• - الموافق2026/03/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
النظر والتأمل في عواقب ونهايات الأمم والدول

لماذا سقطت حضارات عظيمة رغم قوتها وعمرانها وإنجازاتها المادية؟ وهل يكشف لنا القرآن سرّ القانون الذي يحكم قيام الأمم وسقوطها عبر قصص عاد وثمود وفرعون وغيرهم؟ تأمل يكشف السنن الربانية التي لا تحابي أمة، ويبين الطريق الحقيقي لنجاة الحضارات وبقائها.


نظرًا لأهمية السُّنن التاريخية، وعلاقتها بقيام وسقوط الحضارات؛ قدَّم القرآن الكريم تلخيصًا وافيًا ودقيقًا عنها؛ حيث نبَّه المسلمين إلى أهمية التعرُّف عليها؛ عن طريق عَرْضه لقصص الأمم السابقة، وكَشْفه عن مآلات ونهاية المُكذِّبين؛ للإفادة منها في الاعتبار واستخلاص الدروس وبناء الحضارة، وكيفية المحافظة عليها من السقوط.

وقد دُعِيَ الإنسان في القرآن الكريم إلى النظر في عواقب الأشياء، ولا سيما عواقب الأقوام والأمم، وهو نظر قُصِدَ منه تلمُّس أثر الماضين، وما حدَث لهم؛ بِنِيَّة اكتشاف سُنَن الحضارات، والنظر والتأمل في عواقب ونهايات الأمم السابقة.

وقد جاءت «العاقبة» في الكتاب العزيز مُطلَقة عامة وغير مُقيَّدة، وجاءت مُقيَّدة بذِكْر أقوام وأُمَم مثل قوم نوح وعاد وثمود وقوم فرعون وقوم شعيب وغيرهم، استُؤصِلُوا وأُبِيدُوا بسبب إعراضهم عن منهاج الله تعالى، وجحود وحدانيته والكفر برسله -عليهم الصلاة والسلام-.

ومثال العاقبة المطلقة قول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9].

وهاهنا تنبيه عام للسير في الأرض والنظر في عاقبة جميع الذين كذَّبوا رسلهم، وخالفوا أمر الله تعالى، ممن هم أشد قوة من قريش، وأكثر تأثيرًا في الأرض؛ حيث عمروها ببناء القصور والمصانع، وإجراء الأنهار، فلم تُغْنِ عنهم قوتهم شيئًا، ولا نَفَعتهم آثارهم حين كذَّبوا رسلهم الذين جاءوهم بالبينات الدالة على الحق. فمن ينظر في آثار أولئك الأقوام لم يجد إلا أُممًا بائدة، وخَلْقًا مُهْلَكين، وآثارهم بعدهم مُوحِشَة.

فالقصد من التاريخ هو السير في الأرض ببصر للتأمل والتدبُّر في عواقب الأولين من خلال بقايا آثارهم؛ بقصد معرفة أحوالهم، وكيف سادت حضارتهم حينًا من الدهر ثم بادت.

والآثار والشواهد على ما بقي وعلى ما اندثر من إبداعات الحضارات الماضية دليل على أهمية تحصيل العبرة والاستفادة مما حاق بهم؛ {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} [هود: 100]؛ فالقائم منها كمدائن صالح، وأهرامات الفراعنة، وسور الصين العظيم. والحصيد كمدينة عاد، وسد مأرب، وبقايا آثار الرومان المرسومة على خريطة العالم القديم. فما ظلمهم الله -عز وجل- بعد أن بيَّن لهم وأرسل إليهم الرسل والكتب التي رَسَمت لهم منهاج حركة الحياة، ولكن ظلموا أنفسهم بالشرك والكفر والعناد. لقد أهلكهم الله -جل ذِكْره- فَتُبِّرُوا تتبيرًا، ولم تُغْنِ عنهم إنجازاتهم المادية وإبداعاتهم الحضارية شيئًا.

