كازاخستان.. صراع الهوية والجغرافيا

لإحكام السيطرة على آسيا الوسطى ارتكزت الإستراتيجية السوفييتية وتمحورت حول تغيير الهوية لأبناء المنطقة، وتستبدل بها هوية مصطنعة قَبَلية وعرقية وعلمانية.


 «روسيا لن تسمح بثورات ملونة»

هذا ما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اجتماع عبر الفيديو لمنظمة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا، وجاء هذا الاجتماع في أعقاب الاحتجاجات العنيفة منذ مطلع العام الجديد وبالتحديد في الثاني من يناير الجاري، حين خرج المتظاهرون إلى الشوارع في غرب البلاد، للاحتجاج على ارتفاع أسعار الغاز النفطي المسال المستخدم في السيارات، قبل أن تتوسع رقعة المظاهرات وتنتقل بسرعة إلى مناطق أخرى من الدولة، بما فيها العاصمة الحالية نور سلطان، وأكبر مدن البلاد ألماتي، وفوجئ العالم بالانهيار السريع للأجهزة الأمنية، وحجم العنف الكبير من المحتجين.

ويقول بوتين في تصريحاته تلك، إن القوات الروسية والحليفة لها التي أرسلت إلى كازاخستان لمساندة السلطة فيها بعدما استهدفها ما أطلق عليه بوتين الإرهاب العالمي، ستغادر هذا البلد عند انتهاء مهامها.

في حين اتهم رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف في الاجتماع نفسه مقاتلين مسلحين بمحاولة تدبير انقلاب، مستغلين الاحتجاجات التي اندلعت على ارتفاع أسعار المحروقات. كما أكد أن سلطاته نجحت في استعادة السيطرة على الوضع.

ولكن أعمال العنف تلك وما صاحبها من تدمير وفوضى وما قيل عن تدفق جماعات مسلحة يمكن عدُّها غير مسبوقة في تلك الجمهورية ذات الغالبية المسلمة، بل هي الأسوأ منذ استقلال كازاخستان إثر انهيار الاتحاد السوفييتي قبل 30 عاماً، فقد قتل خلالها 164 شخصاً، واعتُقِل ثمانية آلاف آخرين في غضون يومين.

وهنا تثار تساؤلات عن أسباب تلك المظاهرات: 

هل ما حدث في كازاخستان كما يصوره الروس ومن دار في فلكهم هجوم إرهابي هجين، نتج عن مؤامرة من قوى داخلية وبعض القوى الخارجية؟

أم هي ثورات ملونة تطالب بمطالب اقتصادية واجتماعية تتركز في تحسين مستوى المعيشة وتخفيض الأسعار ومجرد التخلص من نخب سياسية فاسدة؟

أم كان ارتفاع أسعار الغاز القشة التي قصمت ظهر البعير، وهذه الاحتجاجات جاءت تنفيساً عن هوية شعب ضائع يجري طمسها لصالح مشاريع شرقية كانت أم غربية؟

أم أن ما حدث هو بداية انهيارِ وتصدُّع بنية سياسية وكيان دولة، تم زرعها وإيجادها في منطقة جيوسياسية تمثل تقاطعات وتصارع إستراتيجيات عالمية؟

لماذا سارعت روسيا للتدخل في كازاخستان في حين لم تفعل في المظاهرات والصدامات التي شهدتها جمهوريات سوفييتية سابقة مثل التي شهدتها مؤخراً أرمينيا؟ ولماذا تدخلت الخارجية الأمريكية وأعلنت أنها تراقب الوضع عن كثب؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تقودنا إلى البحث في أهمية دولة كازاخستان وأسباب تفجر الصراع من داخلها وحولها. وسيكون مدخلنا اقتراب الجغرافيا السياسية لكازاخستان والبنية السياسية لهذه الدولة.

كازاخستان الدولة:

تبلغ مساحة كازاخستان حوالي 2.7 مليون كيلو متر مربع، وحجمها هذا يماثل خمس مرات حجم فرنسا بل يقترب من مساحة أوروبا الغربية، كما تجعلها تلك المساحة الشاسعة أكبر دولة غير ساحلية في العالم، وتاسع أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، وفي الوقت نفسه تصنف على أنها أكبر دولة إسلامية مساحة.

ويحدُّ كازاخستان من الشمال الغربي والشمال روسيا، ومن الشرق الصين، ومن الجنوب قيرغيزستان وأوزبكستان وبحر آرال وتركمانستان، كما يحدُّ بحر قزوين المغلق كازاخستان من الجنوب الغربي.

