كان من الطبيعي بعد احتلال الهند أن يتزعم المسلمون الثورة والمقاومة ضد الإنجليز لأنهم كانوا يحكمون البلاد قبلهم، ولكن اتَّبعت بريطانيا إستراتيجية تقوم على عدة محاور تهدف إلى إحكام السيطرة على الهند (التي أُطلق عليها: درَّة التاج البريطاني)،
كان هذا تصريحاً لرئيس جمعية (دارم
جاجان ساميتي الهندية)
سينغ راجشوار، قاله في منتصف شهر ديسمبر 2014م، أي منذ سبع سنوات، وأردف قائلاً:
«المسلمون
ليس لديهم الحق في البقاء هنا: إما أنهم سيتحولون إلى الهندوسية، وإما سيُجبرون على
الخروج من هنا».
ووعد سينغ راجشوار بأنَّه سيتكفل بأن تكون الهند بحلول نهاية عام 2021م خالية من
المسلمين.
لقد قال هذا الرجل هذه التصريحات عقب فوز حزب بهارتيا جاناتا الديني المتطرف
الهندوسي بحكم الهند منفرداً في أعقاب الانتخابات النيابية.
وبدا ما كان يقوله هذا الهندوسي المتعصب صحيحاً، حين تصاعدت أعمال العنف ضد
المسلمين هذا العام بشكل غير مسبوق سواء في كشمير المحتلة أو باقي الولايات الهندية
التي يوجد فيها أعداد مؤثرة من المسلمين، وهو ما يشي بأن هناك مخططاً بالفعل يجري
العمل عليه من قِبَل الهندوس.
وهذا هو الذي دفع رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان في خطابٍ ألقاه الشهر الماضي
أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يتحدث عن هذا الاضطهاد؛ فمما قاله:
«لو
تم حصار 8 ملايين من الحيوانات في بريطانيا لامتلأت شوارع لندن بالمحتجين، ولكن لا
نرى احتجاجاً لفك الحصار عن 8 ملايين إنسان في كشمير المحتلة... فالسلطات الهندية
تطلق النار بشكل عشوائي على المحتجين في كشمير المحتلة منذ عشر سنوات، وراح مائة
ألف شخص ضحيةً لإرهاب الهند في كشمير المحتلة، وهناك أكثر من 13 ألف شاب كشميري
معتقلين في السجون الهندية... من المؤسف أننا نعيش في زمن تفضِّل فيه الدول التجارة
على الإنسانية! ماذا سيحصل لو قامت إحدى الدول بحصار مليون يهودي؟».
وحذَّر عمران خان من أن العالم لا يتضامن مع المسلمين وينسى حقوق الإنسان عندما
يتعلق الأمر بهم.
ولم تكتفِ الهند بما فعلته بحق مسلمي كشمير؛ ففي ولاية آسام تُهجِّر السلطات
الهندية المسلمين بشكل متعسِّف وقسريٍّ منذ 20 سبتمبر الماضي، وقد تم تهجير أكثر من
800 عائلة مسلمة في الولاية، وأزالت مساكنهم البسيطة المصنوعة من الصفيح، وذلك بحجة
أنها مقامة على أرض مملوكة للدولة.
وقد نُشِر مقطع فيديو لعدد من أفراد الشرطة الهندية وهم يطلقون الرصاص على شاب مسلم
هندي في ولاية آسام، مواصلين إثر ذلك ضربه وركله بطريقة وحشية، ثم دَعَسَ أحد
المصورين المرافقين على جسد الضحية... مثيراً موجة غضب شديدة لدى المسلمين.
والذي يثير الغضب والاشمئزاز أن المذابح التي ارتكبها الهندوس للمسلمين لم تتوقف.
فمنذ بدايات القرن الماضي، ونحن نسمع بين فينة وأخرى عن مجزرة يُقتَل فيها عدد كبير
أو قليل من المسلمين وتغتصب نساؤهم وتُحرَق بيوتهم.
