• - الموافق2026/02/17م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
القرآن في حياة النبلاء

كيف جسّد السلف الصالح، كما عرضهم سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي، علاقتهم العميقة بالقرآن تلاوةً وختمًا وتدبرًا، وكيف نوازن اليوم بين كثرة القراءة واتباع السنة، لنحقق البركة والثبات دون إفراط يخل بالحقوق والواجبات؟


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

أما بعد: فقد أكرم الله هذه الأُمَّة بالقرآن، الذي فيه نبأ ما قبلها، وخبر ما بعدها، وحُكم ما بينها، وهو الفصل ليس بالهزل، وهو حبل الله المتين، والذِّكر الحكيم، والصراط المستقيم، مَن قال به صدَق، ومَن عمل به أُجِر، ومَن حَكم به عدَل، ومَن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم.

سوف نتناول في هذا المقال، حال السلف الصالح مع القرآن، ونَعني بهم الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهم الذين قصدهم الإمام الذهبي في كتابه العظيم «سير أعلام النبلاء»؛ فنسلّط الضوء على شيء من اجتهادهم في تلاوة القرآن، وعنايتهم بخَتْمه، وطُرقهم في ذلك، مع ذكر النصوص الواردة في كم يُقْرَأ القرآن، وتوجيه العلماء لها.

عناية النبلاء بالقرآن وتأثُّرهم به

اجتهد السلف في العناية بالقرآن الكريم والاهتمام به، وتجلَّى ذلك في علاقتهم الوطيدة، بهذا الكتاب العظيم في يومهم وليلتهم، وطريقتهم في تقسيم برنامجهم اليومي، وكذلك كثرة رؤاهم وأحلامهم بمكانة القرآن الكريم، وتمسُّكهم بهذه التلاوة في أثناء المرض والاحتضار، وختماتهم الكثيرة له، كيف لا يكون هذا حالهم، وهم من أحرص الناس على الأجر، وأشدهم تطبيقًا وتمسكًا بما جاءت به الشريعة، من بيان فضل تلاوة القرآن الكريم؛ فقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «اقرأوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»[1]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»[2]، إلى غير ذلك من الأحاديث التي تدل على الأجر العظيم والثواب الكبير لمن قرأ كتاب الله -عز وجل-.

وصف الإمام الثوري مُؤدِّبه، وطريقته في استغلال يومه بالطاعات والأعمال الصالحة، ومن ذلك القراءة في المصحف، فقال: «عمرو بن قيس هو الذي أدَّبني، علَّمني قراءة القرآن والفرائض، وكنت أطلبه في سوقه، فإن لم أجده، ففي بيته، إمَّا يُصلّي، أو يقرأ في المصحف، كأنه يُبادِر أمرًا يفوته، فإن لم أجده، وجدته في مسجد قاعدًا يبكي، وأجده في المقبرة ينوح على نفسه»[3].

وكذلك كان «أبو حسان الزيادي: بلغ مائة وعشرين سنة، وكان يُقْرِئ القرآن في الجامع، وله كلام نافع في الزهد والمعرفة»[4]، كما قال عفان: «قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، لكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير، وقراءة القرآن، والعمل لله -تعالى- منه»[5].

كان هؤلاء الكرام يُجزِّؤون الليل أجزاء، ويجعلون للقرآن نصيبًا من ذلك، فقد كان الحصيري أبو محمد جعفر بن أحمد، «قد جزّأ الليل ثلاثة أجزاء: ثلثًا يُصلّي، وثلثًا يُصنِّف، وثلثًا ينام، وكان مرضه ثلاثة أيام، لا يفتر عن قراءة القرآن»[6]. ويقول الحاكم عن جواب شيخ الإسلام أبي النضر محمد بن محمد الطوسي: «رحلت إليه إلى طوس مرتين، وسألته متى تتفرغ للتصنيف مع هذه الفتاوى الكثيرة؟ فقال: جَزَّأت الليل أثلاثًا: فثُلُث أُصنِّف، وثلث أنام، وثلث أقرأ القرآن»[7].

 هذا الحرص والاهتمام أثمر عن كثرة عدد ختماتهم للقرآن الكريم، فقال حسين العنقزي عن الإمام الحافظ عبد الله بن إدريس: «لما نزل بابن إدريس الموت، بكت ابنتُه، فقال: لا تَبْكي يا بُنَيَّة؛ فقد ختمتُ القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة»[8]، كما «يُروَى أن أبا حنيفة ختم القرآن سبعة آلاف مرة»[9].

كان يُعجبهم أن يكون الدعاء بعد هذه العبادة العظيمة في السجود، وهو ما نُقِلَ عن عبد الله بن المبارك، فقد جاء عن عبد الكريم السكري، قال: «كان عبد الله يُعجبه إذا ختم القرآن أن يكون دعاؤه في السجود»[10].

وكما كانوا في يَقظتهم يُجِلّون هذا العمل، ويجتهدون فيه، ويحرصون عليه؛ فكذلك كانت رُؤَاهم عن هذا؛ قال يوسف بن أسباط: «رأيت الثوري في النوم، فقلت: أيّ الأعمال وجدت أفضل؟ قال: القرآن»[11]، وكذلك جاء عن سحنون حينما رأى عبد الرحمن بن القاسم العتقي في المنام، فقال: «رأيته في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: وجدت عنده ما أحببتُ، قلت: فأيّ عمل وجدت؟ قال: تلاوة القرآن»[12].