ولكن هناك جانب ضعف لهذه الدولة بالرغم من المساحة الشاسعة يتمثل في الانغلاق الجغرافي، فهي المنطقة الأكثر بعداً عن البحار المفتوحة (200 كم عن البحر الأسود وعن الخليج)، وعن المحيطات (5000 كم عن الباسفيك). 

أما الضعف الثاني لكازاخستان فيتمثل في عدد السكان؛ فبالرغم من هذه المساحة الشاسعة فإن عدد سكانها أقل من 20 مليون نسمة، وهناك أجزاء كثيرة من أراضيها خالية تقريباً من السكان، ولنا أن نتصور إذا قارنَّا تعداد سكان كازاخستان بعدد سكان جيرانها خارج حدود آسيا الوسطى مثل إيران وروسيا وباكستان والهند والصين، فإن كازاخستان وسائر دول آسيا الوسطى ستبدو كفراغ حقيقي محاط ببقاع ممتلئة.

وكازاخستان دولة تقع بين أوروبا وآسيا، وتبلغ مساحة الجزء الأوروبي من البلاد ما يقرب من 20% من مساحة البلاد ولذلك تعدُّ دولةً أوراسية، وفي الوقت نفسه يصنفها الجغرافيون على أنها إحدى دول آسيا الوسطى بالرغم من أن هذه المنطقة تشغل الثلث الشمالي من قارة آسيا، التي تضم أيضاً طاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزيا وتركمانستان، ولكن كازاخستان هي أهم دول هذه المنطقة إذ تضم ثلثي أراضي آسيا الوسطى.

وقديما كان يطلق على منطقة آسيا الوسطى تركستان الغربية، وبعد أن ورث السوفييتُ القياصرةَ أصبحت تسمى تركستان السوفييتية، إذ يوجد أيضاً تركستان الشرقية التي احتلتها الصين وصار يطلق عليها تركستان الصينية وتعرف أيضاً باسم مقاطعة شينغ يانغ التي يتعرض فيها المسلمون للاضطهاد، ثم هناك تركستان الجنوبية التي يطلق عليها اسم تركستان الأفغانية، وهي حالياً منطقة في شمال أفغانستان، على الحدود مع جمهوريات آسيا الوسطى (تركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان)، وظلت حتى القرن التاسع عشر يطلق عليها مقاطعة تركستان، وكان مركزها مزاري شريف وتضم حالياً معها بلخ وقندوز وجوزجان.

وعموماً تركستان مصطلح تاريخي يتكون من مقطعين، ترك وستان ويعني أرض الترك، وهي الأرض التي بدأ توافد قبائل الترك عليها مطلع القرن الخامس الميلادي حتى شكلت تلك القبائل تدريجياً غالبية السكان بنهاية القرن السادس الميلادي، ثم انطلقت بعض هذه القبائل إلى المناطق الأخرى فاستوطنوا الأناضول وغيرها، وهذا يفسر الروابط العاطفية التي تجمع بين شعوب تركستان عموماً بالدولة التركية الحالية التي تتربع على هضبة الأناضول.

أما دولة كازاخستان فهي موطن لقبيلة الكازاخ التركية، والتي تعني بالتركية القديمة (الحر أو البدوي المستقل)، ونشأت دويلة (أو خانية باللغة التركية القديمة) خاصة بهم في الجزء الجنوبي الشرقي من كازاخستان الحالية في المدة من عام 1456م إلى عام 1847م، تحت اسم خانية الكازاخ.

ولكن الكازاخ منقسمة لبطون وفروع، ففي دراسة للباحث عمرو عبد الحميد مدير مركز الدراسات العربية الأوراسية، أوضح فيها أثر الانقسام القبلي بين الكازاخ على الاحتجاجات الحالية فيقول: إن الهياكل القبلية للشعب الكازاخي تكونت في غالبيتها من اتحاد قبائل الجوز التركية المنقسمة إلى ثلاث مجموعات رئيسية هي: (الجوز الأكبر، والجوز الأوسط، والجوز الأصغر)، والذي تتفرع منهم عدة عشائر مختلفة: عشيرة (تور) وهم أحفاد جنكيز خان، ومن لهم الحق الشرعي وَفْقَ التقاليد الكازاخية في الحكم والقيادة ويحملون لقب سلطان. وعشيرة (الخوجا) وهم أحفاد العرب الأوائل من علماء الدين الذين بشَّروا بالإسلام، ويتولى مركز القيادة فيهم الأشراف الذين يعتقد أنهم من نسل الحسن والحسين. وعشيرة (تولنغيت) وهي العشيرة التي نالت شرف خدمة سلاطين الكازاخ وقيادة قوات النخبة في الجيش. وعشائر سوناك وهم العرب الذين استوطنوا فيما تعرف الآن بكازاخستان بعد الفتح.

