• - الموافق2026/03/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
متى ستنتهي الحرب في إيران؟

الصراع يقترب من لحظة الحسم، لكن الحقيقة ما زالت غارقة في الضباب. بين إعلان النصر واستمرار القتال، تتكشف لعبة مساومة قاسية: من سينكسر أولاً؟ وهل تحسم القيادة أم النووي مصير الحرب، أم أن المفاجأة الكبرى لم تأتِ بعد؟


مساء الاثنين الماضي، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقابلة هاتفية مع شبكة CBS الاخبارية قائلا: "ان الحرب الإيرانية قد انتهت تماماً إلى حد كبير".

وأكد ترامب أن العمليات العسكرية تتقدم بفارق كبير عن الجدول الزمني الأولي الذي وضعه (والذي كان مقدراً بـ4 إلى 5 أسابيع)، مشيراً إلى أن القوات الأمريكية و"الإسرائيلية" حققت أهدافها بسرعة غير متوقعة.

وبرر ترامب قوله بانتهاء الحرب عسكرياً بأن إيران لم يعد لديها شيء، موضحاً:

القوات البحرية: دُمّرت بالكامل، سلاح الجو والاتصالات: تم شلهما تماماً، وبالنسبة للطائرات المسيرة والصواريخ: أشار إلى أن مخزوناتهم تشتتت ومصانعهم تم استهدافها.

وفيما يخص مضيق هرمز: ذكر ترامب أنه يفكر في السيطرة الكاملة على المضيق لضمان أمن الملاحة.

أما فيما يتعلق باختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً، قال ترامب إنه ليس لديه رسالة له، ملمحاً إلى أنه يضع في اعتباره شخصاً آخر لقيادة إيران مستقبلاً.

من الملاحظ أن تصريحات ترامب حول انتهاء الحرب وأن القوات الأمريكية والصهيونية قد حققت أهدافها كانت في ٩ مارس، أي بعد تصريحات وزير الدفاع الأمريكي وكلام ترامب نفسه على تروث سوشيال بثلاثة أيام، والتي كانت تتمحور حول أنه لا وقف الحرب إلا بعد إعلان إيران استسلامها.

ومن ناحية أخرى تبدو المواقف الإيرانية المعلنة أكثر تحديا:

فالمتحدث باسم الخارجية الإيرانية يقول، لا يمكن للعدو بدء الحرب حينما يشاء والمطالبة بوقف إطلاق النار متى يشاء...قواتنا المسلحة مصممة على تلقين العدو درسًا لن ينساه.

ثم عادت الخارجية الإيرانية بعده بأيام لتقول: تلقينا رسائل من دول للوساطة ونركز حاليًا على تلقين العدو درسًا يجعله يندم ولا يكرر اعتداءه.

إذن، أين هي عقدة وقف الحرب الحقيقية؟

هل هي في تغيير إيران لقيادة جديدة، غير مجتبى خامنئى، والذي وضع عليه ترامب فيتو؟

أم عقدة وقف الحرب في تنازل كامل لإيران عن برنامجها النووي؟

 

 

يراهن ترامب على أن إيران تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأن استمرار الضربات الصاروخية الإيرانية، هي رقصة الموت التي تسبق الانهيار، لذا هو يصر على البديل ويرفض مجتبى.

أم كما يقول بعض المسؤولين الأمريكيين الاستسلام التام؟

لفهم هذا الضباب الاستراتيجي الذي تعطيه تصريحات الرئيس ترامب المتلاحقة، والرد الإيراني المتحدي، لا يكفي الاكتفاء بالقراءة الصحفية السطحية؛ بل نحتاج إلى أدوات تحليلية تفكك التناقض الظاهري بين إعلان نهاية الحرب، وبين استمرار الحشود والمطالبة بالاستسلام، وبين لغة التحدي الإيراني.

المساومة في الحرب

يعد نموذج المساومة في الحرب من أبرز وأكثر الاقترابات تأثيراً في دراسة أسباب الحروب وتطورها وإنهائها منذ التسعينيات.

هذا الاقتراب يُترجم غالباً في اللغة العربية بنموذج المساومة في الحرب، أو نموذج التفاوض في الحرب، أو نظرية المساومة حول الحرب، ويُشار إليه أحياناً باسم الاقتراب الرشيد للحرب.

ينطلق هذا النموذج من فرضية أساسية: بما أن الحرب مكلفة ومؤلمة للطرفين، فلا بد دائماً من وجود مخرج سلمي (تسوية) يفضلها الطرفان على استمرار القتال.