كانت قلوبهم حية بذكر الله -عز وجل-، فعظمت محبة ربهم في قلوبهم، وزادت خشيتهم له وتأثرهم بكلامه -سبحانه وتعالى-؛ قال إبراهيم بن الأشعث: «ما رأيت أحدًا كان الله في صدره أعظم من الفُضَيْل بن عياض، كان إذا ذَكَر الله، أو ذُكِرَ عنده، أو سمع القرآن، ظهَر به من الخوف والحزن، وفاضت عيناه، وبكى، حتى يَرحمه مَن يحضره، وكان دائم الحزن، شديد الفكرة»[13]، وربما يزيد ذلك التأثر فيسقط صاحبه على الأرض؛ إذ «كان يحيى بن سعيد إذا قُرِئَ عنده القرآن، سقط حتى يصيب وجهه الأرض»[14].

كانت هذه العناية بالقرآن الكريم هي دأبهم في يومهم وليلتهم، فلم يُثنهم عن ذلك ويشغلهم شاغل، حتى لو أصابهم ما قد لا يحتمله كثير من البشر، ومن ذلك أن عروة بن الزبير بن العوام، أُصيبت رِجْله بمرض استوجب قطعها، ومع ذلك لم يدع ورده اليومي من القرآن، قال هشام بن عروة: إن «أباه وقعت في رجله الآكلة، فقيل: ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال: إن شئتم. فقالوا: نسقيك شرابًا يزول فيه عقلك. فقال: امضِ لشأنك، ما كنت أظن أن خلقًا، يشرب ما يُزيل عقله حتى لا يعرف به، فوضع المنشار على ركبته اليسرى، فما سمعنا له حسًّا، فلما قطعها، جعل يقول: لئن أخذتَ لقد أبقيت، ولئن ابتليتَ لقد عافيت، وما ترك جُزْأه بالقرآن تلك الليلة»[15].

بل إن المؤمن في ساعة الاحتضار لا يمكن أن يقوم بطاعة لم يعتدْ عليها، ولهذا لما كانت حياتهم وقفًا على القرآن الكريم، تَجدهم يُوفَّقُون لختم حياتهم بتلاوته؛ قال أبو بكر العطوي: «كنت عند الجنيد لما احتُضِرَ، فختم القرآن، ثم ابتدأ سورة البقرة، فتلا سبعين آية، ثم مات. قال الخلدي: رأيته في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: طاحت تلك الإشارات، وغابت تلك العبارات، وفنيت تلك العلوم، ونفدت تلك الرسوم، وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار»[16].

عادة السلف في ختم القرآن

كان للقراء عادات مختلفة القَدْر في الاستكثار والاختصار، فكان جماعة منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثمان ختمة، وكان فعل الأكثرين من السلف ختم القرآن في كل سبع ليال، منهم عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وأُبَي بن كعب -رضي الله عنهم-؛ فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- بذلك.

كما ورد أن منهم مَن كان يختم القرآن في كل ست ليال ختمة، وكذلك جاء عنهم الختمة في كل خمس أو في كل أربع ليالٍ، وكان كثير منهم يختم في كل ثلاث ختمة، كما ختم جماعة في كل يوم وليلة ختمة، وهؤلاء لا يُحْصَوْن لكثرتهم؛ فمنهم عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير، وهناك من ختم ختمتين وثلاث ختمات في اليوم، وقال النووي: «إن أكثر ما بلغنا ثمان ختمات، فقد ختم ابن الكاتب الصوفي أربعًا في النهار، وأربعًا في الليل»[17].

ختم القرآن في اليوم والليلة

جاءت كثير من الآثار حول ختم القرآن في اليوم، وأحيانًا يقال في اليوم والليلة، وهي تأتي إما مطلقة، أو مُخصَّصة بالصلاة، أو في هيئة محددة، وسوف نستعرض الآثار والأخبار المطلقة، ثم نُورد الأخرى بعدها.

 «كان ثابت البناني يقرأ القرآن في كل يوم وليلة، ويصوم الدهر»[18]، وقال حجاج الأعور: «كان شعبة إذا ذكر سعد بن إبراهيم، قال: حدثني حبيبي سعد بن إبراهيم، يصوم الدهر، ويختم القرآن في كل يوم وليلة»[19]. وقال يحيى بن معين: «أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن كل ليلة»[20].

وقال الفضل بن محمد الشعراني: «سمعت يحيى بن أكثم يقول: صحبت وكيعًا في الحضر والسفر، وكان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة»[21]. و«كان عطاء بن السائب من خيار عباد الله، كان يختم القرآن كل ليلة»[22]، وقال عبد الله بن جعفر بن خاقان: «سمعت عمرو بن علي يقول: كان يحيى بن سعيد القطان يختم القرآن كل يوم وليلة، يدعو لألف إنسان، ثم يخرج بعد العصر، فيُحدِّث الناس»[23]، وقد «تُوفِّي أبو العباس بن شادل، وكان يختم القرآن كل يوم، وذهب بصره قبل موته بعشرين سنة»[24].

جاءت رواية عن الشافعي، تبين اختلاف فعله بين أيام الفطر وشهر رمضان؛ إذ كان يزيد فيه من ختم القرآن، وهو ما ورد عن بعض السلف كذلك؛ «قال أبو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي يختم القرآن في كل رمضان ستين ختمة، وفي كل شهر ثلاثين ختمة»[25].

ختم القرآن في صلاة أو في هيئة مخصوصة

جاء في كثير من الروايات ختم القرآن في الصلاة، فروي عن الصحابي الجليل تميم الداري -رضي الله عنه- أنه فعل ذلك، فحَدّث أبو معاوية الضرير عن عاصم الأحول عن ابن سيرين، عن تميم الداري: «أنه قرأ القرآن في ركعة»[26]، وكذلك جاء عن الصحابي الجليل عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، أنه ختم القرآن في ركعة[27].