ينتمي الرئيس الأول لكازاخستان نور سلطان نزار باييڤ وخليفته قاسم جومارت توكاييڤ والحاشية المحيطة بهما، إلى عشيرة تور المتفرعة من قبيلة الجوز الأوسط وهو ما يفسر هيمنة تلك القبائل على السلطة والثروة منذ استقلال البلاد، يليهم في درجة النفوذ ذوو الأصول الروسية، في حين تتركز شعبية أغلب التيارات الإسلامية في غرب البلاد وجنوبها، حيث تهيمن قبائل الجوز الأصغر والأكبر، ومن هناك انطلقت الاحتجاجات الحالية.

اقتصادياً شكَّل النفط 21% من إجمالي الناتج الداخلي لكازاخستان عام 2020م، فأراضيها تضم حوالي 3% من احتياطي النفط العالمي، وينتج أبرز حقل نفطي في البلاد (تنغيز) ثلث الناتج السنوي لكازاخستان وتسيطر على 50% منه شركة شيفرون الأمريكية.

كما تعدُّ كازاخستان أكبر منتج لليورانيوم في العالم. وتنطوي أيضاً على كميات كبيرة من المنغنيز والحديد والكروم والفحم، كما تصنَّف كازاخستان على أنها أحد أهم منتجي القمح في العالم، وكذلك الصوف.

هذه الثروات مكنت كازاخستان من جذب أكثر من 150 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة منذ عام 1993م، والتي تشكل أكثر من 80% من إجمالي الاستثمارات في اقتصادات جميع بلدان آسيا الوسطى. وارتفع إجمالي الناتج المحلي للفرد في كازاخستان من 700 دولار في عام 1994م إلى ما يزيد على 9 آلاف دولار في عام 2010م، وتوقع البنك الدولي نموَّ الاقتصاد في العام التالي بنسبة تقترب من 4%، ولكن هذا التقدم لم يكن كافياً لتحقيق استقرار في هذه الدولة، فجنوب البلاد فقير إلى حد الجوع، وكما ترصد التقارير الصحفية فإن الفلاحين ينازعون من أجل البقاء، بينما الغرب الغني بالنفط ثري.

كازاخستان والتنافس الدولي:

يعرف السير (هالفورد ماكندر) بأنه والد الجغرافيا السياسية في العصر الحديث، ولا يشتهر بتأليفه أحد الكتب فقط، بل ترجع شهرته إلى مقالة واحدة بعنوان (المحور الجغرافي للتاريخ) التي نشرت في عدد أبريل 1904م من المجلة الجغرافية الصادرة في لندن، تمثلت نظرية  ماكندر في أن آسيا الوسطى من حيث مساعدتُها على تشكيل المنطقة المركزية لأوراسيا هي المحور الذي يعتمد عليه مصير الإمبراطوريات العالمية الكبرى، لأن أرضها الواقعة بين سلاسل الجبال  بطول وديان الأنهار يشجع صعود الإمبراطوريات، وموقعها يجعلها تتوسط الإمبراطوريات وليس مركزاً لها، فلذلك وبحسب ماكندر فإن الذي يسيطر على آسيا الوسطى فإنه يمكنه السيطرة على العالم.

تعدُّ آسيا الوسطى الحدود الجنوبية لروسيا، فكانت تاريخياً تمثل مع منطقة القوقاز المنطقة الفاصلة بين الدولة الروسية والعالم الإسلامي، فشهدت المنطقة صداماً مستمراً بين القوى المهيمنة على روسيا والدول الإسلامية المتاخمة لهذه المنطقة كدولة المغول المسلمة في الهند، أو الدولة العثمانية في الأناضول والقوقاز، وفي القرن التاسع عشر مع ضعف الكيانات الإسلامية تطور الصدام الروسي مع القوى الاستعمارية الصاعدة التي هيمنت على تلك المناطق مثل بريطانيا والصين، فالصين قد أحكمت سيطرتها على أراضي تركستان الشرقية، وبريطانيا قد استولت على كشمير وشمال الهند، في حين تمدد الروس إلى تركستان الغربية، فتصادمت القوى الثلاث في تقاطع آسيا الوسطى مع جنوب آسيا مع شرق آسيا، في منطقة جبال البامير التي يتم وصفها بسقف آسيا وأحياناً أخرى بسقف العالم حيث ارتفاع الجبال الأعلى في الأرض، وانتهت عام 1897م بسيطرة كاملة لروسيا القيصرية على منطقة آسيا الوسطى.

