كيف يبيّن الإسلام أن استجابة الدعاء ليست مرتبطة بالألفاظ وحدها، بل بصدق الافتقار والاضطرار، وحضور القلب، واتباع السُّنة، والتوسل بأسماء الله، ليكون الدعاء عبوديةً تغيّر القضاء وتفتح أبواب الإجابة؟
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد
عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
أما بعد: فإن لاستجابة الدعاء أسبابًا عديدة نذكرها فيما يلي، ويجدر قبلها أن نذكر
حالات الدعاء.
حالات الدعاء
ما من مسلم يدعو الله -عز وجل- بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم، إلا كتب الله له
إحدى ثلاث خصال؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
«ما
من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم؛ إلا أعطاه بها إحدى ثلاث؛ إما أن
يُعجِّل له دعوته، وإما أن يَدّخرها له في الآخرة، وإما أن يَصْرف عنه من السوء
مثلها. قالوا: إذًا نُكْثِر، قال: الله أكثر»[1].
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
«لا
يزيد في العُمر إلا البِرّ ولا يَرُدّ القَدَر إلا الدعاء، وإن الرجل ليُحْرَم
الرزق بالذنب يصيبه»[2].
وقال -عليه الصلاة والسلام-:
«لا
يَرُدّ القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر»[3]،
وقال -صلى الله عليه وسلم-:
«لا
يُغْني حَذَر مِن قَدَر، والدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل،
فيتلقَّاه الدعاء، فيَعْتَلجان إلى يوم القيامة»[4].
ولهذا تحدَّث ابن القيم -رحمه الله- عن حالات الدعاء مع البلاء، فقال:
«وله
مع البلاء ثلاثة مقامات:
أحدها:
أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني:
أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء، فيُصَاب به العبد، ولكن قد يُخفِّفه،
وإن كان ضعيفًا.
الثالث:
أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه»[5].
وهذه الأحاديث النبوية، والنصوص الواردة عن الأئمة، كلّها دالّة على أهمية الدعاء،
وأن المؤمن ينال الخير في جميع حالاته؛ فهو إما أن يُحقِّق الله له مراده فيستجيب
دعاءه، وإما أن يدّخره له في الآخرة، وإما أن يَصْرف عنه من الشرّ بمثل ما دعا، فلا
يَرُدّ القَدَر إلا الدعاء، وعجبًا لهذا الداعي! إنّ أمره كله خير، فكيف إذا كان
الداعي في كلّ ذلك مُحقِّقًا لمقام العبودية؟ إذ الدعاء هو العبادة، كما قال رسول
الله -صلى الله عليه وسلم-:
«الدعاء
هو العبادة، ثم قال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}
[غافر: 60]»[6].
ولا يعجز عن الدعاء ولا يدعه إلا مغبون، فما ارتفعت يد للمولى الكريم المنّان
ورُدَّت خائبة، ولم تُرْفَع يد إلى رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما إلا وقد أُعطيت.
فالحديث يدلّ على أن الداعي يُعْطَى إحدى ثلاث ولا بد، ولكن هناك فَرْق بين استجابة
الدعاء، وقضاء الحاجات؛ إذ استجابة الدعاء أوسع وأشمل، فقد يستجيب الله للداعي،
فيعطي العبد أجورًا يدّخرها له يوم القيامة، أو قد يَصْرف عنه من الشرِّ بمثل ما
دعا، ولكن لا يُحقّق الله له مطلوبه ومراده؛ لحكمةٍ يعلمها الحكيم الخبير -سبحانه
وتعالى-.
أسباب الإجابة
أمر المولى -عز وجل- عباده بأمرين فقال: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا
بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]؛ الأمر الأول: هو طاعته فيما أمرهم
من العبادة والاستعانة، وأما الثاني: فهو الإيمان بربوبيته وألوهيته، فهو ربهم
وإلههم، ولهذا قيل: إن إجابة الدعاء تقوم على ركنين؛ هما: صحة الاعتقاد وكمال
الطاعة[7].
الدعاء بالمشروع
«والمشروع
للإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة، فإن الدعاء من أفضل العبادات، وقد نهانا الله
عن الاعتداء فيه، فينبغي لنا أن نتَّبع فيه ما شُرِع وسُنّ، كما أنه ينبغي لنا ذلك
في غيره من العبادات، والذي يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره، وإن كان من أحزاب بعض
المشايخ، الأحسن له أن لا يفوته الأكمل الأفضل، وهي الأدعية النبوية؛ فإنها أفضل
وأكمل -باتفاق المسلمين- من الأدعية التي ليست كذلك»[8].