يستخدم هذا الاقتراب عدة أدوات علمية للتنبؤ بنهاية أي صراع، ولكن تعد أداة نطاق المساومة هي الأداة الفاعلة في هذا النموذج لتوقع نتيجة الحرب.

وتعتمد تلك الأداة على معادلة بسيطة: حساب نهاية الحرب تساوي المسافة المشتركة بين ما يتوقع كل طرف الحصول عليه.

فحسابات الطرف الأول مثلا، هو ينظر للميدان ويقول: أنا واثق أنني سأربح 70% من هذه الحرب، لكن الحرب ستكلفني تعباً وخسائر تعادل 10%. إذن، هذا الطرف سيقبل بأي تسوية تمنحه 60% فأكثر وهو جالس في بيته، لأنه وفر تعب الحرب.

أما حسابات الطرف الثاني، فإنه ينظر للميدان ويقول: أنا قد أخسر 70% من الحرب، وسأدفع خسائر وتكاليف تعادل 10% إضافية. إذن، هذا الطرف مستعد للتنازل عن 80% من مطالبه ليتجنب الحرب، لأنه في الحرب سيخسر الـ 70% ومعها الـ 10% تكاليف.

هنا يظهر نطاق المساومة.

فهناك فجوة أو منطقة مريحة تقع بين الـ 60% (التي يرضى بها الأول) وبين الـ 80% (التي يستعد الثاني للتنازل عنها). فأي اتفاق داخل هذه المنطقة (مثلاً عند 70%) يجعل الطرفين رابحين لأنهما حصلا على ما يريدان دون دفع ضريبة الحرب.

بناءً على هذا المنطق، تتوقع أداة نطاق المساومة نهاية الحرب في حالتين:

الأولى ارتفاع التكاليف، فكلما زاد ثمن الحرب (قتلى، دمار اقتصادي، ضغط دولي)، زاد استعداد كل طرف للتنازل، وعندها نطاق المساومة يتسع ويصبح الجلوس على الطاولة أكثر جاذبية من البقاء في الخندق.

 أما الحالة الثانية، فالحرب تنتهي عندما يتوقف كل طرف عن المبالغة في قدرته على الربح. عندما يبحث الطرفان فوراً عن أي نقطة داخل "نطاق المساومة" لإعلان نهاية القتال.

الخلاصة: الحرب عند أصحاب هذا المنهج هي صراع من أجل اكتشاف هذا النطاق. وبمجرد أن يتضح للطرفين أن تكلفة الاستمرار في القتال أصبحت أكبر من أي مكسب إضافي يمكن تحقيقه، تنتهي الحرب فوراً بتسوية تقع داخل هذا النطاق.

متى تتوقف حرب إيران

عند تطبيق منطق المساومة على حالة الحرب الأمريكية على إيران، سنجد أن كل يوم يستمر فيه القصف، تخسر إيران بنيتها التحتية، وتخسر أمريكا أموالاً وأرواحاً (مثل القتلى السبعة الذين سقطوا مؤخراً).

فالنهاية العقلانية للحرب هي الوصول لاتفاق يمنح كل طرف أقصى مكسب ممكن مع أقل نزيف ممكن.

هنا نعود للإجابة على سؤال لماذا قال ترامب الحرب انتهت؟

ترامب تاجر في السياسة، هو يرى أن الجيش الأمريكي حقق الجوائز الكبرى فعلياً: قتل رأس النظام، تدمير جزء كبير من البحرية الإيرانية، الادعاء بشل حركة الصواريخ بنسبة ضخمة، محاولة السيطرة على مضيق هرمز.

من وجهة نظر ترامب، الاستمرار في الحرب الآن لتحقيق نصر كامل بنسبة 100% سيكلفه الكثير من الأرواح الأمريكية، وقد يرفع أسعار البنزين أكثر في الداخل مما يزيد من غضب الناخبين وفي نفس الوقت يعرضه لغضب تياره الشعبي والذي أتى به الى البيت الأبيض، وهو (تيار أمريكا أولا). لذلك، هو بدأ يلوح بنهاية الحرب ليرسل رسالة مفادها: لقد أخذت ما أريد، والآن أريد التوقف عن دفع ثمن الحرب. هو يعرض على الإيرانيين صفقة: اقبلوا بالواقع الجديد الذي فرضته عليكم، وسنتوقف عن قصفكم.