تعددت الآثار المروية عن ختم الإمام أبي حنيفة القرآن الكريم في ركعة، فجاء عن القاضي أبي يوسف، قال: «بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة؛ إذ سمعت رجلا ًيقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والله لا يُتحدَّث عني بما لم أفعل؛ فكان يُحيي الليل صلاةً، وتضرعًا، ودعاء». وقد رُوِيَ من وجهين «أن أبا حنيفة قرأ القرآن كله في ركعة»[28]، وعن القاضي أبي يوسف، قال: «كان أبو حنيفة يختم القرآن كل ليلة في ركعة»[29]، وكذلك قال مسعر بن كدام: «رأيت أبا حنيفة قرأ القرآن في ركعة»[30]، وروي أن محمد بن خفيف الضبي كان يقرأ القرآن الكريم في ركعة، فقال «ابن باكويه: سمعت ابن خفيف يقول: كنت في بدايتي ربما أقرأ في ركعة واحدة عشرة آلاف {ﭑ }، وربما كنت أقرأ في ركعة القرآن كله»[31].

وذكر نُعيم بن حماد حوارًا، جرى بين عبد الله بن المبارك ورجل، حول قراءة القرآن في الصلاة، فقال «رجل لابن المبارك: قرأت البارحة القرآن في ركعة، فقال: لكني أعرف رجلًا لم يزل البارحة يُكرّر: {ﮋ ﮌ} إلى الصبح، ما قدر أن يتجاوزها -يعني نفسه-»[32].

وقد أثنى أبو عبيدة مسلم بن أحمد المعروف بصاحب القبلة، على بَقِي بن مخلد، فقال: «كان بَقِي يختم القرآن كل ليلة، في ثلاث عشرة ركعة، وكان يصلي بالنهار مائة ركعة، ويصوم الدهر، وكان كثير الجهاد، فاضلًا، يُذْكَر عنه أنه رابط اثنتين وسبعين غزوة»[33].

وكان ابن الحداد محمد بن أحمد المصري نسيجًا وحده في حفظ القرآن واللغة، والتوسع في علم الفقه، وقال عنه المسبحي: «كان فقيهًا عالمًا، كثير الصلاة والصيام، يصوم يومًا، ويفطر يومًا، ويختم القرآن في كل يوم وليلة قائمًا مُصلّيًا»[34]، وقد ذكر عن ابن ميقل محمد بن عبدالله أحمد المرسي، أنه كان يختم القرآن على قدميه في اليوم والليلة، ولعل المراد أنه كان في الصلاة، «قال أبو عمر بن الحذاء: ما لقيت أتم ورعًا ولا أحسن خُلقًا ولا أكمل علمًا منه، كان يختم القرآن على قدميه في كل يوم وليلة»[35].

وهناك روايات تأتي في بيان ختم القرآن في هيئة مخصوصة، ومن ذلك ما جاء عن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف؛ حيث قال إبراهيم بن عيينة: «أنبأنا ابن سعد بن إبراهيم، قال: كان أبي يحتبي، فما يحل حبوته حتى يقرأ القرآن»[36]، أو يكون ختم القرآن في ركعة داخل الكعبة، جاء عن هلال بن يساف، قال: «دخل سعيد بن جبير الكعبة، فقرأ القرآن في ركعة»[37]، ومن ذلك أيضًا ما رُوي عن سعيد بن جبير أنه قال: «قرأت القرآن في ركعتين في الكعبة»[38].

ختم القرآن أكثر من مرة

جاء في بعض الآثار ختم النبلاء للقرآن الكريم مرتين في اليوم؛ قال يزيد بن هارون: «كان منصور بن زاذان يقرأ القرآن كله في صلاة الضحى، وكان يختم القرآن من الأولى إلى العصر، ويختم في اليوم مرتين، ويصلي الليل كله»[39]، وقد ذكر النووي أن منصور بن زاذان كان يختم ما بين الظهر والعصر، ويختم أيضًا ما بين المغرب والعشاء، وأما في رمضان فإنه يختم بين المغرب والعشاء ختمتين وشيئًا، فقد كانوا يؤخرون العشاء إلى أن يمضي ربع الليل[40].

وهناك من رُوِي عنه ختم القرآن ثلاث مرات في اليوم، وهو ما نُسِبَ إلى كرز أبي عبد الله بن وبرة الحارثي الكوفي؛ حيث حدَّث محمد بن فضيل، عن أبيه، قال: «دخلت على كرز بيته، فإذا عند مصلاه حفيرة قد ملأها تبنًا، وبسط عليها كساء من طول القيام، فكان يقرأ في اليوم والليلة القرآن ثلاث مرات»[41].

وقال ابن شبرمة: «سأل كرز ربّه أن يعطيه الاسم الأعظم، على ألا يسأل به شيئًا من الدنيا، فأعطي، فسأل أن يقوى حتى يختم القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات»[42]، كما ورد أن سليم بن عتر «كان يقرأ القرآن كل ليلة ثلاث مرات»[43]، وذكر النووي أن ابن الكاتب الصوفي كان يختم ثماني ختمات؛ أربعًا بالنهار وأربعًا بالليل[44].

ختم القرآن خلال عدة ليالي أو أيام

مر بنا أن عادة السلف مختلفة في ختم القرآن، فهناك من يختم في يومين أو ليلتين، مثل الإمام عبدالرحمن بن مهدي، فقد «كان ورد عبد الرحمن كل ليلة نصف القرآن»[45]، وقال سعد بن عباد: حدثنا محمد بن مسعر، قال: «كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن»[46].

