وضع استراتيجي جديد: تحالفات مؤقتة وسيولة في علاقات دول الشرق الأوسط

أدى ظهور الصين وقوَّتها وعودة روسيا لدورها العالمي تدريجياً، وبروز دول إقليميـة بشكل مؤثر على ساحة الصراعات الإقليمية، إلى فتح المجال لتعدد العلاقات حسب المصالح المتغيرة للدول، وهو ما كان مستحيلاً خلال الحرب الباردة وبعدها خلال حالة القطب الأمريكي الواحد


أدى تبلور حالة تعدُّد الأقطاب الدولية وما ارتبط بها من ضعف السطوة الغربية على العالم، بالتزامن مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض وخطواته الانسحابية من المشاركة الدولية للولايات المتحدة... كل ذلك أدى إلى قدْر ملحوظ من السيولة في العلاقات بين دول العالم؛ إذ ضعفت حالة التبعية الحادة للغرب وأصبح ممكناً للدول المتوسطة والصغيرة السعي خلف مصالحها مع أطراف دولية متعددة في الوقت نفسه، وَفْقَ نمط تبادل المصالح بهذا الشأن أو ذاك. وقد وصل الأمر حدَّ عقد التحالفات المؤقتة حول قضايا أو صراعات بعينها، كما توفرت إمكانية تغيير التحالفات حسب تغيُّر المصالح بين فينة وأخرى.

لقد رأينا تركيا (عضوَ حلف الأطلسي) تعقد صفقة سلاح مع روسيا، وتعقد معها وإيران اتفاقات بشأن ترتيب أوضاع الصراع في سوريا، دون مشاركة الولايات المتحدة ودول أوروبا، رغم وجود قواتها على الأرض السورية. ورأينا دولاً في الاتحاد الأوروبي تعقد شراكات مع روسيا عبر خطوط نقل الغاز الروسي الذي تحول إلى معطىً سياسي وإستراتيجي تحاول الولايات المتحـدة مواجهة تأثيراته، ورأينا دول الاتحاد الأوروبي تتحرك للاستفادة من التمويل المالي الصيني في تطوير موانئها ودعم اقتصادها. ورأينا صراعاً بين دول الاتحاد الأوروبي للحصول على المواد الطبية من الصين خلال تفشي جائحة كورونا. ورأينا أمريكا وأوروبا تختلفان وتتصارعان خلال فترة ترامب حول الموقف من إيران، إلى درجة تبادل الاتهامات علناً. ورأينا فرنسا وإيطاليا متصارعتين في ليبيا، ولكلٍّ منهما تحالفات مع دول أخرى من خارج المنظومة الأوروبية. ورأينا دولاً حليفة للولايات المتحدة تستورد السلاح من الصين وروسيا، حتى أن الرئيس الأمريكي السابق ترامب تحدث علناً عن أن عدم بيع السلاح الأمريكي لدول حليفة يجعلها تذهب لتشتري من روسيا والصين.

ورأينا دولاً أخرى حليفة للولايات المتحدة تعقد اتفاقياتٍ دوليةً ذاتَ مدى زمني طويل حول أسعار السلع الأولية إلى درجة الإضرار بأسعار نفس السلع التي تصدِّرها الولايات المتحدة. ورأينا الهند التي كانت أقرب إلى روسيا، تتحـول لتصبح أقرب إلى التعاون مع الولايات المتحدة ثم تعود وتعقد صفقات سلاح مع روسيا فتعترض الولايات المتحـدة. ورأينا باكستان توسع تعاونها إلى أقصى مدى مع الصين رغم الرفض والضغط الأمريكي. بل رأينا الكيان الصهيوني في وضع التعاون الاقتصادي مع الصين وفي وضع التنسيق السياسي والعسكري مع روسيا بشأن سوريا ولبنان.

لقد بدا الغرب منقسماً وغيرَ قادر على ممارسة سطوته السياسية والعسكرية والاقتصادية كما كان الحال من قَبْل، بينما أدى ظهور الصين وقوَّتها وعودة روسيا لدورها العالمي تدريجياً، وبروز دول إقليميـة بشكل مؤثر على ساحة الصراعات الإقليمية، إلى فتح المجال لتعدد العلاقات حسب المصالح المتغيرة للدول، وهو ما كان مستحيلاً خلال الحرب الباردة وبعدها خلال حالة القطب الأمريكي الواحد.

