• - الموافق2026/03/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
ميزان الرُّقى

لماذا ينتفع بعض الناس بالرقية والذكر فيشفون من أمراضٍ وأسقام، بينما لا يظهر أثرها عند آخرين؟ هل السر في الكلمات نفسها أم في قوة الإيمان وحضور القلب؟ هذا المقال يكشف رؤية عميقة لعلماء الإسلام حول أسرار الشفاء الروحي.


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

أما بعد: «فإن الشفاء من الأمراض والأدواء والأسقام، قد يكون بلا دواء، لا سيما في أهل الوبر والقرى، والقاطنين نواحي الأرض، فيَمُنّ الله على عباده بالعافية، إما بقوة في أبدانهم تتغلَّب على المرض، أو فيما يَسَّرَه الله لهم من نوع حركة وعمل، أو قوة قلب، أو بدعوة مستجابة، أو رقية نافعة، أو حُسْن توكُّل على الله، إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة غير الدواء»[1].

ومن هذه الأسباب التي يَستشفي به المؤمن ويَتداوى بها: الرقية. وهي من جنس الدعاء؛ فإن رقية المؤمن لنفسه ولغيره، من جنس الدعاء لنفسه ولغيره، وهي مِن قَدَر الله، ولا يخرج شيء عن قدَره، بل يردّ قَدَره بقَدَره، فهذا الرَّدّ للمرض بها يُعدّ من القَدَر، ولا سبيل إلى الخروج عن قدَر الله -عز وجل- بوجهٍ من الوجوه؛ فكل من الدافع والمدفوع والدفع من أقدار الله -سبحانه وتعالى-[2].

وهذه الرقى لها شروط يجب توافرها فيها، حتى تكون من الرقى المشروعة، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يُعْرَف معناه من غيره، وأن يَعتقد أن الرقية لا تُؤثّر بذاتها بل بإذن الله تعالى»[3].

ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يُفْقَه معناها؛ لأنها مظنّة الشرك، وإن لم يكن يعلم الراقي إنها شرك؛ إذ عامة ما بأيدي الناس من هذه العزائم والطلاسم والرُّقَى، التي لا يُفْقَه معناها باللغة العربية، فيها ما هو شرك بالجن[4].

وهو ما دلّ عليه الحديث الوارد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الذي رواه الصحابي الجليل عوف بن مالك الأشجعي -رضي الله عنه-، فقال: «كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليَّ رُقَاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك»[5].

وقد ناقش الإمام ابن القيم في كُتبه ومؤلفاته، مسألة الرقية والشروط التي يؤدي توافرها إلى قوتها وكمال تأثيرها، وما الأسباب التي تمنع ذلك، كما تعرَّض للأدوية الطبيعة الحسية والأدوية الطبيعية الإلهية، والتي هي من جنس آيات القرآن والأذكار والدعوات والتعوذات النبوية، كما أكَّد على نجاعة هذه الأدوية، في علاج الأدواء الحسية، والأمراض الروحية من العين والسحر ونحوهما؛ ولهذا سوف أقوم بالاستشهاد بما ذكره هذا الإمام في هذا الشأن.

 يرى ابن القيم أن قوة الرقية وتأثيرها يكون بحسب قوة الراقي، وانفعال المرقي عن رقيته، وهو أمر لا ينكره طبيب فاضل عاقل مسلم[6]، وقبول المحل، وقد أفاض في بيان هذه الأسرار والأسباب، في مواطن عديدة، فقال: «ولا يتم هذا إلا بقوة من النفس الفاعلة، وقبول من الطبيعة المنفعلة، فلو لم تنفعل نفس الملدوغ لقبول الرقية، ولم تقوَ نفس الراقي على التأثير، لم يحصل البُرْء، فهنا أمور ثلاثة: موافقة الدواء للداء، وبذل الطبيب له، وقبول طبيعة العليل، فمتى تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء، وإذا اجتمعت حصل الشفاء ولا بد، بإذن الله -سبحانه وتعالى-.