والأسئلة التي تتردد بحيال ذلك: ماذا تريد الهند من المذابح التي تفتعلها ضد
المسلمين؟ ما غرضها من التنكيل بهم؟ هل تريد إبادتهم وإفناءهم على بكرة أبيهم؟ أم
تريد استئصالهم وترحيلهم من أرضهم ومن جميع أنحاء الهند؟ أم أن الخيار الذي يذكرونه
علناً هو إدخالهم قسراً في الهندوسية؟
للإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي إدراك الخبرة التاريخية الهندوسية والعلاقة بينهم
وبين المسلمين، ثم نأتي إلى طبيعة الدولة الهندية بعد الاستقلال عن التاج البريطاني
ورؤيتها للمسلمين، وأخيراً نأتي إلى الوضع الحالي الهندي ومستقبل المسلمين.
تاريخ العلاقات الهندوسية الإسلامية:
الهند دولة متعددة الأعراق، وتنوُّعها العرقي يضاهي التنوع في القارة الأوروبية
بأكملها.
ينتمي 25% من السكان إلى العرق الأديفازي، وهم السكان الأصليون من ذوي البشرة
السوداء، الذين يعيشون بشكل رئيسي في جنوب الهند، في حين حوالي 72% من الهنود من
العرق الهندي الآري الذي هاجر إلى هذه الأراضي على الأرجح من المناطق الجنوبية من
روسيا الحالية، وهم يتميزون عن الشعوب التي كانت تسكن الهند أصلاً بلون بشرتهم
الفاتح، وهم الذين تشبَّعوا بعد ذلك بالأصول الأساسية للديانة الهندوسية، ويوجد
حوالي 3% ينتمون إلى مجموعات عرقية أخرى.
والهندوسية هي ديانة وثنية عبارة عن خليط من عقائد وطقوس تتضمن أربع خصائص، هي:
الاعتراف بنظام الطبقات وبزعامة طبقة البراهمة، ثم تقديس البقرة باعتبارها تمثل
الألوهية على نحو تمتاز به من سواها، وهم يعتنقون ما يُعرَف بتناسخ الأرواح،
ومرجعيتهم بعض الكتابات التي يقدسونها ولا ترتقي إلى أدبيات رصينة، بل هي مزيج من
الأساطير حول القداسة والحياة الآخرة والممارسات الشخصية.
فالإله في عقيدة الهندوس، أو (براهما) كما يسميه الهندوس، يوجد داخل كل كائن حي.
ومفهوم الدين بالنسبة للهندوس هو عملية البحث عن الذات؛ أي عملية البحث عن الكيان
الإلهي داخل الإنسان. كما لا تنادي الهندوسية بالبحث عن الخلاص أو إنقاذ الروح،
فالروح سليمة وليست بحاجة لخلاص أو إنقاذ، فكل ما يحتاجه الإنسان هو التخلص من
الجهل المحيط بمعرفة الذات.
تتمركز أكبر نسبة من الهندوس في شبه القارة الهندية حيث نشأت الهندوسية، ولا غرابة
بوجود أتباع للهندوسية في المناطق المجاورة للهند كـباكستان ونيبال وجزيرة بالي في
إندونيسيا، ولكن توجد الهندوسية في أماكن بعيدة جغرافياً عن الهند، وربما يُعْزى
السبب لهجرة الهنود لهذه الدول، فنجد عدد الهندوس في جنوب إفريقيا (1.2 مليون)، وفي
المملكة المتحدة (1.2 مليون)، وفي كندا (0.7 مليون)، وفي هولندا (0.4 مليون)، وفي
أمريكا اللاتينية (0.6 مليون).
أما نِسَب الديانات في الهند فهي أقل من 80% للهندوس، و 14.2% للمسلمين، و 1.9%
للسيخ، و 0.8% للبوذيين.
دخول الإسلام إلى الهند على ثلاث مراحل:
الأولى: كانت غير منظمة عن طريق التجار العرب إذ يذكر الدكتور عبد المنعم النمر عن
تلك المرحلة في كتابه (تاريخ الإسلام في الهند): أنه في كل ميناء على أرض الهند
أصبح هنالك جماعة مسلمة متصلة بالتجار الذين يأتون إليه، فبنوا المساجد وأقاموا
الشعائر مستفيدين من منزلتهم عند الحكام في الوقت الذي كانوا يجدون فيه بالتجار
العرب أكبر عوامل رواج التجارة الهندية وتصريف البضائع مما كان يدرُّ دخلاً وافراً
على هؤلاء الحكام.