وهناك من يختم القرآن في ثلاث، وهو منقول عن وكيع بن الجراح وغيره، فقال يحيى بن أيوب: «حدثني بعض أصحاب وكيع الذين كانوا يلزمونه: أن وكيعًا كان لا ينام حتى يقرأ جُزْأه من كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل، فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر»[47]، وكذلك أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبدالله، فقد «كان أبو إسحاق يقرأ القرآن في كل ثلاث»[48]، وقال ابن المديني عن بشر بن منصور أبو محمد الأزدي: «حفر قبره، وختم فيه القرآن، وكان ورده ثلث القرآن»[49]، ومثله جاء عن إسماعيل ابن علية، فقال محمد بن المثنى: «بِتّ ليلة عند ابن علية، فقرأ ثلث القرآن، وما رأيته ضحك قط»[50]، وكذلك كان أحمد بن عمار المصري، فقيل: «كان ابن عمار يختم القرآن في كل ثلاث، ثم إنه حج، وجاور»[51].

كان بعض السلف يقرأ القرآن في أربعة أيام، وهو ما جاء عن عروة بن الزبير بن العوام؛ فقد «كان عروة يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف نظرًا، ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قُطِعَت رِجْله، وكان وقع فيها الآكلة، فنُشِرَت»[52].

وأما من ورد عنهم خمسة أيام فمنهم علقمة؛ إذ «كان علقمة يقرأ القرآن في خمس، والأسود في ست، وعبد الرحمن بن يزيد في سبع»[53]، وجاء عن بعضهم أيضًا ستة أيام؛ حيث «كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال»[54].

وأحيانًا تأتي الروايات بختم القرآن في سبعة أيام، أو يقال من الجمعة إلى الجمعة، فقال سلام بن أبي مطيع عن قتادة بن دعامة السدوسي: «كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان، ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر، ختم كل ليلة»[55].

جاء عن إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل، أنه يختم في سبعة أيام، قال يعقوب: «وكان يختم من جمعة إلى جمعة، فإذا ختم دعا فيدعو ونؤمِّن، فلما كان غداة الجمعة وجَّه إليَّ والى أخي، فلما ختم جعل يدعو ونحن نؤمن»[56]، ومثله ابن عساكر ثقة الدين أبو القاسم الدمشقي؛ حيث «كان مُواظبًا على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، يختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية، وكان كثير النوافل والأذكار، يحيي ليلة النصف والعيدين بالصلاة والتسبيح، ويحاسب نفسه على لحظة تذهب في غير طاعة»[57].

ختم القرآن في رمضان

اختلف اجتهاد بعض السلف في شهر رمضان عن بقية الشهور، بل قد يختلف في شهر رمضان أوله عن آخره، فتراهم يجتهدون في العشر الأواخر أكثر من سائر الشهر؛ رغبةً منهم وحرصًا على إدراك الأجر في الأزمان الفاضلة.

فمما رُوِيَ عن اجتهادهم المُطلَق في شهر رمضان، ما نُقِلَ عن سعيد بن جبير؛ فقد «كان سعيد بن جبير يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء في شهر رمضان، وكانوا يؤخرون العشاء»[58]، وكذلك كان مجاهد يختم في رمضان فيما بين المغرب والعشاء[59]، وقد ذكر عن الرئيس أبو البركات ابن صَصْرَى الحسن بن هبة الله التغلبي، أنه «تفقه، وقرأ القرآن، وله صدقة وبِرّ، كان يختم في رمضان ثلاثين ختمة»[60]

وهناك روايات وآثار كثيرة، نقلت التفريق في الاجتهاد بين رمضان وغيره من الشهور؛ حيث «كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال»[61]، و«قال الربيع بن سليمان من طريقين عنه، بل أكثر: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة، ورواها ابن أبي حاتم عنه، فزاد: كل ذلك في صلاة»[62]، كما قال أبو بكر بن زياد النيسابوري: «سمعت الربيع يقول: كان الشافعي يختم القرآن في كل رمضان ستين ختمة، وفي كل شهر ثلاثين ختمة»[63]، وكذلك جاء عن قتادة بن دعامة السدوسي أن اجتهاده يختلف بين رمضان وغيره من الشهور، ثم إنه يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها؛ حيث قال سلام بن أبي مطيع: «كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان، ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر، ختم كل ليلة»[64].

تعقيب واستدراك

هذا الاجتهاد مِن قِبَل سلفنا الصالح في ختم القرآن الكريم، كان محل خلاف وأخْذ وردّ لدى العلماء، فتعددت آراؤهم في هذا، وكثرت توجيهاتهم له، والعمدة في هذا الباب أعني كثرة الصيام وقراءة القرآن على الروايات، التي جاءت عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، وسوف نورد بعضها ثم نعلق عليها بإذن الله.

