• - الموافق2026/04/03م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
عقيدة الانتقام.. التطرف اليهودي يدير المشهد السياسي في الدولة العبرية

شير التحولات المتسارعة داخل الصهيونية الدينية إلى نشوء مجموعات أصولية يمينية متطرفة تسير على خطى حاخامات ينتمون إلى التيار الأكثر تشددًا

 

البيان/عرب 48: تشير التحولات المتسارعة داخل الصهيونية الدينية إلى نشوء مجموعات أصولية يمينية متطرفة تسير على خطى حاخامات ينتمون إلى التيار الأكثر تشددًا، من أمثال مئير كهانا ويتسحاق غينزبورغ، اللذين يقدسان فكرة الانتقام ويرفعانها إلى مرتبة “الفضيلة الأسمى والعمل الروحاني الأعلى”. وفي خلفية قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقره الكنيست مؤخرًا، تقف منظومة فكرية دينية قومية تنظر إلى العنف بوصفه فعلًا مقدسًا ووسيلة لاستعادة “السيادة اليهودية” كما تراها تلك الجماعات، وهو ما يجعل القانون الجديد امتدادًا لتطورات عميقة داخل اليمين الديني لا تشبه النزعات العنصرية التقليدية التي رافقت المشروع الصهيوني منذ نشأته، بل تتجاوزها نحو عقيدة متماسكة قائمة على التفوق العرقي ورفض الدولة الحديثة ومؤسساتها.

ورغم الجدل الذي تصاعد حول احتمال تدخل المحكمة العليا لإلغاء القانون أو تعديله، يشير خبراء قانونيون، منهم رئيس مركز عدالة حسن جبارين، إلى أن هذا الاحتمال غير محسوم في ظل المناخ المعادي للمحكمة داخل الدولة العبرية وتزايد التأييد الشعبي للقانون بفعل الخطاب العدائي تجاه الفلسطينيين عمومًا والأسرى منهم بشكل خاص. ويعكس مسار التشريعات الأخيرة أن اليمين الديني لن يتوقف عند هذا الحد، وأن القانون الحالي هو محطة ضمن سلسلة خطوات تستهدف الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وحتى داخل الدولة العبرية، كما ستطال خطواته لاحقًا شرائح واسعة من اليهود العلمانيين، انسجامًا مع الرؤية الأصولية التي يحملها هذا التيار.

ولم يأتِ هذا التحول من فراغ، بل تشكل نتيجة تطورات اجتماعية وفكرية شهدتها الصهيونية الدينية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، حيث نشأت مجموعات تتبنى تفسيرًا حرفيًا للنصوص الدينية وتتمسك بتراث يهودي أصولي يرفض سلطة الدولة ومكانتها، ويعارض النظام الليبرالي الذي كان جزءًا من العقيدة الصهيونية الدينية الرسمية لعقود. وقد أدى ذلك إلى بلورة نمط جديد من التدين اليهودي “القومي – المتشدد” المنتشر في البؤر الاستيطانية العشوائية، والذي يدمج بين قومية حادة وتدين مغلق ويعادي قيم التنوير، والفردانية، والديمقراطية، والمساواة، ويستمد شرعيته من قراءة انتقائية للكتب المقدسة.

وخلال العقود الماضية مرت الصهيونية الدينية بثلاث مراحل أساسية؛ فقد كانت في بدايتها حركة معتدلة سياسياً وقادت حزبًا براغماتيًا عارض حرب 1967 ودعم التسوية وتقسيم البلاد. ثم دخلت مرحلة الخلاص الديني مع صعود الحاخام تسفي كوك الذي اعتبر أن الاستيطان تجسيد لمشيئة الرب. لكن هذه الحركة تراجعت بصورة كبيرة بعد الانسحابات الصهيونية من سيناء وغزة وجنوب لبنان، لتدخل الصهيونية الدينية مرحلة ثالثة اتسمت بالتفكك والانقسام إلى تيارات ليبرالية، وحريدية قومية، و كهانية ذات طابع حسيدي جديد، ما أدى إلى تراجع مركزية الشريعة وظهور تيارات أشد تطرفًا.

وانبثقت عن هذا المشهد ثلاثة تيارات رئيسية، التيار الرسمي، وتيار ما بعد الرسمية، والتيار المعادي للرسمية. وتجمع هذه التيارات، بدرجات مختلفة، عداءً للقيم الغربية الحديثة، وتوقًا إلى الماضي الأسطوري، وتعظيمًا لغريزة الانتقام، واعتقادًا بالتفوق اليهودي، والسعي لتحويل الدولة العبرية إلى دولة دينية. ورغم أن أتباع هذه التيارات لا يشكلون سوى نسبة محدودة من جمهور الصهيونية الدينية، فإن تأثيرهم السياسي والاجتماعي آخذ في الاتساع، ويحظى بتأييد داخل قطاعات علمانية وحريدية على حد سواء.

ويشكك التيار ما بعد الرسمي بشرعية الدولة ومؤسساتها، ويهاجم الجيش والشرطة والمجتمع الأكاديمي والمحاكم، وينظر إلى الدولة بوصفها كيانًا لا يحقق الخلاص، بينما يتمسك التيار المعادي للرسمية بمفهوم أصولي متشدد، ويضم “عوتسما يهوديت” و”ليهافا” وتنظيم “شبيبة التلال”. وترتكز عقيدته على ثلاث ركائز أساسية، التفوق اليهودي، رفض قيم الحداثة والديمقراطية، وتمجيد الانتقام باعتباره فعلًا مقدسًا. ويأتي باروخ غولدشتاين، مرتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي، كنموذج لهذه الأيديولوجيا، التي تُظهر رموزًا داخل اليمين المعاصر، مثل إيتمار بن غفير، استمرارها وتغلغلها بعد أن تحولت إلى جزء من الخطاب السياسي ذاته.

ويتجسد المفهوم المركزي لهذه الأصولية في أن الانتقام ليس مجرد حق، بل هو واجب ديني وروحاني، وأن الدولة يجب أن تمارسه باسم الرب، لأن أي تراجع عنه يعني التخلي عن الانتقام الإلهي. ومن هذا المنظور يصبح العنف ضد الفلسطينيين فعلًا “مقدسًا”، ويصبح قتلهم أو قمعهم جزءًا من “السيادة اليهودية” كما يطرحها التيار الكهاني. ولهذا يعدّ القانون الجديد امتدادًا طبيعيًا لهذا الفكر، ويعكس انتقال هذه الأيديولوجيا من الهامش إلى قلب السلطة، حيث يحتل رموز التيار مناصب وزارية وبرلمانية مؤثرة.

إن صعود هذه الحركات داخل بنية الحكم الصهيوني يشير إلى أزمة هوية عميقة تضرب الصهيونية الدينية وتنعكس على المجتمع الصهيوني كله، ويطرح مستقبلًا شديد الاضطراب في ظل تغلغل فكر يقوم على العنف المقدس، وتفوق العرق، ورفض الديمقراطية، وتفكيك الدولة الحديثة لمصلحة مشروع خلاص لاهوتي يفرض نفسه بالقوة. وفي هذا السياق، لا يُعد قانون إعدام الأسرى سوى خطوة أولى في مسار أكثر اتساعًا سيواصل دفع الدولة العبرية نحو مزيد من الشرذمة والتطرف والصدام المفتوح مع الفلسطينيين ومع الداخل الإسرائيلي ذاته.

 

أعلى