أما المرحلة الثانية: فقد اتخذت الشكل المؤسسي في عهد الدولة الأموية، إذ جهز
الحَجَّاج بعد أخذه موافقة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك جيشاً كبيراً وأمَّر
عليه محمد بن القاسم الثقفي، الذي نجح بعد معارك برية وبحرية عديدة في الوصول إلى
شاطئ نهر السند، واستمر بفتوحاته حتى وصل عاصمة بلاد السند عام 90 للهجرة، وفي عهد
الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز أرسل كُتُباً ورسائلَ إلى ملوك وأمراء السند
تدعوهم إلى الدخول في الإسلام على أن يتركهم في مناصبهم ويبقيهم ملوكاً، فدخل كثير
منهم في الإسلام وتسمَّوا بأسماء إسلامية، وفي عهد الخليفة هشام بن عبد الملك أكمل
انتصارات أسلافه وخلال عامين سيطر المسلمون على كامل شمالي غربي الهند.
وأما المرحلة الثالثة: فسُميت بعصر الدول الإسلامية حين حكم الهند خمس دول إسلامية
متعاقبة، بدأت بالدولة الغزنوية التي تنتسب إلى مدينة غزنة في أفغانستان، حيث خاض
مؤسس الدولة القائد سبكتكين المعارك ضد الأمراء والملوك الهندوس، وخلَّف ابنه محمود
الذي خاض معركة عظيمة على شمال الهند وسيطر على إقليم كشمير وعبر بجيوشه نهر الغانج
وهدم نحو 10 آلاف معبد هندوسي، ليُخضع شمال شبه القارة الهندية بالكامل لحكم
الإسلام.
وكانت آخر الدول الإسلامية هي الدولة المغولية التي حكمت الهند ما يقرب من 350 سنة
حتى عام 1858م أي تقريباً منتصف القرن التاسع عشر. وبحسب فيديو وثائقي بريطاني
عُرِض في أغسطس الماضي فإن الإمبراطورية المغولية تلك كانت غاية في الثراء، وكما
يقول المؤرخ الاقتصادي أنغاس ماديسون؛ فقد كان نصيبها من الاقتصاد العالمي في عام
1700م ثلاثة وعشرين بالمئة؛ أي ما يعادل أوروبا مجتمعة أو الولايات المتحدة كما هما
في يومنا هذا.
ولكن سرعان ما سقطت هذه الدولة بعد قتال مرير مع الإنجليز الذين أعلنوا بعدها
احتلال الهند وبسطوا سيطرتهم عليها ليدشنوا عصراً جديداً للهند.
ووَفْقَ تعداد عام 2011م بلغ عدد المسلمين 172 مليون مسلم، وبذلك تمتلك الهند ثالث
أكبر عدد من السكان المسلمين بعد إندونيسيا وباكستان، لتمثل الهند موطن 10% من
مسلمي العالم.
الهند في العصر الحديث:
كان من الطبيعي بعد احتلال الهند أن يتزعم المسلمون الثورة والمقاومة ضد الإنجليز
لأنهم كانوا يحكمون البلاد قبلهم، ولكن اتَّبعت بريطانيا إستراتيجية تقوم على عدة
محاور تهدف إلى إحكام السيطرة على الهند (التي أُطلق عليها: درَّة التاج
البريطاني)، ومنْع المسلمين من حكم شبه القارة الهندية مرة أخرى، لِـمَا تمثله من
مصدر ثروات للإمبراطورية البريطانية التي كانت الأقوى حينها في العالم:
المحور الأول في هذه الإستراتيجية يتعلق بتجهيل المسلمين ونشر التخلف والمرض، كما
مُنع المسلمون من تولي المناصب الحكومية، وبالمقابل قرَّب الإنجليز الهندوس والسيخ
من مفاصل الدولة، فشاركوا بهذه الأعمال وحلوا مكان المسلمين في الوظائف والأشغال،
وكانت تلك الإستراتيجية تتم لأن المدارس التي أنشأها الإنجليز لا تدرِّس الدين فيها
فخاف المسلمون على أبنائهم.