أخرج البخاري عن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، أنه قال: «أنْكَحَنِي أبِي امْرَأَةً ذاتَ حَسَبٍ، فَكانَ يَتَعاهَدُ كَنَّتَهُ، فَيَسْأَلُها عن بَعْلِها، فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِن رَجُلٍ؛ لَمْ يَطَأْ لَنا فِراشًا، ولَمْ يُفَتِّشْ لَنا كَنَفًا مُنْذُ أتَيْناهُ، فَلَمّا طالَ ذلكَ عليه ذَكَرَ للنَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقالَ: الْقَنِي به، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقالَ: كيفَ تَصُومُ؟ قالَ: كُلَّ يَومٍ، قالَ: وكيفَ تَخْتِمُ؟ قالَ: كُلَّ لَيْلَةٍ، قالَ: صُمْ في كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةً، واقْرَأِ القُرْآنَ في كُلِّ شَهْرٍ، قالَ: قُلتُ: أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذلكَ، قالَ: صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ في الجُمُعَةِ، قُلتُ: أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذلكَ، قالَ: أفْطِرْ يَومَيْنِ وصُمْ يَوْمًا، قالَ: قُلتُ: أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذلكَ، قالَ: صُمْ أفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ داوُدَ: صِيامَ يَومٍ، وإفْطارَ يَومٍ، واقْرَأْ في كُلِّ سَبْعِ لَيالٍ مَرَّةً. فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ وذاكَ أنِّي كَبِرْتُ وضَعُفْتُ، فَكانَ يَقْرَأُ على بَعْضِ أهْلِهِ السُّبْعَ مِنَ القُرْآنِ بالنَّهارِ، والذي يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهارِ؛ لِيَكونَ أخَفَّ عليه باللَّيْلِ، وإذا أرادَ أنْ يَتَقَوّى أفْطَرَ أيّامًا وأَحْصى، وصامَ مِثْلَهُنَّ كَراهيةَ أنْ يَتْرُكَ شيئًا فارَقَ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عليه»[65]، قال البخاري بعده: «وقال بعضهم: في ثلاث وفي خمس وأكثرهم على سبع».

وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: «أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال له: اقرأ القرآنَ في أربعينَ»[66]، وجاء في رواية مسلم، قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك؛ فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزَوْرك عليك حقًّا، ولجسدك عليك حقًّا، قال: فشدّدت فشدد عليّ، قال: وقال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنك لا تدري لعلك يطول بك عُمر. قال: فصرتُ إلى الذي قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما كبرت وددتُ أني كنت قبلتُ رخصة نبي الله -صلى الله عليه وسلم-»[67].

وفي بعض روايات مسلم توجيه النبي -صلى الله عليه وسلم- له بصيام داود، والتحذير من صيام الدهر أو الأبد، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: «بَلَغَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَنِّي أَصُومُ أَسْرُدُ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمّا أَرْسَلَ إلَيَّ وإمّا لَقِيتُهُ، فَقالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَصُومُ وَلا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي اللَّيْلَ؟ فلا تَفْعَلْ، فإنَّ لِعَيْنِكَ حَظًّا، وَلِنَفْسِكَ حَظًّا، وَلأَهْلِكَ حَظًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ، وَصُمْ مِن كُلِّ عَشَرَةِ أَيّامٍ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ. قالَ: إنِّي أَجِدُنِي أَقْوى مِن ذلكَ، يا نَبِيَّ اللهِ، قالَ: فَصُمْ صِيامَ داوُدَ -عليه السَّلامُ-. قالَ: وَكيفَ كانَ دَاوُدُ يَصُومُ يا نَبِيَّ اللهِ؟ قالَ: كانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلا يَفِرُّ إذا لاقَى. قالَ: مَن لي بهذِه يا نَبِيَّ اللهِ؟ قالَ عَطاءٌ: فلا أَدْرِي كيفَ ذَكَرَ صِيامَ الأبَدِ، فَقالَ النبيُّ #: لا صامَ مَن صامَ الأبَدَ، لا صامَ مَن صامَ الأبَدَ، لا صامَ مَن صامَ الأبَدَ»[68].

وقال عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَلَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهارَ؟ قُلتُ: إنِّي أَفْعَلُ ذلكَ، قالَ: فإنَّكَ إِذا فَعَلْتَ ذلكَ، هَجَمَتْ عَيْناكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ. لِعَيْنِكَ حَقٌّ، وَلِنَفْسِكَ حَقٌّ، وَلأَهْلِكَ حَقٌّ؛ قُمْ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ»[69].

 وفي رواية لأبي داود بيَّنت أن أقل ما يُقْرَأ فيه القرآن هو ثلاثة أيام؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، أنه قال: «يا رسول الله، في كم أقرأ القرآن؟ قال: في شهر، قال: إني أقوى من ذلك، وتناقصه حتى قال: اقرأه في سبع، قال: إني أقوى من ذلك، قال: لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث».[70]

الموقف من الآثار التي جاء فيها بعض ما يخالف النصوص الشرعية

 من خلال هذه الأحاديث نجد توجيه النبي -صلى الله عليه وسلم- للصحابي الجليل، بصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهو الأفضل والأكمل، ففيه حفظ العين والجسد من الأسقام والأمراض، والقيام بواجبات وحقوق النفس والأهل، ومن تجب صلتهم، ثم رخَّص فيما هو أقل من ذلك وهو صيام داود، ولكن ذلك يلزم منه أمراض ومشاق، أدرك بعضها هذا الصحابي الجليل في أواخر عمره، وقد علّق الإمام أبو بكر بن العربي في شرحه لحديث صيام الأبد، فقال: «فيا بؤس من أصابه دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-! وأما مَن قال: إنه جاء على سبيل الإخبار وليس الدعاء، فيقال: يا بُؤس مَن أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يَصُم! فقد علم أنه لا يُكتَب له ثواب؛ لوجوب الصدق في خبره -صلى الله عليه وسلم-، وقد نفى الفضل عنه، فكيف يطلب ما نفاه النبي -صلى الله عليه وسلم-؟[71].