ومن عرف هذا كما ينبغي؛ تبين له أسرار الرُّقَى، وميَّز بين النافع منها وغيره، ورَقَى الداء بما يناسبه من الرُّقَى، وتبيّن له أن الرقية براقيها وقبول المحل، كما أن السيف بضاربه مع قبول المحل للقطع، وهذه إشارة مطلعة على ما وراءها لمن دقّ نظره، وحَسُن تأمله، والله أعلم»[7].

علاج الرقية للأمراض والأدواء والسموم:

ذهب ابن القيم إلى أن عدم انتفاع البدن بهذه الأذكار والآيات والأدعية، التي يرقي بها الناس طلبًا للشفاء ليس عائدًا لها؛ إذ هي في نفسها نافعة شافية، ولكنها تستدعي قبول المحل وقوة الراقي وتأثيره، وعدم وجود مانع قوي يمنع من تأثير الدواء، كما يحصل ذلك حينما يتعاطى الناس الأدوية الحسية، ويقول: «ولكن هاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يُستشفَى بها ويُرْقَى بها، هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تَستدعي قبول المحل، وقوة همَّة الفاعل وتأثيره، فمتى تخلَّف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قويّ فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام؛ كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان للراقي نفس فعّالة وهمّة مؤثّرة، أثّر في إزالة الداء»[8].

كما أنّ لهذه الرُّقَى تأثيرًا وعلاجًا لذوات السموم، وكذلك فيها علاج لما تفعله السحرة بأجساد بني آدم، فقد جعل الله لكل داء دواء، فتقوى نفس الراقي بالرقية على الداء، فيندفع بإذن الله، كما يستعين الراقي بالنَّفْث والتفل، والنَّفَس المباشر للرقية والذكر والدعاء فيكون أتم تأثيرًا؛ إذ مدار الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال، وهذا يقع في الداء الطبيعي والروحاني، يقول ابن القيم: «وفي تأثير الرُّقَى بالفاتحة وغيرها في علاج ذوات السموم سرّ بديع، فإن ذوات السموم أثَّرت بكيفيات نفوسها الخبيثة، كما تقدم، وسلاحها حماتها التي تَلْدغ بها، وهي لا تَلْدغ حتى تغضب، فإذا غضبت، ثار فيها السُّمّ، فتقذفه بآلتها، وقد جعل الله -سبحانه- لكل داء دواء، ولكل شيء ضدًّا، ونفس الراقي تفعل في نفس المَرْقي، فيقع بين نفسيهما فِعْل وانفعال، كما يقع بين الداء والدواء، فتقوى نفس الراقي وقوته بالرقية على ذلك الداء، فيدفعه بإذن الله.

 ومدار تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال، وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين، يقع بين الداء والدواء الروحانيين، والروحاني والطبيعي، وفي النفث والتفل استعانة بتلك الرطوبة والهواء، والنفس المباشر للرقية، والذكر والدعاء، فإن الرقية تخرج من قلب الراقي وفمه، فإذا صاحَبَها شيء من أجزاء باطنه من الريق والهواء والنفس، كانت أتم تأثيرًا، وأقوى فعلًا ونفوذًا، ويحصل بالازدواج بينهما كيفية مؤثرة، شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية.

وبالجملة: فنفس الراقي تقابل تلك النفوس الخبيثة، وتزيد بكيفية نفسه، وتستعين بالرقية وبالنفث على إزالة ذلك الأثر، وكلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى، كانت الرقية أتمّ، واستعانته بنفثه كاستعانة تلك النفوس الرديئة بلسعها. والمقصود: أن الروح إذا كانت قوية وتكيَّفت بمعاني الفاتحة، واستعانت بالنفث والتفل، قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة، فأزالته، والله أعلم»[9].

