• - الموافق2026/03/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
طالبان وباكستان.. الأزمة والحل

كيف اندلعت حرب بين طالبان وباكستان رغم أن الأخيرة كانت الداعم الأبرز للحركة لعقود؟ وهل يكمن السبب في خلاف حدودي قديم، أم في شبكة معقدة من الحسابات الجيوسياسية وصراعات القوى الإقليمية التي تدفع البلدين نحو مواجهة مفتوحة؟


ما يجري الآن لم يكن تصوُّره قبل بضع سنوات! مَن يمكنه أن يُصدِّق أو يتخيَّل أن تندلع حرب بين أفغانستان بقيادة حكومة طالبان وبين الجيش الباكستاني والذي تولَّى رعايتها بعد ولادة الحركة، ومِن ثَم ساعدها في الوصول إلى حُكم كابول، وحتى بعد سقوط طالبان في أعقاب الغزو الأمريكي، كانت باكستان الداعم الوحيد لها في قتالها للاحتلال الغربي بقيادة الولايات المتحدة لأراضيها طيلة عشرين عامًا.

ولكن ماذا حدث بين الأشقاء؟

منذ أكثر من سنة، بدأت الغيوم تتجمّع في سماء العلاقة بين البلدين لأسباب عديدة، ونشبت عدة اشتباكات حدودية.

وبدأ التصعيد يأخذ شكلًا جديدًا في شهر فبراير من هذا العام، عندما شنَّت باكستان غارات جوية على أهداف في أفغانستان (مثل: مقاطعات ننغرهار وبكتيكا وخوست)؛ لاستهداف معسكرات طالبان باكستان، كردّ على هجمات مُسلَّحة داخل باكستان.

بعدها بخمسة أيام، أطلقت أفغانستان (طالبان) هجومًا واسع النطاق فيما بدا أنه انتقامي على مواقع عسكرية باكستانية على طول خط ديورند، وهو الخط الذي يفصل الحدود بين الدولتين، مما أدَّى إلى ردّ باكستاني فوري بغارات جوية على كابول وقندهار وبكتيكا، وإعلان وزير الدفاع الباكستاني ما أطلق عليه «حالة حرب مفتوحة»

وفي الوقت نفسه، بُذلت جهود وساطة من قطر والأمم المتحدة لوقف إطلاق النار، لكن لم يُتوصَّل إلى اتفاق نهائي حتى اللحظة، والوضع لا يزال متوترًا جدًّا دون علامات واضحة على انتهاء فوري، بل وَضْع أشبه بالتهدئة.

ونعود للأسئلة التي يجب طرحها حول هذا الموضوع؛ أولها: هل يمكن وصف تلك الاشتباكات بأنها حرب أم أنها مجرد اشتباكات حدودية بين الدولتين؟

باكستان نفسها أعلنت رسميًّا أنها في حالة حرب مفتوحة مع أفغانستان؛ حيث وصف وزير الدفاع الباكستاني «خواجة واصف» صراحةً ما جرى قائلًا: إن «صبر باكستان نفد الآن، وأصبحت الحرب مفتوحة بيننا وبينكم»؛ ردًّا على الهجمات الأفغانية.

وهذا ما درجت عليه عدة مصادر إعلامية موثوقة (مثل رويترز، الجزيرة، نيويورك تايمز، سي إن إن)، والتي وصفت الصراع الحالي باسم «حرب أفغانستان-باكستان 2026»، وتعتبره مستمرًّا منذ 21 فبراير الماضي حتى الآن، ولكن أنباء تلك الحرب توارت إعلاميًّا بسبب القصف المتبادل بين إيران والتحالف الأمريكي الصهيوني.

ومع ذلك، فإن أحد أشهر مراكز البحث والتحليل الأمريكي، وهو مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS، وصحيفة لوموند الفرنسية، يرى كل منهما أن الاشتباكات لا تزال محدودة على الحدود، وأنه من الصعب تحوُّل الأمر إلى حرب برية واسعة، لكنّ التصنيف الرسمي والإعلامي يميل إلى اعتبار ما يحدث حربًا مفتوحة أو صراعًا مسلحًا مستمرًّا.