أورد الإمام الذهبي كثيرًا من تلك الآثار التي جاء فيها ما هو مُخالف لظاهر النص النبوي، فكان يتعقبها أحيانًا، بقوله: «قلت: هذا خلاف السُّنة، وقد صح النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث»[72]، ولما بلغه صوم الدهر وختم القرآن كل ليلة عن وكيع بن الجراح، قال: « قُلْتُ: هَذِهِ عِبَادَةٌ يُخضَعُ لَهَا، وَلَكِنَّهَا مِنْ مِثْلِ إِمَامٍ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَثَرِيَّةِ مَفضُولَةٌ، فَقَدْ صَحَّ نَهْيُه -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- عَنْ صَومِ الدَّهْرِ، وَصَحَّ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقْرَأَ القُرْآنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ، وَالدِّيْنُ يُسْرٌ، وَمُتَابَعَةُ السُّنَّةِ أَوْلَى، فَرَضِيَ اللهُ عَنْ وَكِيْعٍ، وَأَيْنَ مِثْلُ وَكِيْعٍ؟!

وَمَعَ هَذَا فَكَانَ مُلاَزِمًا لِشُرْبِ نَبِيذِ الكُوْفَةِ الَّذِي يُسكِرُ الإِكثَارُ مِنْهُ، فَكَانَ مُتَأَوِّلًا فِي شُرْبِهِ، وَلَوْ تَرَكَهُ تَوَرُّعًا، لَكَانَ أَوْلَى بِهِ، فَإِنَّ مَنْ تَوَقَّى الشُّبَهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبرَأَ لِدِيْنِه وَعِرْضِهِ، وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ وَالتَّحرِيمُ لِلنَّبِيذِ المَذْكُورِ، وَلَيْسَ هَذَا

مَوْضِعَ هَذِهِ الأُمُوْرِ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ، فَلاَ قُدْوَةَ فِي خَطَأِ العَالِمِ، نَعَمْ، وَلاَ يُوَبَّخُ بِمَا فَعلَهُ بِاجْتِهَادٍ -نَسْأَلُ اللهَ المُسَامَحَةَ-»[73].

فكان -رحمه الله- يرى أن السُّنة تُقدَّم، ويُعتَذَر لمن خالفها، ولا يُوافقه على اجتهاده، وهذا رأي الشيخ ناصر الدين الألباني؛ إذ يعتذر لهم فيقول: لم تبلغهم السُّنة الصحيحة في هذا، والنهي عن القراءة في أقل من ثلاث، واستشهد بكلام الذهبي[74].

في المقابل، ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى الجمع بين الروايات التي جاءت بقراءة القرآن في أقل من ثلاث ورواية التسبيع، فقال: «وأما رواية من روى: «مَن قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يَفقه»؛ فلا تنافي رواية التسبيع، فإن هذا ليس أمرًا لعبد الله بن عمرو، ولا فيه أنه جعل قراءته في ثلاث دائمًا سُنّة مشروعة، وإنما فيه الإخبار بأن مَن قرأه في أقل من ثلاث لم يفقه، ومفهومه مفهوم العدد، وهو مفهوم صحيح، أن مَن قرأه في ثلاث فصاعدًا فحُكْمه نَقِيض ذلك، والتناقض يكون بالمخالفة، ولو من بعض الوجوه.

فإذا كان مَن يقرؤه في ثلاث أحيانًا قد يفقهه؛ حصل مقصود الحديث، ولا يلزم إذا شرع فعل ذلك أحيانًا لبعض الناس، أن تكون المداومة على ذلك مستحبَّة؛ ولهذا لم يُعلم في الصحابة على عهده مَن داوم على ذلك، أعني على قراءته دائمًا فيما دون السبع، ولهذا كان الإمام أحمد -رحمه الله- يقرؤه في كل سبع»[75].

ويرى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- جعل الحدّ فيما بين الشهر إلى الأسبوع، فقد ورد أنه أمر عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- ابتداءً أن يقرأ القرآن في أربعين يومًا[76]، وهو ما علّق عليه بأن ذلك في طرف السَّعة[77]، وهذا ما كان يفعله ابن تيمية -رحمه الله-، فقد أخبر أخوه زين الدين، أن ابن تيمية كان يختم في عشرة أيام، قال ابن عبدالهادي: «وختم القرآن مدة إقامته بالقلعة، ثمانين أو إحدى وثمانين ختمة... كان كل يوم يقرأ ثلاثة أجزاء، يختم في عشرة أيام، هكذا أخبرني أخوه زين الدين»[78].

وقريب من هذا قال ابن كثير، إلا إنه اعتذر لهم بعدم معرفتهم بالنصوص الواردة في ذلك، فقال: «فهذا وأمثاله من الصحيح عن السلف محمول: إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدَّم، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرؤونه مع هذه السرعة، والله -سبحانه وتعالى- أعلم».[79]

وهناك من العلماء من جعل للختم مراتب، بحسب اشتغال القارئ، فقال الغزالي: «ففي الختم أربع درجات: الختم في يوم وليلة، وقد كرهه جماعة، والختم في كل شهر، كل يوم جزء من ثلاثين جزءًا، وكأنه مبالغة في الاقتصار، كما أن الأول مبالغة في الاستكثار، وبينهما درجتان معتدلتان: إحداهما: في الأسبوع مرة، والثانية: في الأسبوع مرتين، تقريبًا من الثلاث... والتفصيل في مقدار القراءة: أنه إن كان من العابدين السالكين طريق العمل، فلا ينبغي أن ينقص عن ختمتين في الأسبوع، وإن كان من السالكين بأعمال القلب وضروب الفكر، أو من المشتغلين بنشر العلم، فلا بأس أن يقتصر في الأسبوع على مرة، وإن كان نافذ الفكر في معاني القرآن، فقد يكتفي في الشهر بمرة؛ لكثرة حاجته إلى كثرة الترديد والتأمل».[80]

