«إرهاب العصابة الأسدية»

يورد الكاتب سجلاً توثيقياً لإرهاب النظام الحاكم لكثير من المعارضين لقمع العصابة الأسدية، وعمليات استهداف المعارضين من صحفيين وساسة بالقتل والترويع والسجن والتعذيب؛ وذلك منذ تولي حافظ الأسد الحك


اسم الكتاب: إرهاب العصابة الأسدية خارج سورية.

المؤلف: د. محمد الداخل.

سنة النشر: 1433هـ/ 2012م.

دار النشر: المؤسسة السورية للنشر والتوزيع.

الطبعة: الثالثة (مزيدة ومنقحة).

صفحات الكتاب: 114.

فاق إجرام النظام الحاكم في سورية كل الحدود في الثورة السورية الأخيرة، واتسم بنعرات طائفية وعصبية شديدة الحقد على الشعب السوري، حيث سلك النظام بأجهزة قمعه المختلفة من جيش ومخابرات وقوات أمن، أبشع الأساليب البربرية والوحشية لإخماد لهيب تلك الثورة؛ من ذبح للأطفال، وقتل للنساء، ودفن للناس أحياء، ناهيك عن اصطياد النشطاء من شباب الساحات الشعبية، وصنع مجاعات قمعية لقرى كاملة بغرض قتل تلك المقاومة التي لا يزال أوار لهيبها مشتعلاً صامداً رغم مرور أكثر من سنة على بداية الانتفاضة السورية.

وهذا الكتاب «إرهاب العصابة الأسدية خارج سورية» للدكتور «محمد الداخل»، والذي صدرت طبعته الثالثة منذ شهور قليلة؛ يعدّ وثيقة حية على عتاقة وقدم عهد هذا النظام السوري في حرب الاغتيالات والإجرام الموجَّه والخيانات منذ تولي آل الأسد حكم سورية، حيث يحكي سجلاً كاملاً للإرهاب السوري ضد جميع المقاومين لطغيان النظام السوري منذ بدايات التسعينيات، وقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 1981م، ثم صدرت نسخته الثانية مزودة بالسجل الجديد للإجرام السوري عام 2011م مع تجدد المقاومة السورية الشعبية في لهيب الثورات الأخيرة، ثم تم إصدار هذه الطبعة بعد شهور قليلة من نفاد الطبعة الثانية ورواجها.

يقول الكاتب في مقدمته لهذا الكتاب بشأن ما تضمنه من حقائق حول انتهاكات النظام الحاكم خارج الأراضي السورية: «إنه ليس إرهاباً سوريّاً.. فشعب سورية الطيب أخ وشقيق لكل العرب.. إنه إرهاب النظام الطائفي القرمطي خارج الحدود السورية فقط، وكما انتشر في الماضي الإرهاب القرمطي في كل الجزيرة العربية حتى وصل الكعبة المشرفة وقتل الحجاج وبقر بطون النساء، فإن الإرهاب الطائفي القرمطي الجديد يسلك نفس الدرب ولن ينكفئ وتبتلعه الأرض حتى يتضامن العرب كل العرب مع الشعب السوري المجاهد.. ألا هل بلغنا.. اللهم فاشهد..» ص 5.

عرض الكتاب:

يورد الكاتب سجلاً توثيقياً لإرهاب النظام الحاكم لكثير من المعارضين لقمع العصابة الأسدية، وعمليات استهداف المعارضين من صحفيين وساسة بالقتل والترويع والسجن والتعذيب؛ وذلك منذ تولي حافظ الأسد الحكم عام 1970م بانقلاب عسكري، حيث كان النظام الحاكم يبعث بسرايا اغتيالاته وراءهم إذا استطاعوا الخروج من سورية، ليتم قتلهم غيلة، وذلك في الدول التي لجؤوا إليها، بل العمل على تخويف الدول العربية الجارة بأساليب إرهابية ردعية عقاباً لها إذا لم تتسق سياساتها مع هوى النظام الحاكم، الحارس لحدود إسرائيل في هضبة الجولان منذ ما يزيد على أربعين عاماً!