ويبقى السؤال الأهم هو: ما أسباب القتال الذي نشب بين البلدين؟ وهل تلك الأسباب تقتصر على مشكلات داخلية بين البلدين؟ أم أن الأمر يتعدّاها إلى عوامل خارجية، بتدخل أطراف من دول لها حساباتها وأجندتها ومصالحها في نشوب الحرب بين الدولتين؟

لتحليل تلك الأسباب، وفَهْم الصراع الحالي، لا بد من تطبيق أربعة مستويات من الاقترابات للإحاطة الشاملة بجميع العوامل المؤثرة في هذا الصراع:

أولًا: منظور الجغرافيا السياسية: حيث تبرز ثلاثة معطيات رئيسة في هذا الصدد، وهي خط الحدود، والممرات الجبلية، وتداخُل قبائل البشتون.

ثانيًا: المنظور التاريخي: لتتبُّع تحوُّل العلاقة من التحالف الإستراتيجي إلى الصدام الوجودي.

ثالثًا: مستوى التنافس الإقليمي: لفهم دور الجيران، خاصةً الهند والصين.

رابعًا: مستوى المشاريع المتنافسة في المنطقة.

وسنحاول استخدام المستويات الأربعة السابقة في تحليل أسباب اندلاع الصراع بين البلدين.

العامل الجيوسياسي

انفجر الصراع الأفغاني الباكستاني هذا العام نتيجة تناقض جيوسياسي مثلث الأضلاع؛ حيث تُصِرّ باكستان على تحويل الحدود بين الدولتين والتي يُطلق عليها (ديورند) إلى واقع سياسي صلب، بينما تستغل الجماعات المسلحة وُعورة الممرات الجبلية لإبطال مفعول هذا الواقع أمنيًّا، مستندةً إلى حاضنة شعبية من البشتون الذين يرفضون جغرافيًّا الانفصال عن امتدادهم العِرْقي. هذا التداخل يجعل من الجغرافيا سببًا للحرب وأداة لإدارتها في آنٍ واحد.

يُعدّ (خط ديورند) اللُّغز الجيوسياسي الأكبر في منطقة جنوب آسيا، وهو القنبلة الموقوتة التي زرعها الاحتلال البريطاني، وانفجرت مرارًا في وجه الحكومات الأفغانية والباكستانية المتعاقبة، وصولًا إلى الصراع الحالي.

وقد رُسِمَ هذا الخط عام 1893م، بناءً على اتفاقية بين السير مورتيمر ديوراند (وزير الخارجية في حكومة الهند البريطانية آنذاك)، والأمير الأفغاني عبد الرحمن خان.

كانت بريطانيا حينها تخشى تمدُّد الإمبراطورية الروسية نحو الهند، فيما عُرف باللعبة الكبرى.

هذا الخط يمتد لمسافة 2640كم، ويمرّ عبر مناطق جبلية وعرة جدًّا، ولم يكن رسم الخط عشوائيًّا، بل استهدف تحقيق ثلاث غايات إستراتيجية لبريطانيا:

1-إنشاء منطقة عازلة لتأمين الهند البريطانية؛ بجَعْل جبال هندوكوش حاجزًا طبيعيًّا أمام أيّ غزو روسي مُحتمَل.

2-إستراتيجية فَرِّق تَسُد البريطانية المعروفة؛ فالخط تعمّد شقّ قلب أرض البشتون إلى جزأين؛ بحيث يقع جزء منهما تحت السيطرة البريطانية (باكستان حاليًّا)، والجزء الآخر في أفغانستان، فكان الهدف هو إضعاف القبائل البشتونية المحاربة عبر تشتيت ولائها الجغرافي والسياسي.

