ما سرُّ الاعتكاف الذي واظب عليه النبي ﷺ، وكيف يصوغ في العشر الأواخر شخصية المؤمن بين الانقطاع إلى الله، وتحقيق الافتقار الصادق، وإدارة الوقت بوعي، حتى يظفر بليلة القدر ويعود بروح جديدة وإيمان متجدد؟
يدأب المؤمنون في رمضان صومًا وصلاة وصدقة وتلاوة ودعاء، عشرين يومًا وليلة؛
تمهيدًا لدخول الباحات العظيمة في العشر الأخير من رمضان، فإذا قدِمت تلك العشر
الأواخر أذن الله -تعالى وتقدَّس- بالدخول عليه من باب
«الاعتكاف».
عن عبد الله بن عمر وعائشة -رضي الله عنهما- قالا:
«كان
رسول الله
صلى الله عليه وسلم يعتكف
العشر الأواخر من رمضان»[1].
والاعتكاف هو المُكْث في المسجد ليالي العشر الأواخر وأيامها، والانقطاع فيه
للعبادة من صلاة وصيام وتلاوة ودعاء وذِكْر وتَفكُّر؛ تهيئةً لانقطاع القلب إلى
الله تعالى، وعكوفه على التوجُّه إليه وذِكْره ومحبته، قال ابن رجب:
«معنى
الاعتكاف وحقيقته قَطْع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت
المعرفة بالله والمحبة له والأُنس به؛ أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى
بالكلية على كل حال»[2].
فالمعتكف حقًّا هو ذلك المستشعِر لعبوديته، والمستشعِر أنه في ضيافة الرحمن في
بيته، وأنه قد أقبل إليه -سبحانه- للخلوة به، فلا ينشغل بأيّ شيء من علائق الدنيا
عن ربه ومولاه، ويختلس نفسه من الضوضاء والأضواء، ولا يشرع بابًا إلى وسائل التواصل
الافتراضي، وتجد وقته محشوًّا بالتنسك والمناجاة؛ المناجاة مع الله دعاء وذِكْرًا
وتفكُّرًا وقراءة وصلاة، يتنقل بينها من روضة إلى روضة، فذلك النعيم وتلكم الجنة.
منازلُ لو أن امرأ القيس حلَّها
لأقْصرَ عن ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
والمعتكف يقسم وقته بين أنواع العبادات، ويحاسب نفسه على الدقائق والساعات، ويتقلل
من النوم والطعام والمشغلات، ويسوس نفسه ووقته حتى يظفر بأعز الغنائم وأحسن الهبات
والأعطيات في هذه العشر المباركات.
فلله أعبدٌ وإماءٌ خلعوا كل علائق الدنيا، وأماطوا عن طريقهم إلى الله تعالى كل
عوائق السير إليه؛ من ذنوب وآثام وترفُّه وانبساط، ويَمَّموا قلوبهم إلى السماء،
ووجَّهوا وجوههم إلى المساجد، يتلمّسون فيها بُقعة نائية، مصطحبين مصحفًا ووسادة
وغطاء، يلتمسون ليلة القدر في أعطاف العشر. قال تعالى: ﴿
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾
[القدْر:1-5].
لله هؤلاء الأطهار، الذين لزموا بيت الله تعالى عشر ليالي، لا شغل لهم سوى مناجاة
الله، والحديث معه والفرح بقُرْبه.
إن كان رضاكم في سهري
فسـلام الله على وَسَـني
والاعتكاف المُوفِّي لمعناه وحقيقته يُطهِّر النفس من أدران الشهوات، فيصقلها بعد
أن كان صدأ الشهوات متراكمًا عليها، ذلك أن دموع التوبة الحارّة تُذيب ذلك الصدأ
حتى تُجليه بالكلية، وأن أنين الشوق إلى الله يسمو بنفسه وروحه في معارج الجمال،
فيخرج المعتكف صبيحة العيد بنفس زاكية، فتالله لهو من أحق الناس بفرحة العيد.