 وقريب من هذا ما ذكره النووي، فقال: «والمختار: أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر يحصل له فهم ما يقرأ، وكذا من كان مشغولًا بنشر العلم، أو فصل الحكومات بين المسلمين، أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامة للمسلمين، فليقتصر على قدر لا يحصل له بسببه، إخلال بما هو مرصد له، ولا فوت كماله، ومَن لم يكن مِن هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه، من غير خروج إلى حد الملل أو الهذرمة[81] في القراءة»[82]. ثم أورد بعد هذا كراهة جماعة من المتقدمين للختم في اليوم والليلة، مستدلًا بحديث «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»[83].

وقال الزركشي: «والمختار، وعليه أكثر المحققين، أن ذلك يختلف بحال الشخص، في النشاط والضعف والتدبر والغفلة، لأنه روي عن عثمان -رضي الله عنه-، أنه كان يختمه في ليلة واحدة، ويُكره تأخير ختمه أكثر من أربعين يومًا بلا عذر؛ نص عليه أحمد»[84]، وكذلك ذكر السيوطي كراهة تأخير الختم أكثر من أربعين يومًا[85]، وكلاهما استدل بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق.

وهناك من العلماء مَن نظر إلى الأزمان والأماكن الفاضلة، مثل شهر رمضان، ومكة المكرمة، فنظر إلى قصد مضاعفة الأجور، والاجتهاد في تحصيل الحسنات والعمل الصالح، فقال ابن رجب -رحمه الله-: «وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المُفضّلة كشهر رمضان، خصوصًا الليالي التي يُطلَب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المُفضَّلة كمكة شرَّفها الله، لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن؛ اغتنامًا لفضيلة الزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم»[86].

وعلى كل حال، فالمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وما سبق ذِكْره، هو بيان كلام أهل العلم، في دافع بعض السلف إلى ختمهم القرآن الكريم، في أقل من ثلاث، ولعل الأكمل أن يجتهد العبد في تلاوة القرآن الكريم، ويكون ذلك بتدبر وخشوع وترتيل، فلا يكن همّه آخر السورة، ولا يختم في أقل من ثلاث؛ إذ السنة جاءت بهذا، ومن ختم في أقل من ذلك اغتنامًا لفضل الزمان والمكان، أو لمراجعة حفظ وغيره، وكان يتدبر القرآن ويفقه ما يقرأ، وكان يفعله في بعض الأوقات، ولا يداوم عليه؛ أرجو ألا يكون في ذلك بأسًا؛ إذ لم يكن هذا عمل غالب الصحابة -رضوان الله عليهم-، ولا كانوا يداومون عليه، وفي البُعْد عن ذلك مُوافَقة لنصوص الشريعة[87]، كما أن في «قراءة القرآن على الوجه المأمور به: تُورِث القلب الإيمان العظيم، وتزيده يقينًا وطمأنينة وشفاء»[88].

 

وقفات وفوائد:

ينبغي للشابّ أن يُولي اهتمامه برأي الخبير، والعالم، وصاحب التجربة؛ إذ قد يرى كل واحد من هؤلاء مآلات الأمور ويدرك عواقبها، بينما لا يبلغ ذلك الشاب قليل الخبرة، ففي رأي الأكابر من الحكمة والرأي السديد، ما قد ينجي المرء من عواقب الأمور.

أرجو ألا ينصرف جهدنا إلى الإنكار والرد، بينما نحن باقون على ما نحن عليه من التفريط والتكاسل؛ فقد لا نختم إلا في شهر رمضان، أو في أحسن أحوالنا نختم مرتين أو ثلاثة في العام، فعلى المرء أن يبادر إلى ختم القرآن في كل شهر أو قريب من ذلك، أي أربعين يومًا.

قد لا نتصور بعض صور اجتهاد السلف، فنبادر إلى إنكارها أو التشكيك بها؛ لعدم استيعاب عقولنا لها، بينما نجد من المعاصرين مَن بلغ اجتهاده قريبًا منهم، بل حينما نرى تعاملنا مع ما يُسمَّى بالأجهزة الذكية، ومرافقتها لنا وتعلقنا بها الساعات الطوال، يمكن استيعاب تلك الصور والأمثلة التي رُوِيَت عن عبادة السلف.

جاءت الشريعة بتكميل المصالح وتقليل المفاسد، ومن ذلك أنها حثَّت على الطاعة، والاجتهاد في العبادة، بينما حذَّرت من المبالغة والإفراط في ذلك، فإن لربّك عليك حقًّا، ولعينك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا؛ فأعطِ كل ذي حقّ حقه.

خير الأعمال أدومها وإن قلّ، وقليل دائم خير من كثير منقطع، وليكلف الإنسان ما يستطيع، فيبادر إلى ما يقدر عليه، ويمكنه المداومة عليه وعدم تركه والانقطاع عنه.

إن مَن أقبل على القرآن الكريم واعتنى به واجتهد في تلاوته وختمه واشتغل به، فقد غمرته البركة في المال والأهل والولد، وعمَّت بركة القرآن وقته وعِلْمه وفهمه، قال الله تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}، [ص: 29]؛ قال ابن كثير: «فيه الدعوة إلى اتباع القرآن ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة»[89]. كما يجد فيه من الهدايات والكنوز ما يُغيّر حياته للأفضل، وفي هذا جاءت عبارات السلف الصالح؛ فقد كان أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، يُديم النظر في المصحف، وما مات حتى خرقه من كثرة القراءة، وهو القائل: «لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي عليّ يوم لا أنظر في المصحف»[90]، وكذلك كان سفيان الثوري يقرأ في المصحف، ثم يقول: «يا قوم! العجب ممن يطلب النجاة بغير كتاب الله تعالى»[91].