يربط ابن القيم بين قوة القلوب والأرواح وعلاج الأبدان، فقد جاءت الأنبياء بالأدوية التي لم يهتدِ إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم، من قوة القلب والاعتماد على الله، والتوكل عليه، واللجأ إليه والانطراح والانكسار بين يديه والتذلل له، وبذل الأعمال الصالحة من الصدقة والدعاء والتوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف والتفريج عن المكروب؛ إذ كلما اتصل العبد بربه، فإن الروح تقوى، ولهذا تقوى النفس والطبيعة وتتعاونا، على دفع الداء وقهره[10].

 وقد تعرض لهذا حينما ناقش الواجب، في حق الطبيب الكامل والحاذق لعلاج الأبدان؛ فقال: «أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان، فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر مشهود، والطبيب إذا كان عارفًا بأمراض القلب والروح وعلاجهما، كان هو الطبيب الكامل، والذي لا خبرة له بذلك، وإن كان حاذقًا في علاج الطبيعة وأحوال البدن، نصف طبيب.

وكل طبيب لا يداوي العليل، بتفقُّد قلبه وصلاحه، وتقوية روحه وقواه بالصدقة، وفعل الخير، والإحسان، والإقبال على الله والدار الآخرة، فليس بطبيب، بل مُتطبّب قاصر. ومن أعظم علاجات المرض: فعل الخير، والإحسان، والذكر، والدعاء، والتضرع، والابتهال إلى الله، والتوبة، ولهذه الأمور تأثير في دَفْع العلل وحصول الشفاء، أعظم من الأدوية الطبيعية، ولكن بحسب استعداد النفس وقبولها، وعقيدتها في ذلك ونفعه»[11].

وهذا من جنس تقوية الجسم بالطعام والشراب، وإعطائه المغذيات والمقويات الطبيعية والصناعية، حتى يقاوم جسم المريض الداء ويتغلب عليه.

إن للأرواح الشيطانية تصرفًا في أجساد بني آدم، بل لو كُشِفَ الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية؛ صرعى لهذه الأرواح الخبيثة، ما لم يدفعها دافع أقوى من العمل الصالح، كالذكر والدعاء والابتهال والتضرع والصدقة وقراءة القرآن، فبذلك تستنزل الأرواح الملكية التي تقهر تلك الأرواح الخبيثة، فيدفع تأثيرها ويبطل شرّها، فمن وفَّقه الله وأحسّ بشيء من ذلك؛ بادَر إلى هذه الأسباب الدافعة للشر، وهي أنفع له من الدواء، وأما إذا أرد الله إنفاذ قضائه وقدره، أغفل قلب العبد عن معرفتها، وصرفه عن تصوُّرها وإرادتها، فلا يشعر بها ولا يريدها، ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا[12].

بل إن هذه الرقى والعوذ والدعوات، أقوى من الأدوية الحسية في علاج السموم القاتلة[13]، فقال: «ونبيّن أن الطبيعة الإنسانية أشد شيء انفعالًا عن الأرواح، وأن قوى العُوَذ، والرقى، والدعوات، فوق قوى الأدوية، حتى إنها تبطل قوى السموم القاتلة»[14].

كما أن الأدوية الحسية الطبيعية من التعوذات والأذكار، يكون نفعها بعد حصول الداء ووقوع المرض، فتُؤخَذ للعلاج والاستشفاء، بينما تتميَّز الأدوية الطبيعية الإلهية، بأنها تُؤخَذ للوقاية من المرض، وتمنع من وقوعه، ولو أُصيب الإنسان بشيء من تلك الأدواء، فإن الضرر منها يكون قليلًا، وإن كان مؤذيًا، فهي إما تمنع وقوع الأسباب، أو تَحُول بينها وبين كمال تأثيرها، بحسب كمال التعوّذ وقوته وضعفه[15].

هذا ما سار عليه ابن القيم في علاج الأمراض الروحية، فيؤكد في كتبه ومؤلفاته على اتصاف كل من الراقي المعالج، والمرقي المريض، بعدد من الأمور: قوة النفس، وصدق التوجه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوّذ الصحيح بأن يتواطأ القلب واللسان عليه؛ إذ هذا نوع محاربة، والمحارب لا تتم له الغلبة بالسلاح على عدوه، إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًّا، فمتى تخلَّف أحدهما لم يُغْنِ السلاح كثير طائل[16].