وفي القرن العشرين ورث الشيوعيون في روسيا تلك المنطقة، ولكنهم رأوا أن هناك ثلاثة تهديدات رئيسية تحول دون سيطرتهم الدائمة عليها وهي: الإسلام، وسيادة العرق التركي، وأخيراً الرغبة في الاستقلال ورفض الهيمنة الروسية. 

لذلك لإحكام السيطرة على آسيا الوسطى ارتكزت الإستراتيجية السوفييتية وتمحورت حول تغيير الهوية لأبناء المنطقة، وتستبدل بها هوية مصطنعة قَبَلية وعرقية وعلمانية.

فتم أولاً تقسيمها إلى خمس جمهوريات منفصلة بحدود مصطنعة وتثار بينها دائماً النزاعات؛ فقبائل الطاجيك أُلْحقوا في دولة أطلقوا عليها طاجيكستان، والأوزبك صنعوا لهم كيان أوزباكستان، والتركمان رسموا لهم حدود تركمانستان، وعرق القيرغيز تم تجميعهم في دولة قيرغيزستان، وأخيراً قبائل الكاراخ صنعت لهم دولة كازاخستان.

ويعترف رئيس كازاخستان السابق نور سلطان باييف بتلك الحقيقة فيقول: قبل عام 1991م، لم تكن هناك دولة كازاخستانية؛ نظراً إلى عدم وجود حدود مستقلة لها.

وتبع تقسيم الروس لآسيا الوسطى إلى خمس جمهوريات اشتعال الصراع بين هذه الدول على الحدود، وخير مثال على هذه المشكلة هو الصراع على تبعية وادي فرغانة، فقد نتج عن النزاع حولها أنها قُسِّمت بين ثلاث جمهوريات: أوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان.

كذلك عمل الروس على نشر الثقافة العلمانية بين أبناء المنطقة، ثم جاء تهجير الروس إليها وتهجير المسلمين منها بحيث أصبحت نِسَب الروس المنتشرين في منطقة آسيا الوسطى كالتالي: (37.8%) من عدد سكان كازاخستان، و (21%) من سكان قيرغيزستان، و (9%) من سكان تركمانستان، و (8%) من سكان أوزبكستان، و (8%) من سكان طاجيكستان، وفي إحصائية صدرت عام 1991م عشية استقلالها عن الاتحاد السوفييتي، كانت كازاخستان موطناً لأكثر من 130 جماعة عرقية، فضلاً عن أن المسلمين أصبحوا يمثلون حوالي ثلثي السكان.

لم يكن توسيع حدود كازاخستان وإغراقها أكثر من غيرها من جمهوريات آسيا الوسطى بالمهاجرين صدفة؛ بل كانت إستراتيجية متعمَّدة من قبل الزعيم السوفييتي ستالين، الذي أراد إقامة منطقة عازلة بين روسيا وبلدان آسيا الوسطى من خلال إنشاء دولة كبرى تسيطر على تلك الأراضي وتكون موالية لروسيا، ولذلك تبلغ الحدود بين البلدين ما يقرب من سبعة آلاف كيلو متر، وهي ثاني أطول حدود برية في العالم بين بلدين بعد الولايات المتحدة وكندا، اللتين تبلغ الحدود بينهما ما يقرب من تسعة آلاف كيلو متر.

ولتعزيز النفوذ الروسي، أنشأ الروس المحطة الفضائية العملاقة التي تشغِّلها وكالة الفضاء الروسية، وكحال قِطاعاتٍ كازاخستانية كثيرة تتعاطى معها روسيا كأنها شأن داخلي.

وهذا يفسر تمسُّك نظام كازاخستان بالبقاء داخل الاتحاد السوفييتي، وكانت آخر دولة أعلنت استقلالها عام 1991م عندما أدركت أن روسيا نفسها تخلت عنها.

وقد نتج عن ذلك أن أصبحت الهوية الضائعة، والحدود المصطنعة، والروس داخل هذه الجمهوريات مصادر مستمرة للتصدعات والأزمات، وهو ما صنع بنية سياسية هشة لدول المنطقة.

ولكن مع انهيار الاتحاد السوفييتي في أوائل تسعينيات القرن الماضي، يرصد تقرير لمؤسسة راند الأمريكية أن الإسلام - خصوصاً في بُعده الثقافي - ظل سمة متأصلة في هوية معظم السكان الأصليين في آسيا الوسطى.