وقد ختم الكاتب كتابه بمجموعة من الشهادات التوثيقية لما جاء في الكتاب من جرائم تحت عنوان «شهادات للتاريخ»، جمع فيها فقرات من كتاب السياسي كمال جنبلاط «هذه وصيتي» عن مسلسل التدخل السوري في لبنان، والذي تم اغتياله عام 1977م بتورط من المخابرات السورية، وكذلك بعض وقائع جلسات مجلس الأمة الكويتي والمجلس الاستشاري الأردني بعد التدخلات السورية الإجرامية في الكويت والأردن، وأيضاً وضعَ «بليوجرافيا» وشريطاً تاريخياً لمسلسل الاغتيالات والاختطافات والتخريبات منذ تولي عصابة الأسد حكم سورية.

اغتيال سليم اللوزي:

لعل من أهم العمليات التي قام بها نظام المخابرات السوري وأفظعها، هي محاولة الاغتيال الناجحة للصحفي اللبناني «سليم اللوزي»، رئيس تحرير مجلة الحوادث اللبنانية، وهو في طريقه من مطار بيروت إلى بيته، حيث اختطف ووجد بعد أيام في أحراش «هرمون» بتاريخ 4/3/1980 وقد هُشّم رأسه وحُرقت يداه حتى العظم التي كان يكتب بهما المقالات المنتقدة لتجاوزات النظام الحاكم في سورية وتدخلاته في لبنان.

وقد تم القبض على أحد العناصر الأمنية السورية الذي اعترف بأنه عذب سليم اللوزي بالكهرباء، وقام بإحراق يده التي كان يكتب بها؛ بناءً على أوامر قيادته العليا، وبعد تعذيبه تم اغتياله بدم بارد.

ولعل أسلوب كسر يد رسام الكاريكاتير «علي فرزات»، ونحر إبراهيم «القاشوش» واقتلاع حنجرته التي كان ينشد بها الأهازيج في الساحات الشعبية أثناء أحداث الثورة؛ يبيّن أن هذه الأساليب ليست بجديدة على النظام السوري بعد تتبع حالة الصحفي «سليم اللوزي» وغيرها من الحالات التي ذكرها الكاتب.

اغتيال بنان الطنطاوي:

لعل من أبرز الاغتيالات التي تورط بها النظام السوري الحاكم هو محاولة اغتيال القائد الإخواني والرمز الإسلامي الأستاذ «عصام العطار»، الذي انتخب رئيساً للإخوان عام 1961، كما انتخب نائباً لمدينة دمشق ورئيساً للجبهة الإسلامية في آخر برلمان سوري شرعي، وقد لجأ العطار إلى المعارضة للنظام السوري، وتم منعه من دخول البلاد عام 1964 بعد عودته من أداء فريضة الحج، فلجأ وأسرته إلى ألمانيا، وعاش هناك في مدينة «آخن» مديراً للمركز الإسلامي فيها.

وقد دبر النظام السوري محاولة لاغتياله وأفراد أسرته في يوم 17/3/1981، لكن لم يكن متواجداً في البيت ساعتها سوى زوجته «بنان الطنطاوي» ابنة الشيخ الجليل «علي الطنطاوي»، فتم إطلاق خمس رصاصات عليها أردتها شهيدة.

وقد علق الأستاذ «عصام العطار» على هذا الحادث الأثيم بعد تشييع جثمانها قائلاً: «اسمع مني.. لو قتلوا أفراد أسرتي فرداً فرداً تحت عيني، ولو قتلوني ألف مرة ثم عدت إلى الحياة، لتابعت الجهاد في سبيل الله».

مسلسل الاغتيالات:

وكما دبّر النظام السوري قتل الصحفي «سليم اللوزي»، دبّر أيضاً سلسلة من الاغتيالات لكبار الصحفيين والسياسيين، وعلى رأسهم نقيب الصحفيين اللبنانيين «رياض طه»، الذي اغتيل صباح يوم 23/7/1980م، وذلك بعد أقل من خمسة أشهر فقط من اغتيال سليم اللوزي.

وهذا الاغتيال جاء بعد يومين فقط من اغتيال «صلاح البيطار»، أحد مؤسسي حزب البعث والخارجين عن نظام الأسد، وذلك في باريس.

وبعد أسبوع واحد من اغتيال «البيطار» اغتيل «عبدالوهاب البكري»، والذي كان ذنبه أنه كان قاضياً عسكرياً عام 1962 وقام وقتها بالتحقيق مع عدد من الضباط المتآمرين من بينهم «حافظ الأسد»، وذلك في الأردن.

واستمرت سلسلة الاغتيالات، ففي يوم 28/7/1980 اغتيل «موسى شعيب»، أحد قادة حزب البعث في لبنان، حيث عمدت سرايا دفاع النظام السوري لاغتياله لمعارضته النظام.