3-إضعاف أفغانستان بحرمانها من الوصول إلى الموانئ البحرية أو المناطق السهلية الخصبة، وإبقاؤها دولة حبيسة تعتمد دائمًا على الممرات التي تسيطر عليها بريطانيا ثم باكستان لاحقًا.

بالنسبة لباكستان، يُعدّ خط ديورند حدودًا دولية نهائية ومعترفًا بها، وتستند باكستان إلى مبدأ توارث الدول للمعاهدات، معتبرةً أنها الوريث الشرعي لبريطانيا في هذه الأرض.

وقد قامت باكستان في السنوات الأخيرة بتسييج 95% من الخط بالأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة.

وتسعى باكستان لترسيخ هذا الخط كواقع جغرافي لمنع تسلّل مسلحي طالبان باكستان، ولإجبار «كابول» على الاعتراف بالحدود مقابل تقديم تسهيلات اقتصادية.

بينما يدور موقف طالبان من خط الحدود هذا حول الرفض من منطلقات فكرية؛ فهي تصفه بالخط الاستعماري الذي يُمزّق العوائل والقبائل؛ حيث تسمح طالبان بحرية الحركة لمقاتلي القبائل عبر الحدود، وتعتبر السياج الباكستاني اعتداءً على سيادة أفغانستان.

وقد قام مقاتلو طالبان مرارًا باقتلاع أجزاء من السياج الحدودي، معتبرين أن أرض البشتون وحدة واحدة لا تقبل القسمة، وهو ما أدَّى لاندلاع شرارة الحرب الحالية.

أما العنصر الثاني في العامل الجيوسياسي للصراع فهو الممرات الجبلية بين البلدين.

فهناك أربعة ممرات جبلية بين البلدين وهي:

1- ممر خيبر، وهو الممر الأشهر والأكثر أهمية إستراتيجية، ليس بين البلدين فقط، بل في العالَم؛ حيث يربط بين مدينة بيشاور الباكستانية ومدينة جلال آباد الأفغانية وصولًا إلى كابول.

ويُعرَف ببوابة الغزاة؛ منه عبر الإسكندر المقدوني والمغول والبريطانيون.

أما حاليًّا فهو الشريان الرئيسي لتجارة الترانزيت، وإغلاق هذا الممر مِن قِبَل باكستان يعني خنق العاصمة الأفغانية اقتصاديًّا، بينما يمثل السيطرة عليه أمنيًّا تحديًا كبيرًا بسبب طبيعته التضاريسية التي تسمح بنصب الكمائن.

2- ممر بولان، ويقع في الجنوب ويربط بين مدينة كويتا عاصمة بلوشستان الباكستانية ومنطقة قندهار الأفغانية.

وتكمن أهميته أنه تاريخيًّا كان المسار المُفضَّل للقوافل التجارية القادمة من شبه القارة الهندية نحو آسيا الوسطى.

وفي الصراع الحالي، تكمن خطورته في تداخُله مع الملف البلوشي؛ حيث تَستخدمه الجماعات المسلحة سواء طالبان باكستان أو الانفصاليون البلوش للتنقل بين البلدين، فالسيطرة على هذا الممر تعني السيطرة على جنوب أفغانستان بالكامل.

3- ممر واخان، وهذا ليس مجرد ممر، بل هو لسان أرضي جبلي ضيّق يقع في أقصى شمال شرق أفغانستان، يمتد ليصل إلى الحدود الصينية.

ويمثل هذا الممر كابوسًا أمنيًّا لباكستان؛ لأنه يُمثّل طريقًا محتملًا لتهريب الأسلحة أو انتقال المسلحين بعيدًا عن الرقابة العسكرية المكثّفة في المناطق الوسطى.

4- ممر غومال، وهو يربط بين جنوب وزيرستان في باكستان، وإقليم بكتيكا في أفغانستان.

وهو ممر قَبَلي بامتياز؛ تسلكه قبائل البشتون الرُّحَّل في تنقلاتهم الموسمية.

