كيف يحوّل رمضان الصيام من امتناع مؤقت إلى مدرسة إيمانية تصنع التقوى، وتقوّي الإرادة، وتؤسس للثبات بعده، وتحذّر من إحباط العمل، وتوقظ الشعور برحيل العمر، وتدفع لاغتنام الفرص قبل فواتها استعدادًا للقاء الله؟
سؤال يتردد كثيرًا على ألسنة الدعاة والخطباء والوعاظ كلما انتهى شهر الصيام،
وبعدما صعد الكرام الكاتبون بصحائف أعمال العباد؛ ترى ما هي الدروس والعِبَر
المستفادة التي خرجنا بها من وراء هذه العبادة المتميزة؟
الدرس الأول: مكافأة التقوى
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
[البقرة: 183]؛ وهل التقوى في مفهومها الخاص إلا مراقبة الملك -سبحانه-، والإحسان
في العبادة والمعاملة؛ فيتحرك القلب وتنتشي الجوارح فَرِحَة جزلة وهي تقوم على
الخدمة والسعي والمثابرة؛ لأن العبادة في رمضان تختلف كليةً عن بقية العبادات في
طريقة الأداء، وفي المدة الزمنية؛ فجميع العبادات يراك الناس حال أدائك لها؛ ففي
الصدقة، { إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا
وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ
سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271]؛ وفي الحج
شهود الجمع والطواف والإفاضة مع الحجيج؛ و«الحجُّ
عرفةُ»
[صحيح الترمذي للألباني: 889]، وفي الصلاة شهود الجمعة والجماعة؛ {يَا بَنِي
آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]؛ أما شعيرة
الصوم فلا يراك أحد حال امتناعك عن الطعام والشراب، ولا يقف الآخرون على حقيقة
صومك، إضافةً إلى أن الأداء السلبي في العبادة غالبًا لا يُخالطه الرياء.
الدرس الثاني: قوة الصبر والإرادة
يحصل الصائم على كل معاني القوة والصبر والإرادة والتحدّي واكتشاف الذات، ومعرفة
الحجم الحقيقي للشيطان؛ {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}
[النساء: 76].
الدرس الثالث: سهولة الطاعات
سهولة الطاعة وأهمية ديمومتها والثبات عليها، وما شهر رمضان سوى صورة مصغّرة لهذا
الثبات شهرًا كاملًا؛ {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184]؛ ليكون الثبات
لما بعد رمضان أيسر وأكمل.
الدرس الرابع: نيل المنزلة والمكانة
حصول المنزلة والمكانة والقَدْر بالعِلْم والعبادة الصحيحة؛ لأن سورة القدر وقعت
بين سورتي العلق والبينة.
ونهاية سورة الذاريات تؤكد على وظيفة الإنسان التي خُلِقَ لأجلها؛ {وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]؛ وهي
العبادة بمفهومها الشامل، والتي هي اسم جامع لكل ما يُحبّه الله من الأقوال
والأفعال. ومِن ثَمّ يحصل الصائم القائم الذاكر العابد على القوة الفكرية والعقلية
والجسدية والنفسية؛ فقد زُيِّلت الآية بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ
الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}؛ كأن الإشارة تقتضي أن قُوّتك أيها
الصائم تكمن في عبادة ربك والقيام بأمره.
الدرس الخامس: حراسة الأعمال
الحذر من إبطال الأعمال وضياعها بعدما تَعِب الصائم فيها؛ من صلاة وصيام وقيام وذكر
وتلاوة وصدقة؛ فيبطلها العبد بعد رمضان بالوقوع في المعاصي واتباع خطوات الشيطان
الذي ينتظر انصرام رمضان وفراغ المساجد من العبّاد والزهّاد والمتقين، لينال منهم،
فيقعوا في الكبائر والموبقات، فيكون شأنه مثل ريطة بنت سعد تلك المرأة الحمقاء التي
{نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا}؛ قال الكلبي ومقاتل: هي
امرأة خرقاء حمقاء من قريش، يقال لها
«ريطة
بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم»،
وتلقب بجعر، وكانت بها وسوسة، وكانت اتخذت مغزلًا بقدر ذراع وصنارة مثل الإصبع،
وفلكة عظيمة، على قَدْرها، وكانت تغزل الغزل من الصوف والشعر والوبر، وتأمر جواريها
بذلك، فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما
غزلن؛ فهذا كان دأبها»
(تفسير البغوي 5/39 وما بعدها).