في عام 1991م نالت كازاخستان استقلالها مع انهيار الاتحاد السوفييتي، وكان نور سلطان نزار باييف الرئيس السابق للحزب الشيوعي، البالغ من العمر 81 عاماً، أول رئيس للجمهورية، وحكم البلاد بقبضة من حديد حتى 2019م، ليسلِّم مقاليد السلطة إلى خَلَفه قاسم جومارت توكاييف بعد انتخابات مشكوك في نزاهتها، لكن المراقبين يُجمعون على أن الرئيس السابق نزار باييف ما يزال يدير دفة الحكم من الخلف.

وبلغت سطوة باييف أن سخَّر الثروة النفطية الهائلة لبناء عاصمة جديدة أطلق عليها أستانا، بدل مدينة ألماتي أكبر مدن البلاد، وأطلق عليها لاحقاً اسم نور سلطان تكريماً له.

ولكن باييف يواجه تهماً من شعب كازاخستان على رأسها تهم الفساد؛ ففي عام 2004م صنفت منظمة الشفافية الدولية كازاخستان في المرتبة (122) من إجمالي (146) بلداً حسب مستوى الفساد. وتشير تقديرات صحفية إلى أن نزار باييف يعدُّ واحداً من القلة الأخيرة في دول آسيا الوسطى التي احتلت منصباً في الاتحاد السوفييتي السابق، ونقل ما لا يقل عن عشرة مليارات دولار من عائدات النفط إلى حساباته المصرفية الخاصة في بلدان أخرى وتتحكم عائلته في شركات رئيسية أخرى في البلاد.

وفي إجراء موازٍ للفساد المالي والديكتاتورية السياسية، عمد نزار باييف إلى محاربة الهوية الإسلامية للشعب وإقبال الشباب المتزايد على الدين، ففي لقاء أجراه مع ممثلي المجلس الروحي للمسلمين في كازاخستان اقترح نزار باييف ضرورة حظر ما سماه إطلاق اللحى وارتداء النقاب بين أوساط الشباب والفتيات في كازاخستان.

ويشير مشروع مركز بيو الأمريكي للأبحاث واستطلاعات الرأي إلى وجود مستويات عالية من القيود الحكومية الدينية في قيرغيزستان وتركمانستان، ومستويات عالية جداً (وهي الدرجة الأسوأ على الإطلاق) في كازاخستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان.

وتشمل الممارسات المثيرة للقلق في هذه البلدان - كما بيَّنها مشروع بيو -: حظر الملابس الدينية في الأماكن العامة، ومنع الأطفال عن المساجد، واشتراط متطلبات تجعل من المستحيل تقريباً على الجماعات الدينية أن تعمل بصورة قانونية.

وعلى نهج الروس والأمريكان نفسه فقد حاولت حكومة كازاخستان تصوير حربها على الإسلام بأنها حرب على الإرهاب، ويرى الكاتب والإعلامي أحمد الهواس أن المخابرات الكازاخية هي من صنعت الإرهابيين كما صنعت العديد من أجهزة المخابرات الجماعات الإرهابية في العالم.

وبالإضافة لحرب الإرهاب تحاول روسيا تسويق قمعها لانتفاضة شعب كازاخستان على أنها مؤامرة أمريكية ضد رئيس معادٍ للغرب وموالٍ لروسيا، إنه السيناريو نفسه الذي حدث في سوريا وتبرير التدخل الروسي وتشريد السوريين وتهجيرهم من أرضهم، ولكن كازاخستان بالنسبة للروس ليست كسوريا، فكازاخستان أخطر بالنسبة لهم بكثير، فهي دولة مصطنعة في الأساس كحائط صدٍّ ضد المد الإسلامي الطبيعي القادم من آسيا الوسطى ومن الشرق إلى روسيا وأوروبا، فسقوط الحائط معناه انسياب مدٍّ لا يرضى عنه شرق ولا غرب، وهذا يفسر موقف أوروبا المتحفظ على إدانة مظاهرات كازاخستان، في حين تستخدمه أمريكا - كعادتها - ورقة ضغط على روسيا للتنازل في ملفات أخرى، ولذلك فإن روسيا ومن خلفها أوروبا ستقف وراء الحائط وستحاول ترميمه مهما أصابه من تصدعات وشقوق... ولكن ينسون أنه نور الله الذي لا تطفئه الأفواه ولا الجيوش ولا القمع ولا النار... والله غالب على أمره.

أعلى