أما المحور الثاني للإستراتيجية البريطانية فكان يقوم على التنكيل بالمسلمين؛
فهدموا المساجد وصادروا الأملاك والأوقاف.
والمحور الثالث يتركز في تشجيع الفكرة القومية الهندية من جهة، ومن جهة أخرى إنشاء
فرق منحرفة ذات وجهة إسلامية لتفريق صفوفهم كالقاديانية.
أما المحور الأخير فهو تقسيم الهند إلى عدة دول وليس دولتين فقط، فهناك الهند،
وباكستان، ونيبال، وبوتان، وسيريلانكا، وجزر المالديف، وجزر لاكاديف في الغرب،
وأندمان ونيكوبار في الشرق، وسيلان أو سرنديب في الجنوب.
وأدت هذه الإستراتيجية في النهاية إلى إثارة العداء تجاه المسلمين من قبل الهندوس،
وأدركوا أن الوقت قد حان لتصفية الحسابات معهم.
مع نهاية الحرب العالمية الثانية كان الانسحاب البريطاني جاهزاً من مستعمرتها
الهندية، في أعقاب تراجع الدور الإنجليزي في العالم لصالح قوتين كبيرتين تتقاسمان
النفوذ في النظام الدولي وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، لتبدأ مرحلة
جديدة في تاريخ الهند.
قبل الانسحاب تعمَّد البريطانيون الإشراف على عملية تقسيم الهند بين المسلمين
والهندوس، وكأنهم يطمئنون على عدم عودة المسلمين لحكم شبه القارة تلك مرة أخرى،
ولذلك قبل أن يغادروها زرعوا مأساة كشمير.
الحكم الهندي بعد الاستقلال:
ربما اتبع الهندوس إستراتيجية مع المسلمين متأثرين بالإستراتيجية البريطانية التي
سبق أن ذكرناها، فجذور هذه الإستراتيجية ما لبثت أن صارت هي القواعد الأساسية التي
بات يرتكز عليها النظام الجديد في الهند.
ولذلك أصبحت أهم هذه المرتكزات هي: التمييز الطائفي وظلم المسلمين وقمعهم.
لقد سعى الهندوس لحكم الهند متذرعين بعلمانية النظام الهندي، ولكن المسلمين أدركوا
خبث هذا الطرح وعدم جديته، حتى أن محمد علي جناح وهو الزعيم العلماني المحسوب على
المسلمين وينتمي إلى الطائفة الإسماعيلية، ما لبث أن أدرك كذب الدعاوي الهندوسية
وأصر على الاستقلال.
وتحت الضغط البريطاني وافق زعماء الهندوس على انفصال المسلمين، ولكنهم تُرِكوا كما
قال محمد علي جناح بأنه حصل على باكستان
«أكلها
العث»؛
إذ تكونت الدولة المسلمة الجديدة من شطرين يفصل بينهما ألفا كيلومتر من الأراضي
الهندية[1].
وردّاً على هذا الرفض تمحورت الإستراتيجية الهندية حول بقاء المسلمين - سواء في
الداخل الهندي أو في باكستان - تحت الضغط، وفي وضعية الحصار والاحتواء، حتى تحين
الفرصة مرة أخرى ويتم توحيد شبه القارة الهندية تحت الراية الهندوسية.
وتتضمن تلك الإستراتيجية عنصرين أساسيين:
العنصر الأول: القمع والقتل سواء بارتكاب مذابح داخلية في المسلمين الذين بقوا في
الهند، أو بإبقاء دولة المسلمين (باكستان) في حالة حرب دائمة.
أما العنصر الثاني في هذه الإستراتيجية: فهو افتعال أزمة كشمير لتظل ملهاةً
للمسلمين سواء في داخل الهند أو خارجها، ولإبقائهم في حالة الحصار والاحتواء.
وطبقت الحكومة الهندية العنصر الأول في إستراتيجيتها فور إعلان قرار التقسيم عندما
قُتِل في العنف الطائفي من نصف مليون إلى مليون شخص على الأقل، وفي مصادر أخرى يصل
الرقم إلى مليونين، كما اختطفت عشرات الآلاف من النساء، وكانت الغالبية العظمى من
ضحايا العنف من المسلمين.