الدرس السادس: رحيل الأعمار وانصرامها وسرعة انقضاء الأجل:
كما انقضى رمضان فهي أيام مرت ما شعرنا بها ولا شعرتم إلا وقد دهمنا العيد، وهكذا
تمضي الدنيا والزمان يطوى طيًّا، خطب الصحابي الجليل عُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ -رضي
الله عنه-، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه، ثُمَّ قالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ
الدُّنْيَا قدْ آذَنَتْ بصَرْمٍ وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ منها إلَّا
صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإنَاءِ، يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وإنَّكُمْ
مُنْتَقِلُونَ منها إلى دَارٍ لا زَوَالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا بخَيْرِ ما
بحَضْرَتِكُمْ. (صحيح مسلم: 2967).
الدرس السابع: الجهوزية التامة
حيث إن ديمومة العبادة في رمضان قد أزاحت عن قلوبنا رهبة الموت، فلو جاءك الموت في
آخر ليلة من رمضان وأنت في حال من الجد والنشاط والاجتهاد في الطاعة لما فزعت من
الموت، وكنت كما كان معاذ بن جبل، لما نزل به الموت قال:
«مَرْحَبًا
بِالْمَوْتِ، زَائِرٌ مُغِبٌّ، حَبِيبٌ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ، اللَّهُمَّ كُنْتُ
أَخَافُكَ، فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْجُوكَ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ
أَكُنْ أُحِبُّ الدُّنْيَا وَطُولُ الْبَقَاءِ فِيهَا لِجَرْيِ الأَنْهَارِ وَلا
لِغَرْسِ الأَشْجَارِ، وَلَكِنْ لِظَمَأِ الْهَوَاجِرِ، وَمُكَابَدَةِ السَّاعَاتِ،
وَمُزَاحَمَةِ الْعُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ عِنْدَ حِلَقِ الذِّكْرِ»
(مختصر منهاج القاصدين ص394).
الدرس الثامن: رمضان شهر الفرص الثمينة
الفرص الثمينة ينبغي أن نعضّ عليها بالنواجذ، وأن ندعو ربنا كثيرًا أن يُبلّغنا
رمضان؛ لما فيه من الخير العميم، فعن طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه-: أنَّ
رَجُلَينِ قَدِما على رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وكان إسلامُهما جَميعًا،
وكان أحَدُهما أشَدَّ اجتِهادًا مِن صاحِبِه، فغَزا المُجتَهِدُ منهما، فاستُشهِدَ،
ثم مَكَثَ الآخَرُ بَعدَه سَنةً، ثم تُوُفِّيَ، قال طَلحةُ: فرأيتُ فيما يَرى
النَّائِمُ كأنِّي عِندَ بابِ الجَنَّةِ إذا أنا بهما وقد خرَجَ خارِجٌ مِنَ
الجَنَّةِ، فأذِنَ للذي تُوُفِّيَ الآخِرَ منهما، ثم خَرَجَ فأذِنَ للذي استُشهِدَ،
ثم رَجَعا إليَّ فقالا لي: ارجِعْ؛ فإنَّه لم يَأْنِ لكَ بَعدُ.
فأصبَحَ طَلحةُ يُحدِّثُ به الناسَ، فعَجِبوا لذلك، فبلَغَ ذلك رَسولَ اللهِ صلى
الله عليه وسلم ، فقال: مِن أيِّ ذلك تَعجَبونَ؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هذا كان
أشَدَّ اجتِهادًا، ثم استُشهِدَ في سَبيلِ اللهِ، ودخَلَ هذا الجَنَّةَ قَبلَه.
فقال: أليس قد مَكَثَ هذا بَعدَه سَنةً؟ قالوا: بلى. وأدرَكَ رَمَضانَ فصامَه؟
قالوا: بلى. وصلَّى كذا وكذا سَجدةً في السَّنةِ؟ قالوا: بلى. قال رَسولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم : فلَمَا بَينَهما أبعَدُ ما بَينَ السَّماءِ والأرضِ. (صحيح ابن
ماجه ٣١٨٥).