وكأن الله -جل في علاه- أراد أن يُبيِّن حقيقة واحدة، وهي إثبات قدرته على كل شيء، وأن بلوغ المستويات العليا من الحضارة لا يَعْصم أصحابه من السقوط الحضاري حين التعرُّض إلى سنن الله تعالى وحدوده، لأن السنن الربانية غلّابة تَحْصد مَن خالفها.

وجاءت العاقبة في القرآن الكريم مُقيَّدة بذِكْر أقوام بعينهم كعاد وثمود وقوم فرعون وقوم لوط وغيرهم. ففي سياق الحديث عن قوم لوط قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}[الأعراف: 84]؛ وقد كان قوم لوط خليطًا من الكنعانيين وممن نزل حولهم، وكانوا يقطنون في المنطقة الواقعة بين تخوم الشام والحجاز مما يلي الأردن وفلسطين، في خمس قرى أكبرها سدوم[1].

وكانوا قد ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من أهل الأرض، واشتهروا بها من بين الأمم، ألا وهي إتيان الذكور دون النساء. وفي قصتهم لم يَرد ذِكْر للتوحيد على الإطلاق، بل كان التركيز على إنكار هذه المعصية المتأصلة فيهم ربما أكثر من الشرك، فاستحلّوها وأصبحت جزءًا من نظام حياتهم، واستطابوها حتى عدّوا مَن يتنزه عنها إنسانًا غير سوي يستحق الطرد من مدينتهم، كما جاء عنهم في بيان ردّهم على إنكار لوط -عليه السلام- هذا العمل المنحط الشنيع؛ {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56].

ولما نهاهم لوط -عليه السلام- وزَجَرهم وأنذرهم عاقبة هذه الفِعْلة الشنيعة، ما زادهم ذلك إلا إصرارًا وعنادًا، فهددوه بالطرد والإخراج من بين أظهرهم؛ {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} [الشعراء: 167]؛ وكان هلاكهم بألوان من أشد العذاب؛ إذ قلب الله تعالى قُراهم فجعل عاليها سافلها، ورافق ذلك صيحة عظيمة ومطر وبيل بحجارة من سجيل، فأُبِيدُوا عن آخرهم؛ {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [الحجر: 73-74].

ونموذج آخر من التاريخ القديم لأُمّة أنعم الله -جل ثناؤه- عليها فأصرّت على الكفر والتكذيب والإفساد في الأرض، فكان عاقبتها في الدنيا الغرق، وفي الآخرة العذاب الأليم. وهذه الأمة هي فرعون وقومه الذين آتاهم الله -تبارك وتعالى- كثيرًا من نعم الدنيا وزينتها. فكان لهم المُلك والسلطان، وكانوا في رغد من العيش بسبب ما منَحهم المولى -سبحانه- من الأموال والقوة، وأنشأ لهم من الجنات وأجرى لهم من الأنهار: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ   وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 25-27].

وقد بيَّن القرآن الكريم نظرة فرعون وقومه إلى النعم، تلك النظرة المبنية على أمر يُعدّ سببًا رئيسًا في الإملاء لهم واستدراجهم إلى حتفهم، وهو الاغترار بالنعم وعدم الإدراك بأنها إملاء من الله تعالى لهم واستدراج لهم إلى العذاب الذي ينتظرهم. وقد نصحهم مؤمنهم فقال: {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا} [غافر: 29]. لكنهم كانوا يعتقدون أنهم في مأمن ومَنَعة من حلول العذاب بهم؛ لما يرون لأنفسهم من القوة والسلطان على أهل الأرض، فحذّرهم مؤمنهم الذي كتم إيمانه من التمادي في التكذيب والاغترار بالملك والسلطان[2].