وفي نفس الوقت، وأيضا بمنطق التاجر الذي يريد أن لا يقف في موقف المتنازل، يلوح مساعدوه بضرورة إعلان إيران الاستسلام الكامل، أي رفع سقف المطالب إلى حدها الأعلى.

أما إيران، فهي الآن في موقف صعب. هي تدرك أنها تخسر، لكنها تخشى أن الاستسلام غير المشروط، يعني زوال نظامها كاملا تماماً. لذا، هي تحاول الاستمرار في المناوشة لتثبت لترامب أن ثمن النصر الكامل سيكون أغلى مما يتخيل، على أمل أن يقبل ترامب بتسوية يترك للنظام الإيراني فرصة للحياة.

وفقاً لهذا المنطق، سيستمر الطرفان في سياسة عض الأصابع، إلى أن تحقق المفاوضات التقدم إلى المساحة التي يرضى بها الطرفان.

ولكن الإشكالية، هو إصرار إيران على اختيار مجتبى خامنئي بينما يصر ترامب على رفضه، هنا نصل إلى عنق الزجاجة في الصراع، وهو ما يسميه علماء السياسة في نموذج المساومة، بالقضايا غير القابلة للقسمة.

وبذلك نكون أمام قضية صفرية، لا يمكن تقاسمها؛ فإما مجتبى خامنئي أو الزعيم الجديد الذي يريده ترامب.

فهل يعني هذا أن الحرب لن تنتهي؟ وإذن لماذا يقول ترامب انتهت رغم هذا الانسداد؟

يراهن ترامب على أن إيران تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأن استمرار الضربات الصاروخية الإيرانية، هي رقصة الموت التي تسبق الانهيار، لذا هو يصر على البديل ويرفض مجتبى.

أما إيران فتراهن على أن الجبهة الداخلية لترامب سوف تنكسر أولاً بسبب النفط والخسائر البشرية، مما سيجبره على قبول مجتبى كأمر واقع لإنهاء الصراع.

نحن لسنا أمام طرف قوي يملي شروطه، بل ترامب يصارع الوقت والضغط الداخلي.

بينما إيران تصارع الدمار العسكري والانهيار الوشيك.

الحرب ستنتهي عندما يدرك أحدهما أن تكلفة الصمود أصبحت أكبر من ثمن التنازل. وبما أن مجتبى هو نقطة الخلاف الصفرية، فإن الحرب قد تتحول إلى عملية جراحية مكثفة جداً في الأيام القادمة لمحاولة حسم هذا الملف قبل أن يضطر ترامب للتراجع تحت تياره الشعبي.

سيناريوهات نهاية الأزمة

هناك ثلاثة سيناريوهات للنهاية في ظل هذا الانسداد:

١- سيناريو الاختراق من الداخل: أن تؤدي تكلفة الحرب الباهظة والدمار الذي نراه الآن إلى انقسام داخل النخبة الإيرانية، فيبرز تيار يرى أن التضحية بمجتبى خامنئي أهون من زوال النظام بالكامل، ويمكن الإعلان مثلا عن وفاته، خاصة أنه أصيب أثناء قصف مقر والده، وهذا هو ما ينتظره ترامب.

٢- سيناريو التسوية الشاملة: إذا وصلت أمريكا لقناعة بأن إسقاط مجتبى خامنئي سيتطلب غزواً برياً مكلفاً ترفضه قاعدة ترامب.

وإذا وصلت إيران لقناعة بأن الحفاظ على الأذرع، لم يعد ممكناً أمام الدمار الجاري.

هنا، قد يولد هذا الاتفاق كحل وسط: بقاء رأس النظام مقابل نزع مخالبه الإقليمية، بينما توضع آليات جديدة ومحكمة لمراقبة النووي الإيراني، بعد تسليمها النووي المخصب إلى طرف ثالث.

وسيكون المخرج لترامب أمام شعبه هو: لقد حيدتُ الخطر النووي والإقليمي للأبد دون توريط جندي أمريكي واحد في غزو طهران.

٣- سيناريو اللاحرب واللاسلم: أن يوقف ترامب القصف الكبير ويعلن النصر، لكنه يبقى محاصراً لإيران ومسيطراً على مضيق هرمز.

في هذه الحالة، الحرب تنتهي عسكريا لكنها تستمر استراتيجياً كحصار خانق، أشبه بوضع غزة الحالي.

أعلى