• - الموافق2026/03/30م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
تقييد بيع الخمور.. دمشق تنتفض على إرث العقود السوداء

تشير التقديرات الرسمية والمحلية في دمشق إلى أن القرار الأخير الصادر عن محافظة دمشق بشأن تنظيم وتقييد بيع الخمور يأتي في سياق توجّه حكومي واضح نحو إعادة ترميم البنية

 

البيان/دمشق: تشير التقديرات الرسمية والمحلية في دمشق إلى أن القرار الأخير الصادر عن محافظة دمشق بشأن تنظيم وتقييد بيع الخمور يأتي في سياق توجّه حكومي واضح نحو إعادة ترميم البنية القيمية للمجتمع بعد سنوات طويلة من التفكك الاجتماعي الذي شهدته البلاد خلال حكم النظام السابق. وقد أوضح مصدر مسؤول في المحافظة لصحيفة “الثورة” الحكومية أن القرار “يستهدف إعادة ضبط الفضاء العام بما ينسجم مع هوية دمشق التاريخية، ومنع انتشار المظاهر التي أضرت بالمشهد الاجتماعي طوال عقود”، مؤكداً أن الإجراءات الجديدة “لا علاقة لها بمسّ الحريات الشخصية داخل المنازل أو الأماكن المصرّح لها، بل تتعلق حصراً بوقف الفوضى التي رعتها جهات نافذة سابقاً”.

وتُظهر البيانات التي نشرتها وزارة التجارة الداخلية عام ٢٠١٠ أن عدد رخص بيع الكحول الرسمية في دمشق لم يكن يتجاوز ١٨٠ رخصة، فيما كانت التقديرات الميدانية تشير إلى وجود أكثر من ٥٥٠ نقطة بيع فعلية بين أكشاك ومحال صغيرة، معظمها يعمل “بغطاء أمني مباشر”، وهو ما أكدته تقارير منشورة لوكالة “رويترز” في الفترة نفسها، والتي تحدثت عن “انتشار غير مسبوق لنقاط بيع الكحول حول تجمعات الضباط والعناصر الأمنية”. كما بيّنت شهادات منشورة في صحيفة “الحياة” آنذاك أن مناطق مثل “مساكن الديماس” و“عش الورور” كانت تضم عدداً من منافذ بيع الخمور “يفوق عدد المخابز والصيدليات” في محيطها، في مؤشر واضح على طبيعة الأولويات التي كانت تُفرض على المجتمع السوري من خارج إرادته.

وفي تصريح سابق أدلى به العميد المنشقّ محمد فارس لوسائل إعلام عربية عام ٢٠١٣، أكد أن “الخمور كانت إحدى وسائل التحكم بالضباط”، مضيفاً أن الرشاوى التي كانت تدفع داخل تشكيلات الجيش “غالباً ما تبدأ بزجاجة ويسكي وتنتهي بصناديق كاملة في المناسبات الأمنية”، وهو ما يتقاطع مع شهادات مجندين سابقين وثقتها منظمات حقوقية، ومنها المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، حيث وردت شهادات صريحة عن استخدام الخمور كأداة نفوذ داخل المؤسسات الأمنية.

وتعزّز هذه الشواهد الصورة التي تحاول الحكومة السورية الحالية تصحيحها، إذ ترى أن السماح بانتشار الخمور كان جزءاً من بنية تفكيك الوعي التي مارسها النظام السابق على مدى عقود، إلى جانب توسّع تجارة المخدرات التي بلغت ذروتها مع تورط شخصيات نافذة في إنتاج الكبتاغون داخل سوريا في العقد الأخير، وفق تقارير الأمم المتحدة لعامي ٢٠٢٢ و٢٠٢٣. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات محافظ دمشق في اجتماع المجلس التنفيذي خلال الأسبوع الماضي لتؤكد أن “تنظيم بيع الكحول هو خطوة لحماية المجال العام وليس تقييداً للحقوق الفردية”، مشيراً إلى أن دمشق “عاصمة ذات هوية إسلامية عربية واضحة، ولا يمكن السماح بطمس هذه الهوية عبر ممارسات دخيلة”.

ويلاحظ المتابعون أن القرار الأخير يحظى بتأييد واسع داخل المجتمع الدمشقي، حيث أظهرت عريضة إلكترونية نُشرت في نوفمبر الماضي توقيع أكثر من ٣٢ ألف مواطن يطالبون بوقف بيع الخمور في الشوارع والأحياء السكنية، معتبرين أن “الفضاء العام ملك للمجتمع، وليس ساحة لمظاهر تتعارض مع قيمه”. وفي المقابل، تبرز أصوات محدودة في أحياء مثل باب توما، لكنها لا تعترض على المبدأ بقدر ما تطالب بصياغة دقيقة للضوابط، علماً بأن كثيراً من هذه الأصوات تعود لشخصيات كانت مستفيدة من الفوضى السابقة، كما بيّن تقرير لقناة DW الألمانية عام ٢٠٢١ حول “المشهد الليلي في دمشق”.

وتشير الصحف الرسمية إلى أن الحكومة تستند في هذا المسار إلى تجارب عالمية مماثلة، حيث أعادت بلديات فيينا وبرلين ومدريد منذ عام ٢٠٢٤ فرض قيود على تناول الخمور في الشوارع بهدف الحد من العنف والسلوكيات التخريبية، وهي مقاربة ترى دمشق أنها “تتوافق مع حماية الذوق العام، ومع هوية المجتمع الذي مرّ بسنوات قاسية يحتاج بعدها إلى إعادة بناء منظومة القيم”.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن القرار لا يمثل مجرد تنظيم لبيع الكحول، بل خطوة في مسار أوسع لإعادة دمشق إلى صورتها الطبيعية كمدينة محافظة ذات عمق حضاري إسلامي وعربي، ولإزالة ما تراكم من تشوهات اجتماعية خلفها عهد طويل من التسيّب والقيم الدخيلة. وتبدو الحكومة مصممة على تثبيت هذا الاتجاه، معتبرة أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة إعادة الإعمار، وأن بناء الإنسان السوري يبدأ من حماية أخلاقه وهويته، لا من تركه عرضة للانحلال الذي استثمر فيه النظام السابق لإبقاء المجتمع مفككاً وضعيفاً.

 

أعلى