البيان/القدس: تشهد الدبلوماسية الجزائرية تحولاً استراتيجياً ملموساً في تعاملها مع منطقة الساحل الإفريقي، حيث تسعى العاصمة الجزائرية بجدية لاستعادة نفوذها التقليدي الذي تراجع نسبياً خلال السنوات الماضية، في وقت تشهد فيه المنطقة تغيّرات جيوسياسية كبيرة تجسدت في سلسلة انقلابات أعادت تشكيل أنظمة الحكم في دول الجوار الجنوبي. ويُعد استقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لنظيره النيجري عبد الرحمن تياني منتصف فبراير الجاري حدثاً دبلوماسياً فارقاً، كونه أول زيارة رسمية لتياني خارج حدود تحالف دول الساحل منذ توليه السلطة في يوليو ٢٠٢٣، بما يعكس إرادة متبادلة لتجاوز الجمود وإزالة التوترات السابقة.
وتشير المصادر إلى أن الحفاوة الرسمية للوفد النيجري تعكس رغبة جزائرية في تجاوز مرحلة الفتور التي ميزت العلاقات خلال العامين الماضيين، فيما شدد البيان المشترك على عمق الروابط التاريخية وضرورة العمل المشترك لتجاوز الصعوبات الظرفية التي أعاقت التعاون في فترات سابقة. وتأتي هذه التحركات الجزائرية في وقت تتصاعد فيه المنافسة الإقليمية، لا سيما مع المبادرات المغربية لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في المنطقة عبر منح دول الساحل منفذاً استراتيجياً على المحيط الأطلسي، وهو ما اعتبرته الجزائر محاولة للسيطرة على الفراغ الدبلوماسي في جغرافيتها الحيوية.
واجهت الجزائر تحديات عدة خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من توتر العلاقات مع نيامي في أبريل ٢٠٢٤ على خلفية ملف ترحيل المهاجرين، وصولاً إلى الأزمة في ٢٠٢٥ عقب سحب السفراء احتجاجاً على عمليات عسكرية حدودية، ما استدعى إعادة تقييم شاملة للمواقف. وتدرك الجزائر أن استعادة دورها الإقليمي تتطلب مقاربة براغماتية تتعامل مع المجالس العسكرية الحاكمة كأمر واقع لضمان استقرار الحدود المشتركة، مع وضع مصالحها الاستراتيجية والأمن القومي في صدارة الأولويات.
على الصعيد الاقتصادي، تولي الجزائر أهمية قصوى لمشاريع الطاقة المشتركة مع النيجر، وعلى رأسها استغلال حقل "كافرا" النفطي، الذي يشكل ركيزة لتعزيز الشراكة الطاقوية وتنمية المناطق الحدودية وتأمين موارد اقتصادية جديدة للطرفين. ويبرز أيضاً مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الرابط بين نيجيريا والجزائر مروراً بالنيجر، كأداة جيوسياسية تهدف إلى تأمين إمدادات الغاز للأسواق الأوروبية وتعزيز مكانة الجزائر كمورد طاقوي موثوق ومحور أساسي في أمن الطاقة العالمي.
ولم تقتصر التحركات الجزائرية على النيجر، بل امتدت إلى بوركينا فاسو عبر زيارات وزارية لمناقشة شراكات في قطاعات المناجم والطاقة، ما يعكس السعي لبناء تكتل اقتصادي إقليمي يقلل من الاعتماد على القوى الدولية التقليدية ويواجه التدخلات الخارجية في الشأن الإفريقي. ورغم الانفراجة مع نيامي وواغادوغو، لا تزال العلاقة مع مالي تمثل التحدي الأكبر نظراً لتعقيدات الملف الأمني واتفاق السلم والمصالحة، إلا أن التنسيق بين قادة دول الساحل يشير إلى نوايا لتبني سياسة موحدة تجاه الجزائر.
وتؤكد المصادر أن زيارة تياني إلى الجزائر لم تكن معزولة، بل تمت بالتنسيق مع رئيس المجلس العسكري المالي عاصمي غويتا، في ظل مساعٍ لتوحيد المواقف الإقليمية وموازنة السيادة الوطنية مع الحاجة إلى الدعم الجهوي. ويضيف مراقبون أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لقدرة الجزائر على ممارسة دور الوسيط النزيه والقوة الإقليمية القادرة على احتواء الأزمات، إذ يمتد نجاحها من مجرد توقيع الاتفاقيات الاقتصادية إلى صياغة رؤية أمنية مشتركة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
في نهاية المطاف، تبدو الجزائر مصممة على استعادة زمام المبادرة في الساحل الإفريقي عبر تفعيل أدوات القوة الناعمة والشراكات الاقتصادية، ويظل نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطاً بمدى تجاوب الأنظمة الجديدة في المنطقة وقدرتها على التوفيق بين طموحاتها السيادية ومتطلبات الجوار الجغرافي.