وساهم في تطور تلك الحالة من السيولة في العلاقات الدولية، درجةُ الاضطراب التي حدثت في السياسة الخارجية الأمريكية خلال حكم ترامب؛ الذي أرسل رسائل متناثرة في كافة أنحاء العالم بتخلي الولايات المتحدة عن دورها في قيادة النظام الدولي؛ إلى درجة الانسحاب من منظمة الصحة العالمية ومن اتفاقية المناخ، والذي أعلن عن انسحاب بلاده من الانغماس في كل النزاعات والصراعات في الشرق الأوسط؛ وأنه في الطريق لإعادة كل القوات الأمريكية المشاركة في نِزاعاته، ووصل حدَّ الحديث عن عدم الحاجة الأمريكية لبترول الشرق الأوسط.

تلك السياسات قدمتْ دعماً غير مسبوق لدور الأقطاب الدولية الصاعدة وللدول الإقليمية في إدارة الصراعات والنزاعات، ومنحت معظم الدول الفرصة لتوسيع شبكة مصالحها وتعاقُداتها، دون خشية العقاب من الولايات المتحدة.

والآن بينما يحاول بايدن العودة بدور أمريكا إلى ما كان عليه من قبل وَفْقَ شعار أمريكا عادت مجدداً؛ فهو يصطدم بأوضاعٍ وسياساتٍ ومصالحَ وتحالفاتٍ تشكلت خلال السنوات الأربع الماضية (على الأقل) لكلٍّ من روسيا والصين مع دول العالم وفي منطقة الشرق الأوسط، وللدول الإقليمية التي حددت سياساتها ورتبت علاقاتها وشبكات مصالحها، على أساس ما أرساه ترامب من حالة انسحابية.

لكن تلك الحالة الأمريكية الجديدة في توجهاتها مع وصول بايدن قد وفرت دوافع جديدة هي الأخرى لبحث الدول عن تحالفات أو التقاءات بينية مؤقتة ولتوسيع تحالفاتها الدولية، لتشكيل شبكة أمان لحماية نفسها من العودة الأمريكية للتحكم والسيطرة.

وقد ظهرت خلال الفترة الأخيرة بعض المؤشرات على السير نحو تفاهمات وتغييرات في العلاقات بين دول الإقليم. وهي التي كانت في موضع التفكير بعد إعلانات النوايا التي أطلقهـا بايدن خلال حملة الانتخابات الرئاسية، ثم تنامت بعدما أصدر بايدن قراراته بخصوص اليمن وإيران وليبيا وبشأن صفقات السلاح للدول العربية (على الأقل). لقد تحول شعور دول الإقليم بتهديد مصالحها إلى تقديرات بضرورة التحرك بجدية نحو علاقات إقليمية مختلفة، فصارت تجس نبض بعضها حول مدى الاستعداد لعقد تفاهمات جديدة مختلفة عن تلك التي كانت قائمة خلال حكم ترامب.

وهي حالة يتوقع أن تتصاعد إلى درجة تشكيل وضع إستراتيجي جديد في الإقليم خلال الفترة المقبلة. بعدما بات واضحاً سعي بايدن لإعادة هيكلة الصراعات في الإقليم لمصلحة خط إستراتيجي جديد - وربما سيكون وحيداً - هو خط الصراع مع الصين وروسيا، وبعدما رصدت الدول تحركاً أمريكياً لجعل الشرق الأوسط حالة ملحقة بهذا الصراع الإستراتيجي، على حساب شبكة المصالح التي بنيت خلال السنوات الماضية.

كما يُتوَقع تصاعد التغييرات في علاقات دول الإقليم بعضها مع بعض، لمواجهة عودة بايدن إلى كتالوج أوباما، الذي اعتمد سياسة تفعيل الضغوط على الدول عبر التلويح بورقة حقوق الإنسان وتحويلها إلى سيف مسلط على الرافضين للانصياع للضغوط الأمريكية.

حالة التحالفات المؤقتة ستتغير اتجاهاتها عما كان قائماً من قبل، بسبب التحولات التي يجريها بايدن في السياسة الخارجية الأمريكية؛ سواء ما كان منها متناقضاً مع سياسات ترامب أم ما كان متعلقاً بالأفكار التي يتحدث عنها بايدن والقيم التي يزعم أن السياسة الخارجية ستبنى عليها خلال فترة السنوات الأربع القادمة. وهي تغييرات سيزيد من متانتها إعلان بايدن اعتزامه الترشيح لدورة رئاسية جديدة.

