• - الموافق2026/03/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
سيمون دي بوفوار وتيار النسوية الغربية  الطرح والرؤية المضادة

هل المرأة مجرد كائن مستقل تُربّى لخدمة الفردية أم أنها شريك متكامل في الأسرة والمجتمع؟ كيف أثرت أفكار سيمون دي بوفوار على الهوية النسائية، وهل الفردانية الغربية تُضعف القيم الأسرية وتغيّب دور الأسرة في تربية الأجيال؟


هل الأنوثة مُركَّب عقلي، وهل تُربَّى المرأة لأن تكون مجرد أنثى ضعيفة مُسلِّية للرجل، مسلوبة الإرادة خفيفة العقل؟

 كان هذا السؤال منطلقًا للنظرية التي طوَّرتها بعد ذلك الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار (9 يناير 1908 - 14 أبريل 1986م)، التي تُعَدُّ واحدةً من أهم المُفكّرات والداعيات والناشطات في مجال النسوية في النصف الثاني من القرن العشرين؛ حيث نفت «سيمون» أن تكون البيولوجيا (التكوين العضوي والفسيولوجي) أساسًا لذلك، مع إقرارها أن فَهْم جسد المرأة بيولوجيًّا يمكن أن يكون مفتاحًا لفَهْم عالمها الخاص، ولكنها ترفض الفكرة القائلة: إن المعطيات البيولوجية هي التي تُقرِّر مصير المرأة نهائيًّا، فهذه المعطيات لا تكفي لتحديد التمايز بين الجنسين، ولا تُفسِّر لماذا تُعدّ المرأة الجنس الآخر، كما لا تحكم عليها بأن تحافظ إلى الأبد على هذا الدور الثانوي.

وتتبنَّى من أجل هذا مقولة الفيلسوف «ميرلو بونتي»: «ليس الإنسان نوعًا طبيعيًّا، بل هو فكرة تاريخية». وتؤكد أن المرأة ليست واقعًا ثابتًا، بل هي صيرورة، وينبغي مقارنتها مع الرجل في صيرورتها؛ أي: ينبغي تحديد إمكانياتها، لا أن تقتصر المرأة على ما هي عليه الآن، أو كانت عليه من قبل. وترفض أن تخضع المرأة لأعراف المجتمع، وأن البيولوجيا لا تنتج القِيَم، ولا بد أن نبحث عن مكانة مختلفة للمرأة، بدلًا من أن تكون الجنس الآخر[1].

طروحات «سيمون دي بوفوار» تستهدف إعادة صياغة وَضْع المرأة في المجتمع، وتغيير النظرة إليها، فيُنظَر إليها بوصفها إنسانًا مساويًا للرجل، وليست في مرتبة أدنى بحكم أن تكوينها العضوي، يَفْرض عليها وظائف بعينها، تقتصر على إمتاع الرجل، وإنجاب الأطفال، وانتظار النفقة من الرجل، وأيضًا الحماية منه، أما بقية المِهَن والأعمال التي يقوم بها الرجل، فتظلّ حكرًا عليه، وتُحْرَم منها المرأة.

وتفترض «دي بوفوار» أنه في حالة تغيير الفكر السائد عن المرأة، فإن القوانين والقِيَم والأعراف الاجتماعية ذاتها ستتغير، وستصبح المرأة في مكانة عالية، بوصفها توأمًا للرجل، وليست في المرتبة الأدنى منه، فالتكوين العضوي واحد، وإن اختلفت أعضاء التناسل، وهذا لا شك فيه.

من جهة أخرى، ترفض «بوفوار» أن يكون الهدف من تربية الفتاة هو إعدادها للزواج، بل لا بد أن يكون الهدف تربيتها من أجل ذاتها، تقول ما نصّه: «ولا يزال الأهل يُربّون ابنتهم في سبيل الزواج، أكثر من أن يشجّعوا تطويرها الشخصي، والفتاة ترى في ذلك من المزايا حتى أنها تتمناه لنفسها، وينجم عن ذلك أنها تكون غالبًا أقل اختصاصًا من إخوتها، وأقلّ اهتمامًا بمهنتها، لذلك تبقَى أقصر باعًا فيها. حينئذ تصبح الحلقة الفاسدة مغلقة، فيقوى فيها نقصها بالرغبة في إيجاد زوج. إن العصر الحالي يقتضي من النساء العمل، بل يضطرهن إليه، وفي الوقت نفسه يغررهن بالبطالة واللذائذ. والنساء لا يزلن إلى الآن في حالة التبعية، وينجم عن ذلك أن المرأة تعرف نفسها وتختار لنفسها، لا على أنها موجودة بذاتها، بل كما يُحدّدها الرجل. إن كونها للرجل عنصرًا جوهريًّا من عناصر وضعها القانوني»[2].