وفي يوم 30/7/1980 قامت نفس العصابات باغتيال «علي الزين»، قيادي في حزب البعث. وفي 29/5/1981 تم اغتيال «عدنان سنو»، عضو بحزب البعث في بيروت، بمسدس كاتم للصوت.

وبتاريخ 1/10/1981 تم اغتيال الطالب «محمود ودعة» في يوغسلافيا، حيث كان يدرس هناك الهندسة الميكانيكية، وكان يندد بالمجازر التي يرتكبها النظام الأسدي بحق الإخوان المسلمين في مدينة حماه وقتها وسط الطلاب العرب والسوريين هناك، فتم إطلاق رصاصة عليه من الخلف أردته قتيلاً.

وفي 22/11/1982 تم اغتيال الداعية نزار أحمد الصباغ، إخواني الانتماء، وذلك في إسبانيا التي لجأ إليها بعد التضييق عليه من المخابرات السورية، واستطاع هناك تأسيس نظام دعوي إسلامي، كما أقام أول اتحاد للطلبة المسلمين في إسبانيا، وترجم العديد من الكتب الإسلامية للغة الإسبانية، كان آخرها «حياة محمد»، عبر دار للترجمة والنشر أنشأها في إسبانيا، وأسهم في ترجمة معاني القرآن الكريم للغة الإسبانية.. وقد تم اغتياله وهو في طريقه للمركز الإسلامي ببرشلونة، حيث أطلق عليه الرصاص، وأشارت التحقيقات إلى تورط عناصر سورية في اغتياله.

إرهاب على الساحة العربية:

أرسل النظام السوري عديداً من المجموعات التخريبية إلى البلاد العربية بغرض تنفيذ عمليات إجرامية في تلك البلدان؛ لترهيبها وتخويفها وابتزازها.

ولعل من أبرز تلك العمليات التي كشفت للعيان: عملية جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت في 17/11/1980، وإلقاء متفجرة على مطعم «يا مال الشام» الذي يملكه سوري معارض في دبي بالإمارات في 1/3/1981، ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء الأردني «مضر بدران» في 25/2/1981، واكتشاف أسلحة ومتفجرات وسموم في السفارة السورية ببغداد في 18/8/1980، ومصادرة السلطات الأردنية شاحنة كانت تقل أسلحة و50 ألف طلقة رصاص كانت في طريقها لمعرض الفاكهة في الرياض بالمملكة العربية السعودية في 29/6/1981، إلى جانب خطف القائم بالأعمال الأردني في بيروت «هشام المحيسن» في 6/2/1981.

كما أذاعت الإذاعة التركية في 23/5/1981 خبر ضبط أسلحة روسية مرسلة من سورية إلى تركيا تتضمن قاذفات صواريخ ومدافع مضادة للطائرات ومخازن ذخيرة وبنادق كلاشينكوف، وقد علقت جريدة «صون حوادث» التركية على هذا الحادث بقولها: «إن هذه الأسلحة في حقيقتها لم توجه إلا لضرب الشعب التركي نفسه بنفسه ولتجزئته وتقسيم تركيا، وهذا ما يدعونا للجزم بأن لسورية ضلعاً في دخول هذه الأسلحة لتحقيق أحلام روسيا في المنطقة»!

سورية في لبنان:

لعل الملف السوري في لبنان من أعقد الملفات الدولية وأشدها تداخلاً وتشابكاً، فالنظام السوري فرض الوصاية على لبنان منذ أمد بعيد، ولا يقبل بأي تدخلات قد تحد من سيطرته، أو تعوق حرية حركة سرايا دفاعه واغتيالاته المنتشرة في لبنان منذ بدايات التسعينيات.

ولعل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14/2/2005 في انفجار ضخم لسيارته ببيروت هو و22 من مرافقيه والمارة، وذلك رداً على تدخلات الحريري لإصدار القرار الأممي رقم 1559 القاضي بمنع أي تدخلات دولية في لبنان، وانسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان، ومن ثم انسحاب النظام السوري من لبنان بموجبه.