ومن أمثلة تلك المذابح الهمجية: أنه عقب إعلان الدولة الباكستانية، أعلن كبار علماء
التكنولوجيا المسلمين في مختلف التخصصات رغبتهم في مغادرة الهند والتوجه للاستقرار
في باكستان، وأظهرت الحكومة الهندوسية حينئذٍ عدم ممانعتها لذلك الخروج الجماعي،
واستقل آلاف العلماء القطار المتجه إلى باكستان، وكان على القطار عبور نفق في أحد
الجبال على الحدود بين الدولتين، وتجمهر عدد كبير من الباكستانيين على الجانب الآخر
من النفق ابتهاجاً بوصول هؤلاء الصفوة من العلماء الذين هم كنز باكستان وأملها الذي
تنتظره في بداية نهضتها؛ وإذا بالقطار يخرج من النفق ممتلئاً بجثث هؤلاء العلماء
وقد ذُبحوا بالحراب والخناجر؛ فقد قتلتهم عصابات الهندوس وأفنتهم على بكرة أبيهم.
وهكذا ظلت مذابح المسلمين في الهند إستراتيجية ثابتة تمارسها عصابات هندوسية متعصبة
بتحريض سافر من المخابرات الهندية بين فينة وأخرى، حتى أصبحت أخبارها روتينية
واعتادت الأذن على سماعها.
وأما العنصر الثالث في تلك الإستراتيجية: فيتعلق بافتعال مشكلة كشمير لتكون ورقة
ضغط على باكستان لتبقيها في إطارٍ وحجمٍ معينين تحت الهيمنة الهندية؛ فقد نص قانون
استقلال الهند على أن الإمارات داخل الدولة الهندية حرة في أن تنضم إلى أيٍّ من
الهند أو باكستان، أو أن تبقى مستقلة مع الأخذ في الاعتبار بعض العوامل مثل الوضع
الجغرافي ورغبات الشعب. ولكن الهند تجاهلت هذا المبدأ عند الاستقلال وخصوصاً فيما
يتعلق بإمارات جوناكره (غرب الهند) وحيدر آباد (جنوب الهند) وكشمير (شمال). وكان في
الإمارتين الأوليين غالبية هندوسية يحكمها أميران مسلمان، أما في كشمير فكان الوضع
على عكس ذلك؛ إذ إن غالبية السكان كانوا مسلمين وحاكمها كان هندوسياً.
وقررت غالبية الإمارات المستقلة ذاتياً حسب وضعها الجغرافي أن تنضم إلى الهند أو
باكستان بعد ظهورهما. وقرر حاكم إمارة جوناكره أن ينضم إلى باكستان ولكن الهند
أرسلت على الفور قواتها المسلحة لاحتلال الإمارة، وقالت تسويغاً لذلك: إن سكان
الإمارة هم من الهندوس بنسبة 81%؛ ولذلك لا يجوز لحاكمها الانضمام إلى باكستان
طبقاً لمبادئ التقسيم.
وتذرعت الهند بالحجة نفسها فيما يتعلق بحيدر آباد التي كان يحكمها أمير مسلم،
فأرسلت قواتها المسلحة لاحتلال الإمارة بالقوة. ولكن الهند تجاهلت هذه الحجة حين
تعلق الأمر بإمارة كشمير. وحين تردد مهراجا كشمير في إعلان انضمام الإمارة إلى
باكستان تمرد المسلمون الكشميريون الذين كانوا يمثلون نسبة 82% من السكان، وقام
جنود الحاكم الهندوسي بارتكاب المذابح في منطقة بونش وميربور في عام 1947م، ويقال
إنه قتل في هذه الاضطرابات ما لا يقل عن مائة ألف مسلم. واتُكبتْ هذه المجازر
لإجهاض انتفاضة مسلمي كشمير ضد الحاكم الهندوسي.
