• - الموافق2026/03/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
نفي الريب باعتراض الجُمَل في القرآن الكريم

هل لاحظت يومًا أن القرآن يجيب عن أسئلة قد تخطر في ذهن القارئ قبل أن ينطق بها؟ وكيف تُستعمل الجمل المعترضة في الآيات لإزالة الشكوك والريب من النفس؟ هذا المقال يكشف سرًّا بلاغيًا دقيقًا يبرز قوة البيان القرآني وعمق تأثيره.


نتعلّم مِن الآليات المُوظَّفة لبيان المعنى في القرآن الكريم، ومِن تأمُّل تناسُبها مع كل مقام وُضِعَت له؛ شيئًا من دلائل قوة البيان القرآني، ويُسهم ذلك في رفع مقدرتنا البيانية، ثم يسوقنا هذا التأمل والتعلم والتعرف إلى تدبُّر أفضل لآي القرآن الكريم، وفَهْم أفضل لمعانيه.

ولا يُشترط أن تكون هذه الآليات مطردة نهجًا، أو قانونًا يَعُمّ في مقام ما في القرآن الكريم، وتكفي الإشارة إليها في مواضعها، وأن يكون هناك قرينة عقلية تقنع بأنها ناسبت مقامها، وقوي البيان بها.

 ومن الآليات البيانية المُوظَّفة في القرآن الكريم لبيان المعنى «اعتراض الجُمَل»، وقد جاءت في مقام الارتياب في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وظهرت مناسبتها له.

الارتياب حالة نفسية يتردّد معها الذهن بين الإثبات والنفي ويتوقف عن الحكم. والاعتراض: هو اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم يرجع إليه فيُتمّه (العسكري: 395هـ)؛ أي: الإتيان بجملة أو أكثر في أثناء الكلام، أو بين كلامين متصلين معنًى؛ لنكتة أو فائدة، فتُعَدّ الجملة لا محل لها من الإعراب، ويتعلق ما قبلها بما بعدها باتباع، أو إخبار، أو وصفية، فتقع بين متطالبين، كأن تقع بين المبتدأ والخبر، أو بين ما أصله المبتدأ، أو ما أصله الخبر، أو بين الفعل ومعموله، أو بين الموصوف وصفته، أو بين المعطوف والمعطوف عليه، أو بين الشرط وجوابه، أو بين القسم والمقسم عليه، أو بين جملتين مستقلتين بينهما علاقة سببية، أو تفسيرية.

 وبالنظر إلى اعتراض الجملة في القرآن الكريم، نجد أن لكل جملة مُعترِضَة في القرآن الكريم فائدةً استفاض العلماء بشرحها في سياق البيان، واللغة والتفسير، ومنها: التنزيه، والتنبيه، والدحض، والتوبيخ، والتعظيم، ... إلخ.

ويُلاحَظ أن اعتراض الجملة في أكثر من موضع في القرآن الكريم أتَى لغرض متصل بالمقام الذي وُضِعَت له الجملة، وأوسع من الفائدة المحصلة من الجملة المعترضة وحدها، وهو نفي ريب واقع إثر معنى؛ أي معنى غير منصوص عليه، أوقع الريب في نفس السامع، وإثر معنى منصوص عليه هو الباعث للمعنى الآخر المريب، فينتفي الريب بها، فلا تأتي إتمامًا للمعنى الأول ولا جوابًا له، وهذه المهمة يقوم بها الجزء الذي يليها، المُتمّم للمعنى الأول.

ومن اعتراض الجمل في القرآن الكريم

1-ما وقع في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ -وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ- وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]؛ وقع الاعتراض في هذه الآية بجملة {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} بين المعطوف والمعطوف عليه، والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا. وذلك في سياق ما قد يتردد في نفس الإنسان عند استغفاره الله -عز وجل- لذنبه، فيكون الريب أن يقول في نفسه: ربما لن يغفر الله لي، أو أن يظن بأن له جهة أخرى يمكنه التوجُّه إليها تكون أهلًا للمغفرة؛ فيأتيه النفي بالإثبات والتوكيد بالحصر.