وفي الصحيح غُنية عن الضعيف، ومَن اعتاد الدعاء بالمأثور أغناه الله عن غيره، ففيه
من الحلاوة والبركة والمنفعة ما ليس في سواه، وعلى العاقل الاجتهاد في اتّباع
السُّنة، يقول ابن تيمية -رحمه الله-:
«ومن
أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبَّره بقلبه، وجَد فيه من الفهم والحلاوة
والبركة والمنفعة، ما لا يجده في شيء من الكلام، لا منظومه ولا منثوره، ومَن اعتاد
الدعاء المشروع في أوقاته، كالأسحار، وأدبار الصلوات والسجود، ونحو ذلك، أغناه عن
كل دعاء مُبتَدَع، في ذاته أو بعض صفاته، فعلى العاقل أن يجتهد في اتّباع السنة في
كل شيء من ذلك، ويَعتاض عن كل ما يظن من البدع أنه خير بنوعه، من السنن، فإنه مَن
يَتحرَّ الخير يُعْطَه، ومَن يتوق الشر يُوقَه»[9].
الدعاء باسم الرب
ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن اسم الرب، ودعاء العبد بقوله: يا رب أو ربنا، هو
المناسب في السؤال وطلب الحاجات، وأما إن قصد العبد بدعائه العبادة، والثناء على
الله -سبحانه وتعالى-؛ فإن الأنسب لذلك أن يَلْهج باسم الله، فيقول:
«فإذا
سبق إلى قلب العبد قصد السؤال؛ ناسَب أن يسأله باسمه الرب، وإن سأله باسمه الله
لتضمّنه اسم الرب كان حسنًا، وأما إذا سبق إلى قلبه قصد العبادة فاسم الله أولى
بذلك، إذا بدأ بالثناء ذكر اسم الله، وإذا قصد الدعاء دعا باسم الرب»[10].
كما يرى ابن تيمية أن كل خير يُصيب العبد؛ فهو من مقتضى اسم الرب، وهي طريقة
الأنبياء والمرسلين في توسُّلهم لله -عز وجل-، وطلب الحاجات، فيقول:
«وجميع
ما يَفعل الله بعبده من الخير من مقتضى اسمه الرب؛ ولهذا يقال في الدعاء: يا رب يا
رب، كما قال آدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا
وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وقال نوح:
{رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا
تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود:47]، وقال
إبراهيم: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي
زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ}
[إبراهيم: 37]، وكذلك سائر الأنبياء»[11].
اسم الحي القيوم
إن من الدعاء بالمأثور: التوسُّل إلى الله -عز وجل- باسم الحي القيوم، وقد ذكر ابن
القيم أن لتأثير هذا الاسم في دفع الداء، مناسبة بديعة، فقال:
«وفي
تأثير قوله:
«يا
حي يا قيوم، برحمتك أستغيث»
في دفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمّنة لجميع صفات الكمال،
مُستلزمة لها، وصفة القيومية متضمّنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله
الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى: هو اسم (الحي القيوم)،
والحياة التامة تُضادّ جميع الأسقام والآلام. والمقصود أن لاسم الحي القيوم تأثيرًا
خاصًّا في إجابة الدعوات، وكشف الكربات»[12].
كما يذكر أن الحي القيوم هو اسم الله الأعظم، الذي إذا دُعِيَ به أجاب، ولهذا كان
المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، يتوسَّل به إذا اجتهد في الدعاء؛ فيقول:
«وفي
السنن وصحيح أبي حاتم، مرفوعًا:
«اسم
الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] [البقرة: 163]، وفاتحة آل عمران:
{الم
ﭒ
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}
[آل عمران: 1 - 2]».
وقال الترمذي: حديث صحيح.
وفي السنن وصحيح ابن حبان أيضًا، من حديث أنس أن رجلًا دعا، فقال: اللهم إني أسألك
بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال
والإكرام، يا حي يا قيوم؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
«لقد
دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى»،
ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا اجتهد في الدعاء قال:
«يا
حي يا قيوم»[13].