إن نظرة «دي بوفوار» للمرأة تنتصر لشخصيتها كما يبدو للوهلة الأولى، وترى أهمية أن تُطوِّر المرأة ذاتها، لا أن تكون مهمتها الأساسية، والتي تتم تربيتها عليها؛ هي الزواج، ورعاية الرجل والأولاد، وهذا كلام في ظاهره مُقنع، ولكن باطنه يرى الرجل وحشًا ينظر لأي امرأة على أنها متاع له، يحقّ له التحكم فيها، يَظلمها ويهينها ويجعلها تابعة له، بل إن كينونتها ووجودها يأتي من كينونة الرجل ووجوده، وتلك فرضية تتجاهل التكوين العضوي للمرأة بأن من وظائفها في الحياة أن تكون زوجة، وأُمًّا، ومُربّية للأطفال، ومسؤولة عن شؤون الأسرة وداخل البيت، وهي أعمال لا تعني أبدًا أن تظل المرأة مقتصرة على ذلك، بل نرى أن هذه المسؤولية الأولى لها، مثلما أن الرجل هو الآخر سيكون زوجًا، وأبًا، ومساهمًا في تربية الأسرة، ومسؤولًا عن الإنفاق على أولاده وزوجته، بحكم امتلاكه القوة العضلية، والقدرة على تحمُّل مشقة العمل.

وبعبارة أخرى، لا ينبغي تغييب عنصر الأسرة في منظورنا إلى الرجل والمرأة، بوصفهما نوعين مختلفين، ومتكاملين في آنٍ واحد؛ بمعنى أن «سيمون دي بوفوار» نظرت إلى المرأة بوصفها «فردًا»، ونحن ننظر إلى المرأة والرجل بوصفهما كائنين بشريين يُكمِّل كلٌّ منهما دور الآخر، فنحن ننتصر للأسرة أولًا.

ثم ننظر إلى مفهوم فردية المرأة، الذي تُلِحّ عليه «بوفوار» وكل دعاة النسوية، بأن تُطوّر المرأة قدراتها، وتعمل لتنفق على ذاتها، وهذا أمر لا خلاف عليه، فمن حق المرأة، أيّ امرأة، أن تتعلَّم، وتنمّي مهاراتها، وقدراتها، وأن تعمل وتحصل على أجر، سواء كانت متزوجة -بإذن زوجها- أم غير متزوجة -بإذن وليّها-، ولكن لا يكون هدفها هو الندية مع الرجل، ولا أن يتم دعم الفردية ضد الأسرة، فالنتيجة كما نراها الآن في الغرب، وأيضًا في الشرق تتمثل في وجود تفكك أُسَري، وظهور أمهات بلا أزواج، وأطفال بلا آباء (شرعيين)، وتعاظم الفردانية على مستوى الرجال والنساء، وإماتة القِيَم الأسرية ودفء العائلة. ناهيك عن المشكلات النفسية الناتجة عن الإغراق في الفردية، وحياة الوحدة، والتصورات المادية، والفوضوية المجتمعية، وتعظيم اللذائذ الجسدية، وسيادة النرجسية، فيصبح الإنسان الفرد هو الحَكَم على كل شيء، وهو المرجعية لكل قيمة، وتصبح المرأة الفرد لا المرأة والرجل معًا، ولا الأسرة والأولاد- هي الأساس في الفلسفات النسوية، التي جعلتها حِكرًا على المرأة الفرد.

 وهو ما رفضه الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي (1912- 2012م)، وذكر أن الرؤية المثالية الفردانية تسجن الفيلسوف (المفكر، أو الفرد) داخل نطاق وَعْيه الخاص، ضِمْن إحساسه وفِكره وفِعْله، كدودة القز في شرنقتها التي نسجتها بنفسها، وللخروج من هذا النطاق، يجب اكتشاف شيء آخر، ما وراء الإحساس، والفكر، والفعل، فإن لم يكن هذا الشيء الآخر هو المادة؛ إذن فهو الله»[3].

وهذا تنبيه على أن الفردانية في الفكر الغربي الحديث، تعني تخلّي الإنسان عن المرجعية الدينية (الإيمان بالله وأخلاق الدين وأوامره)، وأيضًا المرجعية المجتمعية (الأعراف والقِيَم)، ويصبح منطلق الفرد ذاته، وأمله هو أيضًا ذاته، يحكم برغباته وحواسه، ويتخذ من نفسه إلهًا، لذا، فإن جارودي يعود ليُؤكّد، ومن منطلق فلسفي، وبعد تطواف في مقولات الفلاسفة، بأن كل ما هو خارج المادية هو المثالية الذاتية (مرجعية الفرد)، أو الدين (مرجعية الله)[4]، أي كل ما هو بعيد عن المادية في الحياة والواقع والمجتمع يعني أمرين: إما اللجوء إلى الله، واستلهام قِيَم الدين ومرجعيته، وإما ترك النفس إلى هواها ورغائبها وتقلُّباتها، وهو ما فعلته النسوية مستندة إلى الإرث العلماني الغربي، بإقصاء مرجعية الدين عن مفاهيمها، والاكتفاء بالمرجعية الفردية، أو بالأدق النسوية، دون أدنى نظر إلى الإرث المجتمعي والقيمي عن دور المرأة والأسرة.


 


[1] الجنس الآخر، سيمون دي بوفوار، ترجمة: ندى حداد، الأهلية للنشر والتوزيع، الأردن، د.ت، ص18- 20.

[2] الجنس الآخر، ص53.

[3] ما هي المادية؟ روجيه جارودي، ترجمة: محمد عيتاني، دار المعجم العربي، بيروت، 2005م، ص12.

[4] االمرجع السابق، ص49.

 

 

أعلى