في الصراع الحالي، تعجز الدولة الباكستانية عن السيطرة الكاملة عليه بسبب وعورته الشديدة، مما يجعله الممر المُفضّل لتسلل عناصر حركة طالبان باكستان بعيدًا عن أعين الطائرات المُسيّرة الباكستانية.

ونظرًا للطبيعة الجغرافية لهذه الممرات (كهوف، منحدرات حادة)، الأمر الذي يجعل من التفوق الجوي الباكستاني (بالطائرات والمسيرات)، محدود الأثر في حَسْم المعركة بريًّا.

من يسيطر على مداخل هذه الممرات يسيطر على أسعار السلع الأساسية في كابول، وهو ما تم استخدامه بالفعل مِن قِبَل باكستان في إغلاق الممرات كأداة حرب اقتصادية بديلة عن المواجهة العسكرية المباشرة.

إستراتيجيًّا هذه الممرات تجعل من السياج الحدودي الذي بنته باكستان مجرد وهم في بعض النقاط؛ حيث تُوجد مئات المسارات الجبلية الفرعية التي لا تعرفها إلا القبائل المحلية، والتي تجعل الحدود مخترَقة، وغير قابلة للإغلاق الكامل.

أما البُعد الثالث في تأثير الجغرافيا السياسية على الصراع الحالي، فهو قبائل البشتون؛ حيث الجغرافيا البشرية العابرة للحدود.

تشير الإحصاءات، أن هناك 50 مليون بشتوني مقسمون بين الدولتين، ولكن للمفارقة ٧٠٪ منهم يقطنون في الجانب الباكستاني، والبقية في أفغانستان.

هذا الأمر يصنع ولاءً مزدوجًا؛ حيث تتصادم الجغرافيا البشرية مع الجغرافيا السياسية.

وتستخدم أفغانستان هذا الثقل الديموغرافي داخل باكستان كأداة قوة ناعمة وورقة ضغط داخلية.

لذلك عندما تشنّ باكستان عمليات عسكرية في مناطق البشتون الحدودية، فإنها لا تُواجه مقاتلين فقط، بل تُواجه بيئة حاضنة تمتدّ جذورها داخل أفغانستان، فالصراع هنا هو صراع على الولاء؛ هل هو للدولة (باكستان -أفغانستان)، أم للعِرْق والجغرافيا المشتركة.

أضف إلى ذلك التعاون الغريب الذي نشأ بين طالبان الإسلامية وبين حركة تحرير بلوشستان العلمانية.

فقد نشر فريق الدعم التحليلي ورصد الجزاءات التابع للأمم المتحدة تقريرًا مرفوعًا لمجلس الأمن، يُحلّل فيه فترة ما بين أعوام (2023- 2025م)، وذكرت اللجنة فيه، أن جماعات مثل جيش تحرير بلوشستان لا يزال يعمل من داخل الأراضي الأفغانية. وأشار التقرير إلى أن طالبان لم تكتفِ بمنحهم الملاذ، بل إن هناك تنسيقًا ميدانيًّا متزايدًا بين الجماعات البلوشية وحركة طالبان باكستان تحت مظلة وبمباركة من قيادات في طالبان أفغانستان.

المستوى التاريخي

يمكن التوقف عند محطات مهمة في تاريخ العلاقة بين حركة طالبان وباكستان:

المحطة الأولى: عند نشأة الحركة

نشأت طالبان كحركة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في قندهار عام ١٩٩٤م، ووجدت فيها المخابرات الباكستانية ضالّتها المنشودة، فتبنَّت الحركة، وحوَّلتها من طلبة عِلْم يتزعمهم الملا عمر، يقيمون الحدود في منطقة صغيرة، إلى جماعة مسلحة تقود دبابات وطائرات، وتمتد وتزحف إلى الولايات الأفغانية بسهولة، وفي فترة أقل من سنتين دخلت الجماعة كابول لتعلن قيام الإمارة الإسلامية.