من ترامب إلى بايدن:

منذ وصول بايدن إلى البيت الأبيض، ومع تزايد وضوح معالم سياسته الخارجية في الشرق الأوسط المتعارضة مع سياسة سلفه (وعلى خلفية حالة سيولة العلاقات الدولية الناتجة عن ضعف الغرب وانقسامه) بدت سياسات الدول الشرق أوسطية في وضع التغيير المترقب للتطورات أو التغييرات المستجدة في السياسات الأمريكية. وهي حالة يتوقع أن تتطور تصاعدياً، مع ما يبدو ظاهراً الآن من توجه بايدن لإعادة هيكلة الصراعات في الشرق الأوسط على حساب دول بعينها ولمصلحة خط إستراتيجي للصراع الدولي - ربما الوحيد - هو خط الصراع مع روسيا والصين.

كان ترامب قد اعتمـد سياسة الضغوط القصوى على إيران، وضمن هذا الإطار جرى الضغط على وكلاء إيران في الإقليم. وهو ما فتح مساحة أمام تركيا للتحرك في سوريا وليبيا، وكذا لم يتخذ مواقفاً ضدها خلال تصعيد دورها في شرق المتوسط. وفي العراق قاد ترامب مواجهة مع إيران، بينما لم يطرح وقف الحرب في اليمن. وخلال فترة حكمه لم يرفع ترامب سيف حقوق الإنسان؛ وهو ما اعتبرته الدول إعلاناً بوقف سياسة التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وكان قد وصل ترامب حدَّ الضغط على إثيوبيا إلى درجة إيقاف بعض المساعدات الأمريكية المالية، ووصل حدَّ الحديث عن أن مصر قد لا يكون أمامها سوى قصف سد النهضة.

وفي الشأن الفلسطيني كان ترامب هو أشد الرؤساء الأمريكيين تحيزاً بسفورٍ للكيان الصهيوني؛ إذ نَقَل السفارة الأمريكية إلى القدس وأقر سيطرة الكيان الصهيوني على الجولان.

وعلى صعيد الدورين (الصيني والروسي) في الشرق، لم يُبرِز ترامب موقفاً وحالة صراعية قوية في مواجهة المكاسب التي حققتهما الدولتان. لقد بدا ترامب في موقع الإقرار لروسيا بتدخلها في سوريا، وكذا لم يتحرك بقوة في مواجهة الدور الروسي في ليبيا؛ وهو ما شجع روسيا على التحرك لإقامة قاعدة عسكرية بحرية في السودان. كما لم يبدِ ترامب موقفاً مناهضاً لا للدور الصيني المتصاعد في تمدده من خلال مشروع الحزام والطريق، ولا لصفقات التسليح بين الصين وبعض الدول الشرق أوسطية.

وقد بُنيَت على سياسات ترامب تلك - وغيرها كذلك - حالةٌ واسعة من التغييرات في العلاقات بين الدول الكبرى ودول في الإقليم، وبين دول الإقليم بعضها مع بعض.

لقد ساهم وضع ترامب إيرانَ تحت الضغط في تشجيع دول في الإقليم على إبراز مواقف أكثـر حدَّة منها ومن ميليشياتها في الإقليم. ووصل الأمر حدَّ تغيير نمط العلاقات مع الكيان الصهيوني لتعزيز حالة الصراع مع إيران. وساهم فتح المجال أمام حركة تركيا في الإقليم، في إذكاء مخاوف إقليمية من توسع الدور الإقليمي لتركيا على حساب الوضع العربي، وهو ما دفع بعض الدول للانضمام إلى تحالفات مع دول أخرى من خارج الإقليم لمناهضة التقدم التركي. وهو أمر تجلى في أزمتَي ليبيا وشرق المتوسط. وخلال تلك الفترة تمكنت روسيا من التمدد من سوريا إلى ليبيا إلى السودان. كما تقدمت الصين بمشروعها الطريق والحزام في إفريقيا والشرق الأوسط وصولاً إلى أوروبا، وَفْقَ حالة متنوعة من العلاقات الاقتصادية والسياسية بطبيعة الحال.

والآن يأتي بايدن ليوجه العالم بسياسة مناقضة لسياسة ترامب، وفي الشرق الأوسط؛ لا تغيِّر توجهات بايدن الرؤية والعلاقات الأمريكية مع الدول فقط؛ بل تشمل إعادة ترتيب أولويات وأهمية الصراعات (من وجهة النظر والمصالح الأمريكية) على حساب الدول العربية، والأخطر: أنها تشمل فرض خط صراعي جديد على حساب تلك الدول أيضاً.

لقد شعرت العديد من الدول بأن التغييرات التي يعتمدها بايدن ستكون ضاغطة عليها وعلى حساب مصالحها، ورأت أن مصالحها تتطلب التلاقي الإقليمي في هذا الصراع أو ذاك، ولذلك تجري إعادة ترتيب العلاقات مجدداً، وهو ما يشير إلى أن ظاهرة سيولة العلاقات باتت عنواناً مهمّاً من عناوين العلاقات بين الدول في الشرق الأوسط.