أحوال وأزمان وهيئات
وهنا نص بديع لابن القيم -رحمه الله-، وضّح فيه جملة من الأسباب المؤدية لإجابة
الدعاء؛ فمن ذلك: ما يقوم في قلب الداعي من الأحوال، التي تُحقّق بعض مقامات
العبودية، من الخشوع والذل والافتقار والانكسار والتضرع إلى الله والرقة، واغتنام
الأوقات الفاضلة التي تُرْجَى فيها إجابة الدعاء، وتوسّل العبد بأسماء الله وصفاته،
وهو في كل ذلك يُلِحّ في المسألة، مع ما يُقدّم بين يدي حاجته من الأعمال الصالحة،
فيقول:
«وإذا
جمَع مع الدعاء حضور القلب، وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادَف وقتًا من أوقات
الإجابة الستة، وهي: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة،
وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر، حتى تُقضَى
الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم، وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين
يدي الرب، وذُلًّا له، وتضرُّعًا، ورِقَّة، واستقبل الداعي القِبْلة، وكان على
طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه؛ ثم ثنَّى بالصلاة
على محمد عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ثم قدَّم بين يدي حاجته التوبة
والاستغفار، ثم دخل على الله، وألَحَّ عليه في المسألة، وتَمَلَّقه ودَعَاه رغبةً
ورهبةً، وتوسَّل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدَّم بين يدي دعائه صدقة، فإن هذا
الدعاء لا يكاد يُرَدّ أبدًا، ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي -صلى الله
عليه وسلم- أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمّنة للاسم الأعظم»[14].
يذكر ابن القيم -رحمه الله- فائدة في قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى
رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}
[الأنبياء: 83]، فيقول: في هذا الدعاء جمَع نبي الله أيوب -عليه السلام-، بين حقيقة
التوحيد، وإظهار الفقر والحاجة إلى ربه، ووجود طعم المحبة في التملُّق له، مع
الإقرار له بصفة الرحمة، فها هنا مقام التوسل بصفات المولى -عز وجل-، وشدة حاجة
العبد وفقره، ومتى وجد المبتلى هذا؛ كشف الله عنه ضُرّه وبَلْواه، وأنه قد جُرِّب
أن من قال هذا الدعاء مع هذه المعرفة سبع مرات[15]؛
فإن الله يكشف ضُرّه[16].
الصدق والاضطرار
كل ما تقدَّم ذِكْره يُعدّ من أسباب استجابة الدعاء، ولكن يمكن القول: إن مدار ذلك
على ما يقوم في قلب الداعي، من صدق التوجُّه والرغبة والاضطرار والافتقار إلى الله
-عز وجل-، فإنه يبتلي العبد ليسمع تضرُّعه وشكواه إليه لا إلى خلقه، وهو لا يحب
التجلُّد عليه، فالعبد أضعف من أن يتجلّد على مولاه، والرّبّ لم يُرد منه ذلك، بل
أحب ما إليه انكسار قلبه عبده بين يديه وتذلّـله له، وإظهاره ضعفه وحاجته وفقره
وعجزه، فرحمته أقرب إلى هذا القلب من اليد للفم، ولا جَبْر لانكسار قلب العبد أعظم
من القرب والإجابة[17].
وهذا ما تؤكده كثير من القصص والشواهد والأمثلة، ويتبادر إلى ذهني في هذا الباب،
كتاب
«الجمل
في علم النحو»،
الذي ألَّفه أبو القاسم الزجاجي بمكة، فحوى 145 بابًا، فكان إذا فرغ من باب طاف
بالبيت سبعة أشواط، وهو يبتهل إلى الله -عز وجل- أن يَغفر له، ويسأله أن يكتب النفع
به لقارئه، فأثمر هذا الافتقار واللجأ إلى الله -عز وجل-؛ القبول لهذا الكتاب،
فانتفع به طلاب العلم، وكثرت شروحه، وقد وصف ذلك الوزير جمال الدين القفطي، فقال:
«والكتاب
مبارك؛ ما اشتغل به أحد إلا انتفع»[18].