علاج العين والسحر:

إن هذه الأدوية الطبيعية الإلهية من الدعوات والعُوَذ، لا يقتصر نفعها على معالجة الأدواء الحسية، بل إن لها أثرًا عظيمًا في منع وصول أثر العائن، ودَفْعه بعد وصوله، بحسب قوة إيمان قائلها، وقوة نفسه، واستعداده، وقوة توكله، وثبات قلبه؛ إذ هي سلاح، والسلاح بضاربه[17].

وهذه الأدوية الإلهية تنفع أيضًا في علاج السحر، فكلما كان القلب مغمورًا بذكر الله -عز وجل-، له وِرْد من الأذكار والتعوذات، وله حظّ عظيم من التدين والتوكل والتوحيد، فإن قلبه يكون فيه من القوة الإلهية، التي تَحفظه من السحر، أو تُعالجه منه في حال وقوعه؛ يقول ابن القيم: «ومن أنفع علاجات السحر: الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية، ودَفْع تأثيرها يكون بما يُعارضها ويقاومها، من الأذكار والآيات والدعوات التي تُبْطل فِعْلها وتأثيرها، وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين، مع كل واحد منهما عُدّته وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قَهَره، وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله مغمورًا بذِكْره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات وِرْد لا يخلّ به، يُطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه»[18].

أشار ابن القيم إلى مَلْحظ مُهِمّ في مسألة تأثير السحر في الجسد، وأن ذلك يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة والمتعلقة بالسفليات، وهي قلوب ضَعُف حظّها من التوكل والتوحيد، وكانت فارغة من القوة الإلهية التي يتقوى بها القلب، من خلال الأوراد والدعوات والتعوذات، فتتسلط عليها الأرواح الخبيثة، فتميل إلى ما يُناسبها، ويتمكّن تأثير السحر فيها، وهذا بما كسبت أيدي الناس، فقال: «وعند السحرة: أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات، ولهذا فإن غالب ما يُؤثّر في النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي، ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد، ومَن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوّذات النبوية.

وبالجملة: فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات، قالوا: والمسحور هو الذي يُعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقًا بشيء كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات، والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها، بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها للعُدّة التي تحاربها بها، فتجدها فارغة لا عُدّة معها، وفيها ميل إلى ما يُناسبها، فتتسلط عليها، ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره، والله أعلم»[19].

وها هنا قاعدة ينبغي أن يستصحبها المؤمن في حياته، فيُحْسِن الظن بالله -عز وجل-، ولا يظن به إلا خيرًا، فيعتقد بأن الشفاء من عنده، وأن إجابة الدعاء وتحقيق المراد بيده -سبحانه-، فيدعوه ويستشفيه وهو ظانٌّ بالرب -سبحانه وتعالى-؛ إجابة دعائه وتحقيق مراده وحصول مطلوبه، فيكون له ذلك، كما جاء في الحديث القدسي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي؛ إن ظن خيرًا فله، وإن ظن شرًّا فله»[20].

كما ينبغي أن يتيقن العبد بأن كفاية الله للعبد تكون لمن قام بحقوق العبودية، كما قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: «وقوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36]؛ فكلما كان العبد أقوم بحقوق العبودية؛ كانت كفاية الله له أكمل وأتم، وما نقص منها نقص من الكفاية بحسبه»[21].