 

 


 


[1] رواه مسلم، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، الحديث رقم: (804).

[2] سنن الترمذي، باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ما له من الأجر، الحديث رقم (2910)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، الحديث رقم: (2327).

[3] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (6/250).

[4] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (5/230).

[5] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (7/447).

[6] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (14/219).

[7] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (15/491).

[8] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (9/44).

[9] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (6/400).

[10] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (8/406).

[11] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (7/279).

[12] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (9/122).

[13] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (8/426).

[14] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (9/180).

[15] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (4/430).

[16] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (14/76-77).

[17] انظر: الأذكار، النووي، (184-185)، إحياء علوم الدين، الغزالي، (ص326).

[18] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (5/426)، جاء في بعض الأخبار فيها صوم الدهر، وسوف نناقشها لاحقًا تحت عنوان: تعقيب واستدراك.

[19] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (5/ 419).

[20] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (9/179).

[21] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (9/142).

[22] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (6/112).

[23] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (9/177-178).

[24] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (14/263).

[25] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (10/83).

[26] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (9/79)، وسوف نناقش مثل هذه الروايات لاحقًا، تحت عنوان: تعقيب واستدراك.

[27] انظر: الأذكار، النووي، (ص185)، التبيان في آداب حملة القرآن، النووي، (ص48).

[28] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (6/399).

[29] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (6/400).

[30] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (6/401).

[31] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (16/346).

[32] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (8/397).

[33] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (13/292).

[34] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (15/448).

[35] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (17/586).

[36] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (5/ 421).

[37] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (4/324).

[38] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (4/333).

[39] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (5/ 441).

[40] انظر: الأذكار، النووي، (ص185).

[41] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (6/84).

[42] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (6/85).

[43] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (4/132).

[44] انظر: الأذكار، النووي، (ص184).

[45] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (9/203).

[46] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (7/165).

[47] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (9/148-149).

[48] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (5/394).

[49] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (8/360).

[50] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (9/116).

[51] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (11/165).

[52] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (4/426).

[53] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (4/59).

[54] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (4/51).

[55] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (5/276).

[56] تاريخ الإسلام، الذهبي، (5/1056).

[57] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (20/562).

[58] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (4/324).

[59] انظر: الأذكار، النووي، (184-185).

[60] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (21/266).

[61] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (4/51).

[62] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (10/36).

[63] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (10/83).

[64] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (5/276).

[65] رواه البخاري، في كتاب فضائل القرآن، باب في كم يقرأ القرآن، الحديث رقم (5043)، وقريب منه روى مسلم، في كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر، الحديث رقم (1159).

[66] سنن الترمذي، كتاب القراءات، باب رقم (13)، الحديث رقم (2947)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، الحديث رقم (3129).

[67] أخرجه مسلم، في كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر، الحديث رقم (1159).

[68] أخرجه مسلم، في كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر، الحديث رقم (1159).

[69] أخرجه مسلم، في كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر، الحديث رقم (1159).

[70] رواه أبو داود (2/ 54) الحديث رقم (1390)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (1/ 261)، الحديث رقم (1239).

[71] انظر: عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي، ابن العربي، (3/299).

[72] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (4/325).

[73] سير أعلام النبلاء، الذهبي، (9/142-143).

[74] سلسلة الأحاديث الصحيحة، الألباني، (5/601).

[75] مجموع الفتاوى، ابن تيمية (13/ 407).

[76] ورد في ذلك رواية في سنن أبي داود، «عن عبد الله بن عمرو: أنه سأل النبي في كم يقرأ القرآن؟ قال: في أربعين يومًا، ثم قال في شهر، ثم قال في عشرين يومًا، ثم قال في خمس عشرة، ثم قال في عشر، ثم قال في سبع، لم ينزل من سبع»، صحيح سنن أبي داود، باب تحزيب القرآن، الحديث رقم، (1243).

[77] انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (13/ 407).

[78] العقود الدرية، ابن عبدالهادي، (ص 433).

[79] فضائل القرآن، ابن كثير، (ص260).

[80] إحياء علوم الدين، الغزالي، (326-327).

[81] السرعة في الكلام والمشي، ويقال للتخليط.

[82] الأذكار، النووي، (ص185)، انظر: التبيان في آداب حملة القرآن، النووي، (48-49).

[83] انظر: الأذكار، النووي، (ص185)، التبيان في آداب حملة القرآن، النووي، (ص49).

[84] البرهان في علوم القرآن، الزركشي، (2/101-102).

[85] الاتقان في علوم القرآن، السيوطي، (2/349).

[86] لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي، (ص319).

[87] انظر: هل يجوز ختم القرآن كل يوم؟ وكيف نفهم ما ثبت من ختم السلف في أقل من ثلاث؟ على الرابط:

 https://islamqa.info/ar/answers/156299 ، بتاريخ 25/5/1447هـ.

[88] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (7/283).

[89] تفسير ابن كثير، (3/369).

[90] الجامع لشعب الإيمان، البيهقي، (4/339)، رقم الحديث (2031).

[91] الجامع لشعب الإيمان، البيهقي، (4/346)، رقم الحديث (2045).

 

 

أعلى