كان الهدف الباكستاني الرئيسي لدعمها لطالبان، في تحويل أفغانستان كحديقة خلفية لها لتأمين ظهرها في صراعها الأبدي مع الهند، ومنع الفوضى التي سادت أفغانستان واقتتال الجماعات هناك، والتي سبقت حكم طالبان من أن تمتد إلى باكستان.

بعد سيطرة طالبان على حكم أفغانستان؛ تولّت باكستان مهمة تسويق الحكومة الأفغانية دوليًّا، ومحاولة إدماجها في النظام العالمي.

المحطة الثانية: بعد ١١ سبتمبر

في أثناء هجمات القاعدة على أمريكا، ومصادفةً! كان الجنرال محمود أحمد قائد المخابرات الباكستانية يتناول الشاي صباحًا في إفطار مع عدد من أعضاء الكونجرس في مبنى الكابيتول، شارحًا لهم أهمية التعاون مع حكومة طالبان.

ولكن بتلك الهجمات، انهارت جهود باكستان، بل أصبحت مُطالَبة مِن قِبَل الولايات المتحدة بوقف الدعم الباكستاني لحكومة طالبان، بل والمشاركة مع التحالف الدولي في قصف الحركة وإجبارها على تسليم زعماء القاعدة.

وسرعان ما عاد الجنرال أحمد إلى الوطن مُحمّلًا بالمطالب الأمريكية، ومنها تبليغ الملا عمر بضرورة تسليم قيادات القاعدة، وعلى رأسها أسامة بن لادن.

تظاهرت باكستان بالموافقة على المطالب الأمريكية، ولكنها في حقيقة الأمر لم يتوقف دعمها سرًّا لطالبان، حتى إن الجنرال أحمد ذهب إلى قندهار ليُبلِّغ الملا عمر بضرورة تسليم «بن لادن» وفق الاتفاق الأمريكي معه، ولكنه كان حريصًا في مقابلته على الانفراد به.

وكما تقول رواية صحيفة واشنطن بوست فقد تسربت إلى المخابرات الأمريكية نصيحة الجنرال الباكستاني إلى الملا عمر الذي طلب منه النصيحة، فنصحه الجنرال بعدم تسليم «بن لادن»؛ لأن أمريكا في كل الأحوال عازمة على إسقاط حكم طالبان، وتزامنت هذه النصيحة مع كشف أمريكا عن وصول قافلة مُحمّلة بالسلاح من باكستان إلى طالبان، الأمر الذي اضطر الرئيس الباكستاني حينها إلى عزل صديقه رئيس المخابرات محمود أحمد ككبش فداء.

المحطة التاريخية الثالثة: الملاذ الآمن

حرصت باكستان على توفير ملاذ آمِن لطالبان في حرب العصابات المريرة التي خاضتها ضد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان طيلة عشرين عامًا، وتحمّلت باكستان جراء ذلك، القصف المتوالي من المُسيّرات الأمريكية والتي لاحقت مقاتلي طالبان وقياداتهم في الأراضي الباكستانية.

وبلغ الحرص الباكستاني على إنجاح طالبان، ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز في عام ٢٠٠٧م، من أن المخابرات الباكستانية اعتقلت عددًا من مجلس قيادة الحركة، والذين مدّوا الجسور من خلف ظهر باكستان مع حكومة «قرضاي» العميلة لأمريكا في «كابول» لتقاسم الحكم معها.

وهذا الأمر جعل الإدارات الأمريكية المختلفة في عهد بوش الابن وأوباما وترمب يُحمِّلون باكستان مسؤولية فشلهم في أفغانستان، ويُهدّدوها بالويل والثبور.

المحطة التاريخية الأخيرة: بدء الخلافات

مالت باكستان إلى إدماج فصيل شبكة حقاني داخل طالبان، وانتهى الحال بعد تحرير أفغانستان إلى تقاسم المناصب العسكرية بينه وبين مجموعة الملا محمد يعقوب ابن الملا عمر الأكبر عددًا، بعد حدوث اقتتال قصير بين الطرفين عشية دخول «كابول»، الأمر الذي استدعى وصول رئيس المخابرات الباكستانية إلى المدينة، ورعايته لاتفاقٍ بين الطرفين، تولّى بمقتضاه الملا يعقوب وزارة الدفاع، وتولّى سراج حقاني وزارة الداخلية، واعتزل الملا عبد الغني برادر رئيس المكتب السياسي المناصب، ولا يزال يوجد تأثير كبير لقائد طالبان هبة الله خوند الموجود في قندهار.