النظام الهندوسي الحالي وأزماته:
هناك مشكلتان تواجهان الحكم الهندوسي:
أولاً: تنازع التيار العلماني والقومي
إن التنازع على توجهات النظام السياسي الهندي إزاء قضية الهوية ليست وليدة اليوم بل
بدأت مع استقلال الهند، وبالرغم من أن الذي تولى زمام الأمور في البدايات كان حزب
المؤتمر بزعامة غاندي الذي آثر الإعلان عن هوية الدولة وهي العلمانية وضمنها صراحة
في الدستور الذي حكم البلاد، ولكن ارتباطه بالعلمانية ليس عن قناعة ولكنه ظرف مصلحي
ارتبط بالحفاظ على سيطرة الهندوس على المسلمين وغيرهم من الأقليات، ولكن انفصال
غالبية المسلمين في دولة أخرى أو دولتين (باكستان وبنجلاديش)، واعتزاز الأقلية
المسلمة داخل الهند بهويتها أثَّر على الشعارات التي يرفعها الحزب وانتشارها
وشعبيتها لدى الهندوس، وانتهى الأمر بمقتل غاندي على يد الهندوس الذين عدُّوه قد
فرَّط في وحدة الأراضي الهندية لصالح المسلمين.
أتاح ذلك ظهوراً مؤسسياً للجماعات والأحزاب الهندوسية المتعصبة التي تريد تطبيق
قومية دينية هندوسية متعصبة، وعلى رأس هذه التنظيمات كان حزب بهارتيا جاناتا الذي
استطاع أن يحكم البلاد منفرداً منذ عام 2014م بعد أن كان يشارك في حكومات ائتلافية
قبل ذلك، ثم زاد من تلك الغالبية في انتخابات عام 2019م.
هذا النجاح الذي حققه هذا الحزب يثبت أن الهندوس يفضلون خيار الحزب القائم على
معاداة المسلمين وإدخالهم في الهندوسية؛ أي عودتهم إلى ديانتهم القديمة قبل أن يدخل
الإسلام إلى البلاد، أو إبادتهم.
وبالرغم من أن زعيم الحزب ورئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي لا يعلن عن توجهات
قومية معادية علنية بل يرفع شعارات اقتصادية (ربما حفاظاً على علاقاته الخارجية)،
ولكن كل المراقبين للشأن الهندي يكادون يُجْمِعون على أن كل أعمال التطرف التي
تمارَس على المسلمين يقف وراءها الحزب ويشجع عليها، ويكفي دليلاً على ذلك أن
ناريندرا مودي عندما كان حاكماً لولاية غوجارات الواقعة غرب الهند، شهدت هذه
الولاية في عهده أي في ربيع عام 2002م بعضاً من المذابح الأكثر دموية ضد المسلمين
في تاريخ الهند الحديث.
ورئيس الوزراء نفسه ناريندرا مودي كان منتمياً لحركة راشتريا سوايامسيفاك سانغ قبل
انضمامه للحزب، هذه الحركة التي تأسست في عام 1925م تعدُّ نفسها رأس حربة الأمة
الهندوسية العظمى كما يرددون، وأعضاؤها مدربون تدريباً شبه عسكري ومنظمون تنظيماً
هرمياً ويرتدون زيّاً موحداً يتكون من قبعة سوداء وقميص أبيض وشورت كاكي اللون، ومن
وجهة نظرهم يعدُّون المسلمين في الهند في الحقيقة هندوساً تخلَّوا عن دينهم مكرهين
على ذلك من قبل الفاتحين المسلمين.
وتحذِّر هذه الحركة مما سمَّته الانقراض الخفي للهندوس، فالهند تُعَدُّ في نظرهم
دولة الهندوس. وبحسب مفهومهم فإن المسلمين لا يمكنهم أبداً أن يكونوا هنوداً تماماً
فهم متهمون دائماً بأن لديهم ولاء لغير الهند، وقد كتب فيناياك دامودار سافاراكار
(المنظِّر الأيديولوجي للقوميين الهندوس) في عام 1921م في كتابه (هندوتفا) وترجمته
(من هو الهندوسي؟):
«حتى
وإن كانت هندوستان هي الوطن بالنسبة لهم [أي للمسلمين] مثلما هي الحال بالنسبة لأي
هندي آخر، فهي ليست أرضهم المقدسة، وأرضهم المقدسة تقع بعيداً في جزيرة العرب
وفلسطين. وأساطيرهم وآلهتهم وأفكارهم وأبطالهم ليسوا أبناء هذه الأرض. ومن ثَمَّ
فإن أسماءهم ونظرتهم إلى العالم تفوح منها رائحة أصل غريب».