والاعتكاف المُوفِّي لمعناه وحقيقته يُوقِد في القلب نور الإيمان، لكثرة ما قرأ من
القرآن، ولكثرة ما أنصت إلى الإمام في صلاة التهجد والقيام، ولكثرة ما لَهج لسانه
بالدعاء وذِكْر الله حتى أصبح صدره كمشكاة فيها مصباح، يشعّ نورًا في جسده، ويظهر
على وجهه ومنطقه، ويستنير به عقله ووجدانه، فتتصحح لديه المفاهيم ويدرك الحقائق على
صورتها الصحيحة؛ إذ إن القلب المظلم بكثرة المعاصي والآثام تحجبه تلك الظلمة
والسواد عن رؤية الحقائق وإدراكها، فلما استنار وأضاء وانقشعت تلك الظلمة والأغطية؛
أبصر الطريق إلى الله وعرفه جيدًا.
الافتقار تذكرة القبول
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمتُ أيّ ليلةٍ ليلةُ
القدر، ما أقول فيها؟ قال:
«قُولي:
اللهم إنك
عفوّ
تحب
العفو
فاعفُ عني»[3].
إن أجلَّ مطلوب هو عفو الله تعالى ومغفرته ورضاه؛ لأن المسلم في حياته لا يسلم من
الوقوع في الأخطاء والزلل، كما جاء في حديث يُحَسِّنه بعض أهل الحديث، عن أنس -رضي
الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
«كل
ابن آدم خطَّاء، وخيرُ
الخطَّائين
التوابون»[4].
والافتقار إلى الله شعورٌ بالعجز عن السير إلى الله إلا بمعونته، واعترافٌ بالخطأ
والتقصير واقتراف الذنوب بين يدي الله، وثناءٌ على الله تعالى بما هو أهله من
العظمة والقُدسيَّة والجلال والكمال.
ونبينا -صلى الله عليه وسلم- يُربِّينا على دوام هذا الافتقار إلى الله تعالى، ومن
ذلك: إرشاده إلى أن سيد الاستغفار هو الدعاء المتضمّن لخضوع الداعي وشعوره بالضعف
والعبودية والذل بين يدي إلهٍ قوي عظيم وربٍّ رحيم كريم؛ فعن شداد بن أوس -رضي الله
عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
«سيد
الاستغفار
أن تقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما
استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه
لا يغفر الذنوب إلا أنت. مَن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يُمسي
فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل
الجنة»[5].
فتأمل تسميته للدعاء المتضمّن اعترافًا بالذنب وخضوعًا وافتقارًا لمن اتصف
بالربوبية والخلق وإسداء النعم ومغفرة الذنوب:
«سيد
الاستغفار».
وحين سأله سيد الأصحاب، أعني أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- أن يُعلِّمه دعاءً
يقوله في صلاته، علَّمه دعاء يفتقر فيه إلى الله تعالى، ويعترف فيه بذنوبه وظُلمه،
وبخضوعه وذُلّه بين يديه، ويُقِرّ فيه بأن الله تعالى هو الغافر للذنب والرحيم
بعباده؛ قال أبو بكر -رضي الله عنه-: يا رسول الله، علِّمْني دعاءً أدعو به في
صلاتي. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
«قل:
اللهم إني ظلمت نفسي
ظلمًا
كثيرًا،
ولا
يغفر
الذنوب
إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم»[6].
فتأمل ما الذي علَّمه نبينا -صلى الله عليه وسلم- صاحبه ووزيره وأحبّ الناس إليه،
وأعظم الناس إيمانًا وأصدقهم بعد نبينا -صلى الله عليه وسلم-! علَّمه الاستغفار
وطلب العفو والمغفرة والاعتراف بظُلْم النفس بين يدي الله تعالى.
والافتقار إلى الله تعالى يتضمَّن الاعتراف بالقلب وليس فقط باللسان، فيعترف
الإنسان بقلبه ووجدانه فينطق بلسانه، فيقول:
«أبوء
لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي»؛
يعني: أعترف يا ربي أنني مخطئ، أنني مذنب، أنني مُقصِّر في الطاعات، أنني لم أحمدك
حق الحمد، ولم أعبدك حق العبادة، ولم أَقْدُرك حق القَدْر، أعترف يا ربي أنني عاجز،
وأنني فقير، وأنني ضعيف، وإياك أعبد وإياك أستعين.