2- قال الله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 75- 77].

وقع الاعتراض في آية: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}؛ فأتت مُعترِضَة بين القسم وجوابه؛ لفائدة الإعظام للمقسم به، والتفخيم لشأنه، والتقدير: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}، وذلك في سياق ما قد يتردد في نفس الإنسان جهلًا منه لعظمة المقسم به {مَوَاقِع النُّجُوم}؛ أي: مساقطها في مغاربها، فللنجوم في جريانها، وسقوطها عند مغاربها، ومواضعها في منازلها وبروجها، آياتٌ وعِبَر لا يمكن حَصْرها، ولله تعالى في ذلك دليل على عظيم قدرته وكمال حكمته ما لا يحيط به نطاق البيان.

ذكر الألوسي في رواية عن قتادة، والحسن أن الوقوع بمعنى السقوط والغروب، وتخصيصها بالقسم؛ لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مُؤثّر دائم لا يتغير، واستدل النبي إبراهيم -عليه السلام- بالأفول على وجود الصانع -جل وعلا-.

قال ابن كثير: وقوله: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}؛ أي: وإن هذا القسم الذي أقسمتُ به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظّمتم المقسم به عليه، {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}؛ أي: إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم.

3-قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10]؛ وقع الاعتراض في جملة {اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ}، أي: أن الله يعلم سرائرهنّ، ولكن عليكم أن تختبروا ذلك بما تستطيعون من الدلائل (تفسير ابن عاشور).

 والريب يتمثل فيما قد يقع في نفوس المؤمنين، بأن يرتابوا من صدق إيمانهن؛ قال السعدي: «أمر الله المؤمنين إذا جاءهم المؤمنات مهاجرات، وشكّوا في صدق إيمانهن، أن يمتحنوهن ويختبروهن، بما يظهر به صدقهن، من أيمان مُغلَّظة وغيرها، فإنه يحتمل أن يكون إيمانها غير صادق بل رغبة في زوج أو بلد، أو غير ذلك من المقاصد الدنيوية».

وجاء أمر المؤمنين بامتحانهن، والأخذ بنتائج هذا الامتحان، والعمل بها بحسب ما يغلب على ظنهم، وسمّى الظن القوي علمًا للإيذان بأنه كالعلم في وجوب العمل بمقتضاه، فيجب أن تُعامَل المُهاجِرة التي أظهرت الصدق على أنها مؤمنة صادقة بعد امتحانها، فينتفي الريب من نفوسهم تجاهها، ويعمل بالأحكام الخاصة بها، فأتت الجملة المعترضة {اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ} بحسب صاحب الكشاف؛ لبيان أن معرفة خفايا القلوب، مردّها إلى الله -تبارك وتعالى- وحده. وقوله: {اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ}؛ أي: منكم؛ لأنكم لا تكسبون فيه علمًا تطمئن معه نفوسكم، وإن استحلفتموهن ودرستم أحوالهن، فعند الله حقيقة العلم به.

أما العلم في قوله -تبارك وتعالى-: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ}؛ فالمراد به الظن الغالب، أي: فإن غلب على ظنّكم بعد امتحانهن أنهن مؤمنات صادقات في إيمانهن، فأبقوهن عندكم، ولا ترجعوهن إلى أزواجهن أو إلى أهلهن من الكفار.

4-قال الله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ -وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ- قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 101]؛ وقع الاعتراض في هذه الآية في جملة {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} بين الشرط وجوابه؛ لفائدة توبيخ المشركين، وتجهيلهم، وتبديل الآية مكان الآية هو النسخ، والله -تبارك وتعالى- ينسخ الشرائع بالشرائع؛ لأنها مصالح (تفسير الزمخشري).