إن أقرب الدعاء إلى الإجابة ما تقدَّمه الذِّكر والثناء على المولى -سبحانه-،
فيتوسل إليه بأسمائه وصفات كماله وإحسانه وفضله، مع إظهار افتقار العبد ومسكنته،
كما قال سهل بن عبد الله:
«ليس
بين العبد وبين الله طريقٌ، أقرب إليه من الافتقار»[19]،
وهو دعاء الأنبياء والمرسلين، فهكذا يكون أدب الدعاء والعبودية، فليس أحد أحب إليه
المدح من الله -عز وجل-[20]،
ولذلك أثنى -سبحانه- على نفسه؛ ليُعلِّم عباده كيفية الثناء عليه، يقول ابن القيم
-رحمه الله-:
«فالدعاء
الذي يتقدّمه الذِّكر والثناء، أفضل وأقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد، فإِن
انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته، وافتقاره واعترافه كان أبلغ في الإجابة
وأفضل؛ فإنه يكون قد تَوَسَّل إلى المَدْعُوِّ بصفات كماله وإحسانه وفضله، وعرَّض
بل صَرَّح بشدة حاجته وضرورته، وفقره ومسكنته، فهذا المُقْتَضِي منه، وأوصافُ
المسؤول مُقْتَضِي من الله، فاجتمع المُقْتَضِي من السائل، والمُقْتَضِي من المسؤول
في الدعاء، فكان أبلغ وألطف موقعًا، وأَتَمَّ معرفةً وعبودية.
وأنت ترى في الشاهد -ولله المثل الأعلى- أن الرجل إذا توسَّل إلى مَن يريد معروفه
بكرمه وجوده وبِرِّه، وَذَكَرَ حاجته هو، وفقره ومسكنته؛ كان أعطف لقلب المسؤول،
وأقرب لقضاء حاجته. فإذا قال له: أنت جودك قد سارت به الرُّكبان، وفضلك كالشمس لا
يُنْكَر، ونحو ذلك، وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغًا لا صَبْرَ معه، ونحو ذلك؛
كان ذلك أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداءً: أعطني كذا وكذا»[21].
وهنا أمر آخر ينبغي العناية به، وهو إظهار العبودية لله -عز وجل- والافتقار إليه،
عبر كثرة الدعاء وطوله، وتنوُّع ألفاظه وتعدُّد جُمَله، وتكرار الحوائج، والإلحاح
في الدعاء، وهو ما يجلب محبة الله -عز وجل- للعبد، والقرب منه -سبحانه وتعالى-،
يقول ابن القيم:
«وهذا
كثير في الأدعية المأثورة؛ فإن الدعاء عبوديةٌ لله -تعالى-، وافتقارٌ إليه وتذلُّل
بين يديه، فكلما كثَّره العبد وطوَّله وأعاده وأبداه ونوَّع جُمَله؛ كان ذلك أبلغ
في عبوديته وإظهار فقره وتذلّلـه وحاجته، وكان ذلك أقرب له من ربه وأعظم لثوابه.
وهذا بخلاف المخلوق فإنك كلما كثّرت سؤاله، وكرّرت حوائجك إليه، أبْرَمْتَه
وثقَّلت عليه وهُنْتَ عليه، وكلما تركت سؤاله كان أعظم عنده وأحب إليه، والله
-سبحانه وتعالى- كلما سألته كنت أقرب إليه وأحب إليه، وكلما ألححت عليه في الدعاء
أحبَّك، ومَن لم يسأله يغضب عليه:
الله يغضب إن تركت سؤاله
وبُنَي آدم حين يُسأل يَغضب»[22]
وكما قال يحيى بن معاذ:
«يا
مَن يغضب على مَن لا يسأله؛ لا تمنع مَن قد سألك»[23].
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في أكثر من موضع، إلى ما يقوم في قلب
الداعي من الاضطرار وصدق التوجُّه، وأنه من أبلغ الأسباب لإجابة الدعاء، ومن ذلك
قوله:
«وأما
إجابة الدعاء، فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه، وقد يكون سببه مجرد رحمة الله
له، وقد يكون أمرًا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى، وإن كانت
فتنة في حق الداعي، فإنا نعلم أن الكفار قد يُستجاب لهم فيُسْقَون، ويُنْصَرُون
ويُعانُون، ويُرْزَقُون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسُّلهم بها»[24].
وفي موطن آخر يبين أن الدعاء قد يكون مكروهًا ومع ذلك يُستجاب لصاحبه، لعدة أسباب
منها: صدق قصده، فقال:
«وقد
يكون الدعاء مكروهًا ويُستجاب له أيضًا، ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي،
وقد لا يعلمه على وجهٍ لا يُعْذَر فيه بتقصير في طلب العلم، أو تَرْك للحق، وقد لا
يعلمه على وَجْه يُعذَر فيه، بأن يكون فيه مجتهدًا، أو مُقلِّدًا، كالمجتهد والمقلد
اللذين يُعذران في سائر الأعمال، وغير المعذور قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء؛ لكثرة
حسناته وصِدْق قصده، أو لمَحْض رحمة الله به، أو نحو ذلك من الأسباب»[25].