ولكن النزاع بين التيارات داخل طالبان أثَّر على النفوذ الباكستاني، بعد اتهام التيارين الأكبر عددًا وتأثيرًا؛ -وهم تيار وزير الدفاع الملا يعقوب، وتيار أمير الحركة الملا هبة الله- باكستان بالانحياز إلى فصيل حقاني.

الصراع الاقليمي 

لم تكن دول الإقليم المجاورة للبلدين مجرد مراقب لما يحدث من توتر بين الدولتين، بل لعبت أدوارًا تتراوح بين التحريض غير المباشر، أو تصفية الحسابات بالوكالة، أو الضغط لفرض واقع أمني جديد.

وأكثر الدول المحيطة بالبلدين تأثيرًا هما: الصين والهند، ثم يأتي الكيان الصهيوني.

١-الصين

تُعدّ الصين اللاعب الأكثر تأثيرًا وتعقيدًا في معادلة الصراع بين أفغانستان وباكستان.

فبينما تسعى الصين تقليديًّا للاستقرار، إلا أن مصالحها الجيوسياسية الضخمة دفعتها لاتخاذ مواقف ساهمت بشكل غير مباشر في تشكيل ملامح الحرب الحالية.

فباكستان هي العمود الفقري لمبادرة الحزام والطريق الصينية عبر الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، والذي استثمرت فيه بكين أكثر من 65 مليار دولار.

وهنا ترى الصين أن عدم استقرار الحدود الأفغانية وتسلّل المسلحين (مثل جيش تحرير بلوشستان وحركة طالبان باكستان) يُهدّد أمن المهندسين الصينيين والبنية التحتية للممر الاقتصادي.

وفي مطلع العام الحالي، مارست الصين ضغوطًا صامتة وشديدة على باكستان لتطهير المناطق الحدودية. هذا الضغط كان المحرّك الأساسي الذي دفَع الجيش الباكستاني لشنّ عمليات عسكرية واسعة، ما أدّى لصدام مباشر مع طالبان أفغانستان التي رفضت المساس بملاذات حلفائها.

٢-الهند

وصف المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS)، عام 2025م بأنه شهد تحولًا جذريًّا في العلاقات بين الهند وأفغانستان؛ حيث أعادت الهند فتح سفارتها في «كابول» في أكتوبر من هذا العام، واستقبلت وزير خارجية طالبان أمير خان متقي في نيودلهي.

فالدور الهندي في الصراع بين البلدين يتلخص في ثلاث نقاط:

أولًا: المستوى السياسي: توفير بديل دبلوماسي لطالبان لتقليل اعتمادها على باكستان.

ثانيًا: المستوى الإستراتيجي: استغلال النزاع لتشتيت انتباه المؤسسة العسكرية الباكستانية عن الحدود الشرقية مع الهند.

ثالثًا: المستوى الاقتصادي: إيجاد مسارات تجارية بديلة تخنق النفوذ الجيوسياسي الباكستاني في أفغانستان.

3-الدور الصهيوني

في هذا الإطار يُثار تساؤل: هل الحرب بين باكستان وطالبان لها علاقة بمحاولات الكيان الصهيوني تغيير الشرق الأوسط عقب حرب غزة، ومحاولاته صياغة المنطقة وفق الرؤية الصهيونية، وحديث الصهاينة المتتالي عن أن المحور السُّنّي الصاعد هو هدفهم القادم؟

منذ بداية العام الجاري، بدأ نتنياهو ورموز تياره ينقل التركيز تدريجيًّا في تصريحاتهم من خطورة المحور الشيعي (إيران وأذرعها)، إلى مصطلح جديد بدأ يتداوله نتنياهو وكبار المسؤولين وهو المحور السني الراديكالي (المتطرف).

