حثت دمشق رسمياً على إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله.

وسياق المطالب الأمريكية، يتعلق بالمأزق الحالي التي يجد فيه كل من الكيان وأمريكا تخبطًا في الخروج من الحرب مع إيران.

بينما تقرير رويترز ينقل عن بعض المصادر أن دمشق مترددة، وتدرس الخيارات بحذر؛ فهي تخشى الانجرار لحرب إقليمية شاملة، أو تأجيج توترات طائفية داخلية قد يستغلها بقايا نظام الأسد.

وعلى الرغم من مسارعة المبعوث الأمريكي توم باراك لنفي التقرير ووصفه بغير الدقيق، ولكن معروف أن النفي هذا دائمًا ما يستخدمه الدبلوماسيون كتكتيك دائم لترك مساحة للمفاوضات السرية بعيداً عن ضغط الرأي العام.

ما يجب أن يتجنبه الشرع

عند مقارنة مساومة الأسد القديمة بـمساومة الشرع الحالية، تبرز ثلاث ثغرات تاريخية تشكل دروساً قاسية للقيادة السورية الجديدة:

أولا فخ الخطوط الحمراء الجغرافية:

في 1976، وافق الأسد على عدم تجاوز نهر الليطاني، مما جعل جنوب لبنان منطقة محرمة عليه، سمحت للكيان لاحقاً باجتياحه عام 1982 وضرب الجيش السوري نفسه.

وهذا درس للشرع: يجب ألا يقبل بجغرافيا مجتزأة في لبنان؛ فالدخول يجب أن يكون بتفويض سيادي كامل، أو البقاء خلف الحدود مع تأمينها كلياً، لكيلا يتحول جيشه إلى درع بشري يحمي الكيان دون مكاسب حقيقية.

ثانيا ضبابية الثمن:

في 1976، حصل الأسد على نفوذ لكنه بقي تحت الحصار والعقوبات لاحقاً.

وهذا درس آخر للشرع، فالثمن يجب ان يكون مقدماً، لأنه بمثابة الضمانة الوحيدة. فالثمن اليوم ليس مجرد نفوذ في لبنان، بل هو استعادة سيادة الموارد (النفط والقمح في شرق الفرات) وانسحاب الكيان من التوغلات الحدودية، ورفع الغطاء كاملاً عن قسد والدروز.

ثالث الاستنزاف في المستنقع:

حين دخل الأسد لضبط منظمة التحرير، غرق في حرب أهلية استنزفت جيشه 30 عاماً.

بينما يرى البعض، أن حزب الله اليوم أكثر تنظيماً وتسليحاً من المنظمات الفلسطينية قديماً. والدخول لمواجهته برياً قد يحول لبنان إلى فيتنام سورية.

ولكن هؤلاء يتناسون، أنه حين استعان بشار بقوات حزب الله لقتال الجماعات السورية المصاحبة للثورة السورية والتي هي نواة الجيش السوري اليوم، لم يستطع الحزب هزيمتها إلا بعد تدخل الطيران الروسي للمساندة، فواقعيًا على الأرض الجيش السوري أصبح أقوى من زمن الفصائل المقاتلة، كما اختفى الدعم الروسي، وهناك عامل ثالث في صالح الجيش السوري هو المساندة التركية.

 الخلاصة

الجيش السوري اليوم ليس جيشاً منهكاً، بل هو جيش منتصر في الداخل، ومؤيد بحاضنة شعبية كبيرة، ومسنود تركياً، ومطلوب أمريكيًا. هذا الوضع يمنح أحمد الشرع فائض قوة، ويجعله يفاوض من موقع الند للند؛ فهو الوحيد القادر على إنهاء ظاهرة حزب الله برياً، علمًا أن هذا الهدف مطلبًا للأمن القومي السوري نفسه، لكنه لن يفعل ذلك إلا إذا أصبحت سوريا كاملة السيادة، من البوكمال إلى جبل الشيخ.

أعلى