وقد بيَّن ابن تيمية -رحمه الله- بعض ما يقع لكثير من الناس؛ إذ قد يقوم بعض
الصالحين بعبادة أو دعاء، ثم يجدوا أثر ذلك، بسبب صدقٍ قام بقلب فاعله، فيستدلون به
على حُسْن تلك العبادة وذلك الدعاء[26]،
ويُتَّخذ هذا العمل سُنّة وهو ليس بمشروع، فيقول:
«ومن
هنا يغلط كثير من الناس، فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة، أو
دعوا دعاء، ووجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء، فيجعلون ذلك دليلًا على استحسان
تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سُنّة، كأنه قد فعله نبي، وهذا غلط، لما
ذكرناه، خصوصًا إذا كان ذلك العمل، إنما كان أثره بصدق قام بقلب فاعله حين الفعل،
ثم يفعله الأتباع صورة لا صدقًا، فيُضَرُّون به؛ لأنه ليس العمل مشروعًا فيكون لهم
ثواب المتبعين، ولا قام بهم صدق ذلك الفاعل، الذي لعله بصدق الطلب وصحة القصد؛
يُكفّر عن الفاعل»[27].
وقريب من هذا ما يكون من أدعية، يقوم بها بعض الناس فيستجاب لهم، بما اقترن بذلك
الدعاء من ضرورة الداعي وإقباله على الله، أو عمل صالح قام به، أو صادف وقت إجابة،
فيغفل عن ذلك كله ويظن السر هو في تلك الألفاظ التي دعا بها، يقول ابن القيم -رحمه
الله-:
«وكثيرًا
ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستُجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه،
وإقباله على الله، أو حسنة تقدّمت منه جعل الله -سبحانه- إجابة دعوته شكرًا لحسنته،
أو صادف وقت إجابة، ونحو ذلك، فأُجيبت دعوته، فيظن الظانّ أن السر في لفظ ذلك
الدعاء، فيأخذه مجردًا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي، وهذا كما إذا
استعمل رجل دواءً نافعًا في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي فانتفع به، فظن
غيره أن استعمال هذا الدواء بمجرده، كافٍ في حصول المطلوب، كان غالطًا، وهذا موضع
يَغْلط فيه كثير من الناس»[28].
ومثل ذلك بل أشد منه فتنة، ما يتفق لبعض الناس حينما يدعو دعاء المضطر عند قبر،
فيُستجاب له، ويظن أن السر ليس لما قام بقلبه من الاضطرار وصدق اللجأ إلى الله، بل
لأنه دعا عند القبر، فقال ابن القيم -رحمه الله-:
«ومن
هذا قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيُجَاب، فيظن الجاهل أن السر للقبر، ولم يعلم
أن السر للاضطرار وصدق اللجأ إلى الله، فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله، كان أفضل
وأحب إلى الله»[29].
كما يرى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين
بالأدعية المحرمة؛ لما يكون له من الاضطرار، فيقوم في قلب الداعي منهم ضرورة، لو
دعا بها مشرك عند وثن لاستُجيب له، بسبب صدق توجهه لله -عز وجل-، وإن كان تحرّي
الدعاء عند الوثن شركًا، فهو يُعاقب عليه إذا لم يَتُب الله عليه، وكم مِن عبد دعا
بدعاء غير مباح فقُضِيت له تلك الحاجة، وكانت سببًا لهلاكه في الدنيا والآخرة،
فتارةً يسأل الله ما لا يصلح له مسألته، وتارةً يسأل الله على الوجه الذي لا يحبه
الله، فيُعْطَون طلبتهم وتكون لهم فتنة[30].
من خلال ما تقدم يتضح أن لاستجابة الدعاء أسبابًا عديدة، مثل الدعاء بالمأثور وحضور
القلب، وذُلّه وافتقاره وانكساره، والاضطرار وصدق اللجأ والتوجُّه إلى الله -عز
وجل-، مع تحرّي أوقات الاستجابة، والطهارة واستقبال القبلة ورفع اليدين، والصلاة
على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتقديم طاعة بين يدي الدعاء، والإلحاح فيه.