ففي فبراير هذا العام، وفي خطاب ألقاه بنيامين نتنياهو أمام قيادات «الشين بيت» (جهاز الأمن العام) صرح علانية: «نحن في عملية بناء محور لمواجهة المحاور الراديكالية؛ سواء المحور الشيعي الذي وجّهنا له ضربات قاصمة، أو المحور السني الراديكالي الناشئ».

هذا التصريح يُعدّ تحوُّلًا جوهريًّا؛ حيث كانت إسرائيل سابقًا تصف القوى السُّنية بالمعتدلة. لكن عقب حرب غزة وتداعياتها، بدأت إسرائيل تُدرج دولًا وتنظيمات سُنية كبرى (مثل: تركيا، قطر، وحركات مثل طالبان وحماس) ضمن دائرة التهديد المباشر.

وقبلها أعاد نتنياهو استخدام الخرائط في الأمم المتحدة ليرسم شكل المنطقة وفق الرؤية الصهيونية.

ومن بينها خريطة أطلق عليها «النعمة»، التي تُظهر الدولة الصهيونية كجسر بري يربط الهند بأوروبا عبر دول التطبيع، متجاوزة تمامًا وجود أيّ كيان فلسطيني.

وأطلق على خريطة أخرى لفظ «اللعنة»، وهي التي تصف أيّ قوة تعارض هذا الربط الاقتصادي والأمني بأنها جزء من «قوس الإرهاب» بحسب تعبيره. وشملت هذه المرة تلميحات لقوى سُنية في آسيا الوسطى مثل باكستان وطالبان التي قد تُهدّد طريق التجارة الهندي-الصهيوني.

ثم بدأت مراكز الأبحاث الإسرائيلية تُسهم بأبحاثها عن خطر القنبلة السنية، في إشارة لباكستان وربطها بصعود طالبان.

والشهر الماضي دعا «أميت هليف» عضو الكنيست الصهيوني صراحةً إلى سحب الشرعية الدولية عن طالبان، ودعم المعارضة الأفغانية، معتبرًا أن وجود نظام راديكالي (متطرف) في أفغانستان يقوي المحور السني المعادي لـ«إسرائيل».

وبدأت الدوائر الصهيونية تتحدث عن خطورة التحالف العسكري الأخير بين باكستان والسعودية، والتعاون بين الدولتين وبين تركيا، معتبرين هذا نواة لمحور سني قوي، قد يمتلك التكنولوجيا النووية والقدرة العسكرية والامكانيات المالية، وهو ما يُمثّل تهديدًا وجوديًّا يتجاوز خطر الوكلاء الإيرانيين.

اتبع الكيان مسارين لمُحاصَرة التهديد الباكستاني الأفغاني: إشعال ما أطلق عليه الحروب البينية، وضم الهند إلى التحالف الصهيوني. 

بالنسبة لمسار إشعال الحروب البينية، تؤمن الإستراتيجية الصهيونية الحالية بأن أفضل وسيلة لتحجيم المحور السني الصاعد هي استنزافه داخليًّا.

ففي ورقة بحثية صدرت أوائل العام الحالي، حملت عنوان «الاستفادة من التصدعات السُّنية-السُّنية»، أشار مركز القدس للإستراتيجية والأمن الصهيوني صراحةً إلى أن صعود طالبان وقدرة باكستان النووية يشكلان تهديدًا بعيد المدى يجب احتواؤه، عبر إشغال الطرفين في نزاع حدودي دائم (خط ديورند)، مما يمنع تشكل كتلة إسلامية شرقية تدعم القضية الفلسطينية عسكريًّا.