هذا الاعتراف والانكسار من أعظم محبوبات الله -سبحانه وتعالى-؛ لأن الإنسان إذا غفل
يتعاظم في نفسه، والنفس البشرية هكذا؛ يصيبها التعاظم والكبرياء والعلو والاستعلاء،
قال تعالى: ﴿
إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾
[العلق: 6-7]. فيُحِبّ الله -سبحانه وتعالى- مِن عبده أن يَعرِف قَدْر نفسه أمام
مولاه -سبحانه وتعالى-؛ قال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾
[فاطر: 15-17].
يا رب عبـدك قد أتا
ك وقد أساء وقد هفا
يكفيـه منك حياؤه
من سوء ما قد أسلفا
حمل الذنوب على الذنو
ب الموبقات وأسرفا
وقد استجار بذيل عفـ
وك من عقابك مُلحفا
يـا رب فاعفُ وعافه
فلأنت أولى من عفا
إدارة الاعتكاف
لتفوز في اعتكافك، ولتَرقى في مدارج السالكين ومعارج القبول، ولتَقْوى صلتك بالله
تعالى، ولتَحسن علاقتك بالقرآن، ولتَفهم عن الله كلامه وخطابه، وليَرِقَّ قلبك،
ولتدوم خشيتك، ولتبلغ درجة الإحسان، ولتظفر بالسياحة في عالم الحقائق والجمال؛ لأجل
ذلك كله وأعظم: عليك بإدارة وقت الاعتكاف إدارة حسنة ذكية، تحفظ فيها وقتك؛ لأن
الاعتكاف هو الساعات والدقائق، وتقسم يومك وليلك في أنواع الطاعات، فكم جزءًا ستقرأ
في النهار؟ وكم جزءًا ستقرأ في الليل؟ وكم عدد الصفحات التي ستقرؤها في صلاتك
بالليل والنهار؟ ومتى يبدأ وردك من الدعاء؟ وما هي ساعاته؟ وكم وقت الطعام والنوم؟
وكيف ستكون علاقتك بأصحابك وجيرانك في الاعتكاف؟
كل هذا في غاية الأهمية؟ حتى لا يكون وقتك ضياعًا، وحتى لا تكون ساعات اعتكافك
نُهْبَة في أيدي البطالين، وحتى لا يكون المسجد فندقًا للاسترواح والنوم والطعام
والشراب.
إياك واعتكاف اللاعبين اللاهين، فإنها ساعات محدودة وأيام معدودة، ويظفر كل عامل
بما قدَّم.
وإذا عرفت من نفسك أنك لا تقدر على ضَبْط نفسك ووقتك في الاعتكاف طيلة العشر
الأواخر، وبانت لك حقيقة ما انطوت عليه نفسك من ضعف الإرادة وخور العزيمة وأثقلتك
الخطايا والآثام عن بلوغ هذه المنازل، ثم أردت الاعتكاف؛ فاعتكفْ بعض الليالي،
ونافسْ فيها أصحاب العزائم، فلربما رأى الله تعالى من قلبك صدقًا وانكسارًا ومن
عينيك دموعًا سواخن، فمنحك عفوه ورحمته، وأعطاك سؤلك وبُغيتك.
قال تعالى: ﴿
قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾
[الزُّمَر: 53]. وهذا خير من اعتكاف العشر مع اللهو واللعب، وربما مع الذنوب
والمعاصي، عافاك الله.
[1] أخرجه البخاري (2035، 2036) ومسلم (1171، 1172).
[2] لطائف المعارف ص439.
[3] أخرجه أحمد (25384) والترمذي (2513) وقال: حسن صحيح.
[4] أخرجه الترمذي (2499) وابن ماجه (4251) والحاكم (7809). انظر: صحيح الترغيب
والترهيب (3139).
[5] أخرجه البخاري (6134).
[6] أخرجه البخاري (843).