وفي مقابلة لعبدالحليم خدام - وزير الخارجية السورية الأسبق - مع قناة العربية، جاء فيها بيان للانتقادات والضغوطات التي مورست على حكومة الحريري في لبنان من قبل النظام السوري، حيث قال: «في لقاء فريد من نوعه لرفيق الحريري مع بشار الأسد، قال الأخير مخاطباً الأول: أنت تريد أن تأتي رئيساً للبنان.. أنت تريد كذا.. أنا لا أسمح لك، سأسحق كل من يحاول أن يخرج عن قرارنا..!!».

وقد تم تدبير شريط مفبرك من المخابرات السورية، وتم إرساله إلى مدير مكتب الجزيرة في بيروت، لإيهام الإعلام بتورط عناصر مسلحة ذات صبغة إسلامية في قتل الحريري.

وهم المقاومة:

أشار كثير من السياسيين إلى وهم المقاومة السورية للعدو الصهيوني، وأسطورة عدم التهاون في شبر من الأرض السورية وهضبة الجولان، فقد أثبتت شهادات التاريخ أن القادة السوريين أنفسهم وعلى رأسهم الأسد هم من سلموا هضبة الجولان دون أن يطلقوا رصاصة واحدة على جيش الاحتلال الصهيوني، بل الأدهى وجدناهم يوجهون رصاصهم وصواريخهم إلى صدر الشعب السوري الأعزل كما رأينا في أحداث الانتفاضة السورية بدلاً من أن يوجهوها للعدو الذين يدّعون مقاومته!

يقول «كمال جنبلاط» في كتابه «هذه وصيتي» مندداً بتسليم الأسد مرتفعات الجولان: «ولو كان لديهم - قبل هذه الأيام أي في عام 1967 - شيء من الروح الثورية أو روح المغامرة أو لنقل أنه لو كان لديهم شيء من المتطلبات الثورية، لحولوا الجولان إلى (فردان) عربية مدوية بأصداء أسطورية وتاريخية، بدلاً من أن تنتهي بالانسحاب من التحصينات التي كان يمكنها أن تصمد شهوراً، انسحاباً يوشك أن يكون بغير قتال!!».

وقال ممثل حركة فتح في الكويت «سليم الزعنون» في مؤتمر صحفي بالكويت عام 1976: «إن الهدف من احتلال السوريين لمنطقة «العرقوب» في جنوب لبنان هو إبعاد المقاومة عن خط التماس مع إسرائيل.. ولا يستبعد أن يكون من أهدافها أيضاً المشاركة عملياً في تجزئة المنطقة طائفياً».

العصابة الأسدية:

ذكر الكاتب - في نهاية كتابه - الملف الأسود لأفراد العائلة الأسدية المتورطين في الجرائم الدولية، والجرائم على الشعب السوري، وعلى رأسهم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، إلى جانب أخيه رفعت الأسد المتورط في مذبحة حماه عام 1982، هو واللواء آصف شوكت زوج بشرى الأسد شقيقة بشار الأسد، والذي يعدّ المحرك الرئيسي للاستخبارات العسكرية السورية، وقائد عمليات الاغتيال الكبرى (تم اغتياله مؤخراً).

وكذلك اللواء رستم غزالة، رئيس جهاز الأمن والاستطلاع للقوات السورية العاملة في لبنان، والذي أشرف على العمليات العسكرية في درعا برفقة ماهر الأسد واللواء علي مملوك.

واللواء بهجب سليمان، والذي يعد أحد أهم المطلوبين في قضية اغتيال الحريري، وتم ذكر اسمه في تقرير «ميلييس»، والذي يعرف بأنه مؤدب أولاد الأسد من باسل إلى بشار إلى ماهر، إلى درجة أنه كان مسؤولاً عن تعليمهم أبسط الأشياء في الحياة اليومية!

أما العميد محمد سليمان فهو المسؤول الأول عن العلاقات العسكرية مع إيران وحزب الله، ومسؤول عن حركة التنقلات والإقالات داخل القوات المسلحة الحاكمة.

ويدعو الكاتب في نهاية كتابه إلى انتباه الدول العربية لإجرام ذلك النظام الطائفي السوري، صاحب الملف الإجرامي الفظيع في سورية وخارجها، وعزله دولياً؛ تمهيداً لنزعه من سورية، والخلاص من ذلك الورم السرطاني الذي نخر لسنوات طويلة في جسد الأمة السورية والعربية.

:: مجلة البيان العدد 304 ذو الحجة 1433هـ، أكتوبر-نوفمبر 2012م.

::  "البيان" تنشر ملف شامل ومواكب لأحداث الثورة السورية

 

أعلى