ومن وجهة نظر الزعيم الثاني في حركة (راشتريا سوايامسيفاك سانغ) مادهاف ساداشيف
جولوولكر، الذي كتب في عام 1939م في كتابه (نحن، أو تعريف أمتنا) الذي وصف فيه
حرمان اليهود من حقوقهم في ألمانيا إبان الحكم النازي على أنه نموذج للتعامل مع
الأقليات، وقال بالحرف:
«يجب
على الأعراق والأجناس الغريبة في هندوستان إما أن تتبنى الثقافة واللغة الهندوسية
وتتعلم مراعاة واحترام العرق والثقافة الهندوسية، أو أنهم يستطيعون البقاء في
البلاد خاضعين تماماً للأمة الهندوسية من دون مطالبتهم بشيء، ومن دون استحقاقهم أي
امتيازات أو حتى معاملة تفضيلية ولا حتى حقوقاً مدنية».
ثانياً: التغيرات الديموغرافية في الهند
في عام 2015م ذكرت وكالة رويترز الإخبارية خبراً يفيد بارتفاع نسبة المسلمين في
الهند وانخفاض نسبة الهندوس من تعداد السكان للمرة الأولى منذ استقلالها عن
بريطانيا عام 1947م، وأظهر التعداد أن عدد الهندوس انخفض من 80.5% إلى 79.8% من عدد
السكان البالغ 1.2 مليار نسمة عام 2011م، في حين ارتفعت نسبة المسلمين من 13.4% عام
2001 إلى 14.2%، وكانوا الطائفة الدينية الوحيدة التي تشهد زيادة. وبقي النصارى عند
نسبة 2.3% في حين انخفضت أعداد السيخ من 1.9% إلى 1.7%.
ولكن تقديرات الجمعيات والمؤسسات الإسلامية تقول: إن عدد المسلمين يتراوح بين 400 -
500 مليون مسلم في الهند؛ أي أن نسبتهم تقترب من ربع سكان البلاد.
مع العلم أنه في أول تعداد أجري بعد أن قسمت بريطانيا الهند التي كانت تسـتعمرها
إلى دولتي باكستان والهند عام 1947م، كان الهندوس يشكلون 84.1% من السكان.
مستقبل مسلمي الهند:
بعد المجازر الرهيبة التي فعلها رئيس الوزراء الهندي الحالي مودي عندما كان حاكماً
لولاية غوجارات، تم منعه من دخول أوروبا وأمريكا، ولكن فور فوزه في الانتخابات
استُقبِل ورُحِّب به في جميع المحافل؛ خاصة الولايات المتحدة التي تتحالف معه
لمواجهة عدوها الصين.
بينما تصف المجلة الهندية اليسارية فرونت لاين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي
بأنه هو نفسه جزء من المتعصبين الهندوس لا يفكر ويتحدث بشكل مختلف عنهم، فالجماعات
الهندوسية المتزمتة هي التي شكلته.
منذ عامين نشرت شبكة بي بي سي البريطانية تحقيقاً عن أحوال مسلمي الهند، نقلت فيه
مخاوف مسلمي الهند إذ قالت إحدى المسلمات وتدعى (ريكات هاشمي) إنها تشعر بالهلع
لكونها مسلمة في الهند كحال كثير من مسلمي الهند. وتضيف: أتساءل الآن عمَّا يخبئه
لنا المستقبل: هل سأُحرَم من فرص عملٍ بسبب ديني؟ هل سأُطرَد من منزلي؟ هل سيسحلني
جموع الناس في الشوارع؟ هل سينتهي كل هذا الخوف؟
لقد صرخت هذه المسلمة ولكن ما من إجابة!
ليس أمام المسلمين في الهند لمواجهة خيار ارتدادهم إلى الهندوسية أو إبادتهم سوى
مساندة أشقائهم المسلمين في العالم لهم، والضغط على الحكومة الهندوسية ومقاطعتها
اقتصادياً ومحاصرتها سياسياً حتى يأذن الله بأمر كان مفعولاً.
[1]
استقلت باكستان الشرقية في عام 1971م، ثم تؤسس دولة بنغلاديش بعد حرب شرسة لعبت
فيها الهند دوراً مهماً.