ولما جاء أمر الله تعالى بإهلاك فرعون وجنوده؛ حيث انقضى أمَد الإملاء؛ استدرجهم الله -عز ذِكْره-؛ فخرجوا في أثر بني إسرائيل يريدون اللحاق بهم وإعادتهم إلى الخدمة والاستعباد، فوصلوا إلى ساحل البحر الأحمر، وقد عبر بنو إسرائيل بعد أن فلق الله -عز وجل- البحر بحوله وقوته، وجعل لهم فيه طريقًا يبسًا. فطمع فرعون فيهم، فدخل هو وجنوده البحر، فلما دخل آخرهم ولم يَخْرج أولهم، أمر الله تعالى البحر فانطبق عليهم، فغرقوا جميعًا. قال تعالى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 78]، وقال -جل شأنه-: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 103]؛ هذا في الدنيا، أما عاقبتهم في دار البرزخ ويوم القيامة؛ فهي {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46].

ومن التنبيهات المهمة: أنه ليست كل العواقب مآلها السوء والعقاب في تاريخ البشرية. بل هناك عواقب خير تُبشّر صنفًا من الناس أحسنوا في الدنيا، وانقادوا لحكم الله تعالى وشرعه، وأطاعوا رسله، بالحياة الطيبة في الدنيا ووراثة الأرض، والسعادة في الآخرة؛ قال تعالى: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]، وقال -جل ذِكْره-: {تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].

على أن المتتبع لمنهاج القرآن الكريم في قصص أحوال الأمم السابقة؛ يجد أن أسباب انقراضها واندثار حضارتها لا يعود أبدًا إلى قصور عمراني أو سوء في إدارة الموارد واستغلالها، وإنما يعود إلى قصور داخلي يتمثل في الإعراض عن منهاج الله تعالى. وهذه الحقيقة بارزة في جميع أخبار الأمم السابقة، حتى يتأصل في حسّ القارئ للكتاب العزيز إعطاء الأولوية لصواب المنهاج قبل أي شيء آخر[3].

والمفهوم الرئيس لهذا المنهاج القائم والمرتكز على التقوى هو الحرص على تهذيب الذات وتحسينها والرقي بها، وهذا لا يمكن حصوله إلا بأداء الفرائض، والانتهاء عن المحرمات، والوقوف عند حدود الله تعالى. كما يستوعب هذا المنهاج: المزيد من الالتزام الصارم، ومقاومة الشهوات والشبهات، والتضحية والبذل في سبيل الله تعالى. وبناء على هذا يتم قطف الثمار وتحصيل النتائج المرجوة لقوله تعالى: {إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49].

ومن نافل القول: إن التقوى هي الأساس الأعظم والمُحصّلة النهائية لفوز الجماعات والشعوب والأمم في مقاصدها وأهدافها، وانتصارها على خصومها وأعدائها؛ وإنها مناط النجاة في الدنيا والسعادة في الآخرة. فالله -تقدست أسماؤه- أوجب على المسلمين أن يتقوه بمقتضى دينه وشرعه، وذلك بترك كل ما يُفْسِد العقائد والأخلاق والروابط الخاصة والعامة، وتَحرّي ما يُصْلِحها باتباع ولزوم هُدَى القرآن والسُّنة.

كما أمر -سبحانه وتعالى- عباده الصالحين بالتقيُّد بسُننه في نظام خلقه. وهو ما أرشد إليه من قوانينه في حياة الأمم وموتها، وقوتها وضعفها، ونهوضها وسقوطها، وكون هذه السنن ثابتة صارمة مطردة في جميع شؤون الحياة، لا محاباة فيها بين أهل المِلَل والنِّحَل. وعلى أساس هذه النظرية الشاملة العميقة، التي تأخذ جميع العوامل بالحسبان؛ تحصل للأمم العاقبة المرجوة في السيادة والسعادة والسؤدد والمجد[4].

 


 


[1] الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 1/307. والمسعودي: مروج الذهب، 1/57. والطاهر بن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، 8/229.

[2] سعيد بابا سيلا: أسباب هلاك الأمم السالفة، ص380.

[3] عبد الكريم بكار، وإن تصبروا وتتقوا، مجلة البيان، العدد 105، ص26.

[4] رشيد رضا: تفسير المنار، 12/206. وعبد الكريم زيدان: السنن الإلهية، ص220.

أعلى