بينما نشر معهد «ميتفيم» الصهيوني تحليلًا يتحدّث عن ضرورة تفتيت الكتل الكبرى، معتبرًا أن انخراط جيوش سُنية قوية مثل الجيش الباكستاني في حروب عصابات داخلية أو حدودية، هو الضمانة الأكيدة لعدم توجيه تلك الفوائض العسكرية نحو «إسرائيل»؛ بحسب تعبير الدراسة.

بالنسبة للمسار الثاني، وهو التحالف مع الهند، فقد كانت زيارة رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي» التاريخية إلى الكيان، والتي سبقت اندلاع الحرب المفتوحة بين باكستان وطالبان بـ48 ساعة فقط؛ لم تكن مجرد صدفة زمنية، بل كانت بمثابة ضبط إيقاع لإستراتيجية إقليمية كبرى.

فخلال الزيارة، أعلن نتنياهو عن خطة لإنشاء نظام تحالفات يضمّ أمريكا والهند ودولًا أخرى مثل اليونان وقبرص والإمارات، فيما بات يُطلق عليه التحالف السداسي؛ لمواجهة ما أسماه نتنياهو المحاور الراديكالية السنية والشيعية.

وتزامنت الزيارة مع تقارير عن نقل تقنيات صهيونية متطورة إلى الهند، والتي استُخدمت بفعالية للضغط على باكستان من الجبهة الشرقية، مما شجَّع باكستان على محاولة حَسْم جبهتها الغربية مع طالبان لتجنب كماشة هندية-أفغانية.

الدور السُّني المطلوب

للالتفاف على إستراتيجية الاستنزاف الصهيونية، يتطلب الأمر انتقالًا من ردّ الفعل إلى المبادرة الإستراتيجية.

فإذا كانت الإستراتيجية الصهيونية تقوم على التفتيت والحروب البينية؛ فإن الدور السُّني المطلوب يتمحور حول عدة ركائز أساسية:

أولًا: هندسة توازن الضعف إلى تكامل القوة

فبدلًا من الانزلاق في صراعات حدودية، مثل صراع باكستان وطالبان؛ يتطلب الأمر وساطة إقليمية مستقلة تقودها قوى إسلامية؛ سواء كانت دولًا، أو تكتلات شعبية، أو وفدًا من العلماء؛ لتفكيك الألغام الحدودية.

فالمطلوب، تحويل خط ديورند من منطقة نزاع إلى منطقة تكامل اقتصادي؛ لأنه إذا استُبدلت الرصاصات بتبادل تجاري، سيفقد كل من الكيان والهند أهم أداة لاستنزاف القوة النووية الباكستانية.

ثانيًا: فك الارتباط بين الأمن والتطبيع

فالرؤية الصهيونية تحاول إقناع الدول السُّنية بأن أمنها لا يتحقق إلا بالتحالف مع الكيان ضد أطراف سُنية أخرى، أو حتى ضد إيران.

فالمطلوب، بناء منظومة أمن جماعي سُنية بعيدة عن المظلة الأمريكية-الصهيونية، تُعزّز التحالف بين باكستان وتركيا والسعودية وقطر وإندونيسيا وماليزيا، وغيرهم ككتلة وسيطة قوية يمكنها فرض شروطها في ممرات التجارة العالمية، دون الحاجة للممر الهندي الذي تسيطر عليه دولة الكيان.

ثالثًا: استثمار العمق الآسيوي لموازنة السداسي

فإذا كان التحالف السداسي يربط الكيان بأمريكا والهند واليونان وغيرهم، فإن الرد الذكي يكون عبر تعزيز التحالف مع الصين وروسيا، ليس كبديل للتبعية، بل لإيجاد توازن يمنع انفراد السداسي بالمنطقة.

فالقوة الحقيقية للمحور السُّني الصاعد ليست في عدد الدبابات فقط، بل في القدرة على رفض تعريف «العدو» الذي تفرضه دولة الكيان الصهيوني؛ فعندما يرفض السُّني اعتبار جاره -مهما اختلف معه- عدوًّا؛ تفشل إستراتيجية الاستنزاف الصهيونية في مَهْدها.

 

أعلى