الخاتمة

إن المتأمل فيما ابتلى الله عباده من الأمراض والذنوب والشهوات والأرواح الخبيثة، تتجلَّى له فيها حكمة الرب -عز وجل- وربوبيته؛ إذ ما كتب عليهم شيئًا من ذلك، إلا وقد يسَّر لهم ما يستعينون به عليه ويدفعونه به، فإن الله -عز وجل- يُربّي عبده على السراء والضراء، فيستخرج منه عبوديته على اختلاف الأحوال[22]؛ يقول ابن القيم: «هذا من تمام حكمة الرب -عز وجل-، وتمام ربوبيته، فإنه كما ابتلى عباده بالأدواء، أعانهم عليها بما يَسَّره لهم من الأدوية، وكما ابتلاهم بالذنوب؛ أعانهم عليها بالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المُكفّرة، وكما ابتلاهم بالأرواح الخبيثة من الشياطين؛ أعانهم عليها بجند من الأرواح الطيبة، وهم الملائكة، وكما ابتلاهم بالشهوات، أعانهم على قضائها بما يسَّره لهم شرعًا وقدَرًا، من المشتهيات اللذيذة النافعة، فما ابتلاهم سبحانه بشيء، إلا أعطاهم ما يستعينون به على ذلك البلاء، ويدفعونه به، ويبقى التفاوت بينهم في العلم بذلك، والعلم بطريق حصوله، والتوصل إليه، وبالله المستعان»[23].

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نفيس، عن ابتلاء الله -عز وجل- عباده بالشدائد، وما تؤدي إليه من أعمال وأحوال ومقامات كلها خيرٌ وفلاح، فإن الله لا يخلق شرًّا محضًا، وأقداره يكمن فيها النعم العظيمة، وفيها مصالح للعباد لا يدركها كثير من الناس، فقال: «فمن تمام نعمة الله على عباده المؤمنين: أن يُنْزِل بهم الشدة والضّرّ، ما يُلجئهم إلى توحيده، فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه لا يرجون أحدًا سواه، وتتعلق قلوبهم به لا بغيره؛ فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة إليه، وحلاوة الإيمان وذوق طعمه والبراءة من الشرك، ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف أو الجدب، أو حصول اليُسْر وزوال العسر في المعيشة؛ فإن ذلك لذّات بدنية ونِعَم دنيوية، قد يحصل للكافر منها أعظم مما يحصل للمؤمن، وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين، فأعظم من أن يُعبِّر عن كُنْهه مقالٌ، أو يَستحضر تفصيله بالٌ، ولكل مؤمن من ذلك نصيبٌ بقَدْر إيمانه»[24].

 


 


[1] انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (21/ 563).

[2] انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ابن تيمية، (65-66)، زاد المعاد، ابن القيم، (4/16).

[3] فتح الباري، ابن حجر، (10/ 195).

[4] انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (19/ 13).

[5] صحيح مسلم، رقم الحديث (2200).

[6] انظر: زاد المعاد، ابن القيم، (4/187).

[7] مدارج السالكين، ابن القيم، (1/57).

[8] الداء والدواء، ابن القيم، (8-9).

[9] زاد المعاد، ابن القيم، (4/178-180).

[10] انظر: زاد المعاد، ابن القيم، (4/11-12).

[11] زاد المعاد، ابن القيم، (4/144).

[12] انظر: زاد المعاد، ابن القيم، (4/39-40، 69).

[13] أرجو ألا يُفْهَم من كلامي؛ الدعوة إلى ترك التداوي بالأدوية الحديثة، ولكن المراد هو تنبيه المؤمن إلى ضرورة العناية بهذه الأدوية الطبيعية الإلهية، والاعتقاد بنجاعتها في علاج الأمراض الحسية والروحية، فيجمع بينها وبين الطب الحديث.

[14] زاد المعاد، ابن القيم، (4/40).

[15] انظر: زاد المعاد، ابن القيم، (4/182).

[16] انظر: زاد المعاد، ابن القيم، (4/67-68).

[17] انظر: زاد المعاد، ابن القيم، (4/170).

[18] زاد المعاد، ابن القيم، (4/126-127).

[19] زاد المعاد، ابن القيم، (4/127).

[20] صحيح الجامع، الألباني، رقم الحديث (4315).

[21] القواعد الحسان، ابن سعدي، (ص25).

[22] انظر: طريق الهجرتين، ابن القيم، (2/603).

[23] زاد المعاد، ابن القيم، (4/134-135).

[24] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (10/333).

أعلى