قال القرطبي: «قيل: المعنى بدَّلنا شريعة متقدمة بشريعة مستأنفة».

والريب الذي يحاول المشركون أن يُوقعوه في النفوس أن يقولوا: إن هذا التبديل دليل على أن المُبدَّل يُنافي الحق، ولا يتصف بالصدق، وترتب عليه القول: إنك أنت يا محمد تَختلق هذا القرآن من عند نفسك، وتفتريه من إنشائك واختراعك.

وجاء نفي الريب بجملة الاعتراض: بأن الله -تبارك وتعالى- أعلم من كلّ مخلوق بما هو أصلح لعباده، وبما يُنزله من آيات، وبما يُغيِّر ويُبدِّل من أحكام، فكل من الناسخ والمنسوخ مُنزَّل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة (تفسير القاسمي).

وما كان مصلحة بالأمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم وخلافه مصلحة (تفسير الزمخشري).

فنسخ الآية أو تبديلها لا يصدُر إلا عن عِلم تامٍّ، وحكمة بالغة، والله أهل لذلك، أما المشركون فيفتقدون إلى الأهلية التي تقتضي منهم معرفة حال المُنَزَّل والحكمة منه، والحكمة من تبديل غيره مكانه لجهلكم.

ولم يأتِ في نص الآية نَفْي مباشر للبهتان الذي صدر عنهم بحق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ {إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ}، والمترتب على الريب المذكور، بل جاء ضمنيًّا بذكر المصدر الذي تسبَّب بإيقاع هذا الريب في نفوسهم وهو جهلهم -ومعلوم أن الجاهل قد يطعَنُ فيما يجهلُ-، وجاء نفيه كذلك بإثبات العلم لله -عز وجل- {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ}، ثم نفي العلم عنهم؛ {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}؛ قال الألوسي: «جاءت الجملة معترضة؛ لتوبيخ الكفرة، والتنبيه على فساد رأيهم، والمقصود منها تعليم المسلمين الرد على المشركين؛ لأنهم لو علموا أن الله هو المنزل للقرآن لارتفع البهتان».

في كل مثال أربعة أنواع من المعنى

ويبدو واضحًا أن كل مثال من الأمثلة المتضمنة للجملة المعترضة التي أوردناها تضمن أربعة أنواع من المعنى: المعنى الباعث، والمعنى المريب، والمعنى المعترض، والمعنى المتمّم.

المعنى الأول: المتمثل بـ(الجزء الأول المنصوص عليه)، وهو الباعث على المعنى المثير للريب.

المعنى المريب: (غير المنصوص عليه) الذي أوقع الريب، واستثير في نفس السامع.

المعنى المعترض: المتمثل بـ(الجملة المعترضة)، وهو المعنى المُطَمئن الذي ينتفي الريب به في نفس السامع.

المعنى المتمّم: المتمثل بالجزء الذي يلي الجملة المعترضة، المتعلق بالمعنى الأول.

من البيان والحكمة أن تأتي المعاني الممثلة لارتياب النفس والجواب بنفيها في القرآن الكريم بصورة معنى مضمّن، وآخر معترض على هيئة جملة لا محل لها تناسبًا مع مقتضى حالها، وكذلك أن تبرز الجملة المعترضة في النص، بينما لا يُؤتى بالمعنى الذي يُوقع الريب نصًّا في الكلام، وفي ذلك منع لإعظامه.

 تتجلى قوة البيان القرآني بشموله المعاني التي قد تتردد في النفس غير المنصوص عليها بصحبة المنصوص عليها، وبلا إخلال لإحكام نَظْم الكلام أو غرابة جزء منه عنه، وتظهر في القرآن الكريم مقدرة بيانية عالية على امتلاك لُبّ السامع من خلال توظيف الجملة المعترضة، وذلك بالجواب عما قد يختلج في نفسه، ويَرِد إلى خاطره، وعدم إهمال ما يحدث له من معانٍ في أثناء القراءة.

أعلى