الشرق الأوسط... ساحة ملحقة بالصراع الدولي:

سيزداد وضوح التحولات في السياسة الأمريكية في الشرق من الآن فصاعداً، بما يفرض تحديات فعلية على بعض دول الشرق الأوسط، تدفعها بالضرورة لإحداث تغييرات جادة أو على الصعيد العملي في علاقاتها البينية، بالاختلاف عما كان جارياً خلال حكم ترامب.

بايدن ذاهب الآن في طريق تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة صراع مع الدورَين (الروسي والصيني)، وهو يسعى لربط الصراع في الشرق الأوسط بساحتَي الصراع في المناطق المحيطة بكلٍّ من الصين وروسيا، أو لجعل ساحة الشرق الأوسط ساحة ملحقة بهذا الصراع الإستراتيجي.

لقد قررت إدارة بايدن جعل الصراع مع الصين وروسيا صراعاً إستراتيجياً، إلى درجةٍ أعقد وأشد ضراوة من صراع الحرب الباردة. وضمن هذا الإطار جرت العودة إلى تقوية التحالف مع أوروبا، كإطار مباشر للصراع مع روسيا، كما ذهبت السياسة الأمريكية باتجاه تشكيل تحالف مع الهند واليابان وأستراليا (وكوريا الجنوبية في الظل حتى لا تستفز كوريا الشمالية) كإطار مباشر للصراع مع الصين.وهكذا فاذا كان بايدن قد أحدث تغييراً بإضافة روسيا محوراً إستراتيجياً إلى جانب محور الصين؛ فالأهم أنه يعتمد إستراتيجية بناء تحالف في كل منطقة لمواجهة تحديات الصراع مع كلٍّ من روسيا والصين على حِدَة.

وهنا يأتي الصراع في الشرق الأوسط على سلم أولويات بايدن ضمن السياق الإستراتيجي نفسه. بايدن يتحرك الآن لإعادة ترتيب أولويات الصراعات في المنطقة، بإعلاء الصراع ضد روسيا والصين على حساب كل الصراعات الجارية. وهو ما يجري الإعداد له عبر تسكين حالات الصراع القائمة من جهة، وأهمها الصراع (العربي - الإيراني)، والصراع (العربي الإسلامي - الصهيوني)، و (الصراعات الداخلية في ليبيا واليمن) وفي الأغلب سوريا أيضاً... وما سيجري سيكون حاداً ومباشراً من  جهة أخرى من خلال فتح مساحة لصرعات مستجدة يكون هدفها طرد النفوذين والوجودين الروسي والصيني.

لقد تحركت الولايات المتحدة لتسكين الصراع في ليبيا، ودعم الحل الذي دفعت الأطرافَ للتوافق عليه بهدف تشكيل بيئة طاردة للمرتزقة الروس من هناك.وتتحرك تجاه اليمن لتعزيز العلاقات المستقبلية مع إيران ولقطع الطريق على روسيا والصين في اليمن (على حساب الشعب اليمني والأمن القومي العربي)، والأغلب أنها ستسعى خلال التفاوض مع إيران إلى وقف الاتفاق الإستراتيجي بينها والصين، في مقابل منحها فرصة الإقرار بنفوذها في اليمن والعراق وربما سوريا. وفي الجانب الآخر، فالأغلب أنها في وضع تفاوضي الآن مع دول عربية تمنح نفوذاً ودوراً لروسيا والصين، وربما يتطور الأمر ضغطاً وتفكيكاً وحروباً وتمردات في مرحلة لاحقة.

وستسعى أمريكا لدفع تركيا بعيداً عن روسيا وكذا الحال عند كل الدول التي تستورد سلاحاً من روسيا لتعزيز خطة خنق روسيا.

وهو ما سيجلب أوروبا وحلف الأطلنطي (وربما الهند واليابان وأستراليا وكندا) إلى دوامة الشرق الأوسط تحت قيادة أمريكا، وبذلك سيصبح الشرق الأوسط في كل صراعاته مدوَّلاً.

سيكون الشرق الأوسط في صلب إدارة الصراع مع الصين وروسيا؛ سواء لأن الصين تستورد نفطها منه، أم لأنها تطور خطة الحزام والطريق مروراً به، أم لأن روسيا تمددت فيه من سوريا إلى ليبيا إلى السودان.

وفي كل ذلك سيعود بايدن إلى تفعيل ادعاءات حقوق الإنسان باعتبارها ورقة من أوراق الضغط.


أعلى