فمتى ما اجتهد العبد في دعائه، وبادَر بتحصيل هذه الأسباب كلها أو معظمها، فإن ذلك
حَرِيّ بإجابة سؤاله، وتحقّق مراده، وحصول مطلوبه.
[1] صحيح الترغيب والترهيب، الألباني، رقم الحديث (1633).
[2] صحيح سنن ابن ماجه، الألباني، رقم الحديث (73).
[3] صحيح سنن الترمذي، الألباني، رقم الحديث (2139).
[4] صحيح الجامع، الألباني، رقم الحديث (1014).
[5] الداء والدواء، ابن القيم، (ص12).
[6] صحيح الترمذي، الألباني، رقم الحديث (3247).
[7] انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (14/33).
[8] الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، (2/386-387).
[9] اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، (2/741).
[10] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (10/286).
[11] قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ابن تيمية، (ص91).
[12] زاد المعاد، ابن القيم، (4/204-205).
[13] زاد المعاد، ابن القيم، (4/205-206).
[14] الداء والدواء، ابن القيم، (16-17).
[15] إن تحديد هذا الدعاء بسبع مرات، لا حرج فيه، فالدعاء لا يشترط أن يكون واردًا،
وإن قلنا بأفضليته وكماله، وهو لم يوقت له زمانًا يقول فيه، ولا مدة يلتزم بها، كما
أن هذا كان على سبيل الرقية، وهي من الطب وليست توقيفية، ويمكن الاعتداد بالتجربة
في هذا المجال. انظر: الاعتصام، الشاطبي، (1/332)، ما وجه قول بعض العلماء بتكرار
بعض الأدعية عددًا معينًا دون وجود نص شرعي؟ على الرابط:
https://islamqa.info/ar/answers/533547
، بتاريخ: 21/4/1447هـ.
[16] انظر: الفوائد، ابن القيم، (ص292).
[17] انظر: عدة الصابرين، ابن القيم، (ص63)، الروح، ابن القيم، (ص639)، مجموع رسائل
ابن رجب، (1/293).
[18] إنباه الرواة على أنَبْاه النحاة، جمال الدين القفطي، (2/160)، انظر: مقدمة
كتاب الجمل في علم النحو، الزجاجي، (18، 23-24)، بتحقيق الدكتور علي الحمد.
[19] جامع المسائل، ابن تيمية، (9/179).
[20] قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
«ليس
أحد أحب إليه المدح من الله -عز وجل-، من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله،
من أجل ذلك حرم الفواحش، وليس أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب
وأرسل الرسل»،
رواه مسلم في صحيحه، رقم الحديث: (2760).
[21] الوابل الصيب، ابن القيم، (225-229).
[22] جلاء الأفهام، ابن القيم، (343-344).
[23] صفة الصفوة، ابن الجوزي، (4/ 97).
[24] اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، (2/653).
[25] اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، (2/693- 694).
[26] وقد يكون مثل هذا ما نقله ابن القيم عن شيخه ابن تيمية، فقال: وسمعته يقول:
«من
واظب أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر، على قول:
«يا
حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث»،
حصلت له حياة القلب، ولم يَمُت قلبه، ومعلوم أن في هذا تخصيص العدد والزمان مع
المداومة به على شيء لم يَرِد في السنة، ولذلك لا يرى كثير من أهل العلم -مثل الشيخ
ابن عثيمين والشيخ عبدالرحمن البراك-، ما ذهب إليه شيخ الإسلام وابن القيم -رحمهما
الله- من خصوصية هذا الدعاء زمانًا وعددًا، ولعل ما وقع له من أحوال باطنة في قلبه،
لم يكن مردّه إلى هذا الدعاء وحده، بل لأجل ما قام بقلبه من صدق الرغبة والتوجه
واللجأ. انظر: مدارج السالكين، ابن القيم، (1/448)، الاعتصام، الشاطبي،
(1/331-332)، حكم المواظبة على دعاء يا حي يا قيوم أربعين مرة بين سنة الفجر
وفريضتها، على الرابط:
https://sh-albarrak.com/fatwas/19886
، بتاريخ 21/4/1447هـ.
[27] انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، (2/694).
[28] الداء والدواء، ابن القيم، (ص25).
[29] الداء والدواء، ابن القيم، (25-26).
[30] انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، (2/692-693).