تواجه تركيا تحديدات معقدة بين دور الوسيط الذي يسعى لإطفاء شرارات الحرب التي من الممكن أن تمد إليها، وبين التجهز تجاه أي انزلاق في دوائر الحرب التي تبدو أن تتوسع لتشمل المنطقة بأكملها
في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة
وتتصاعد فيها حدة الاستقطاب، تجد تركيا نفسها أمام اختبار معقد يضعها بين خيارين
أحلاهما مر، إما الانخراط في تداعيات حرب آخذة في الاتساع أو السعي الحثيث
لاحتوائها قبل أن تطرق أبوابها، فالمواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل
من جهة وإيران من جهة أخرى، لم تعد مجرد جولة جديدة من الصراع بل تحولت إلى نقطة
مفصلية مرشحة لإعادة تشكيل توازنات المنطقة برمتها سياسيًا وأمنيًا، وفي هذا السياق
لا تنظر أنقرة إلى ما يجري بوصفه تطورًا بعيدًا عنها بل كملف يمس أمنها القومي بشكل
مباشر، سواء عبر احتمالات توسع رقعة الحرب أو تداعياتها على الحدود أو انعكاساتها
على ملفات حساسة في الإقليم، ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تستطيع تركيا الحفاظ
على موقعها كطرف موازن ووسيط أم أن تعقيدات المشهد ستدفعها
–
طوعًا أو كرهًا
–
إلى قلب الصراع؟
وساطة تركية نشطة.. دبلوماسية تتحرك بلا توقف
منذ اندلاع الحرب لم تكتفِ تركيا بالمواقف السياسية بل انخرطت في جهد دبلوماسي مكثف
أقرب إلى
“النشاط
المكوكي”
هدفه الأساسي فتح نافذة تفاوض بين واشنطن وطهران قبل أن تنغلق تمامًا، وفي هذا
الإطار يقود وزير الخارجية التركي هاكان فيدان سلسلة اتصالات متواصلة مع نظرائه في
عدة دول خاصة في باكستان ومصر، في مسعى لتشكيل مسار جماعي يضغط باتجاه التهدئة.
الاتصالات التي أجراها فيدان مع وزيري خارجية باكستان ومصر على وجه الخصوص لم تكن
بروتوكولية بل حملت مضمونًا عمليًا يتمثل في تنسيق الجهود لبدء مسار تفاوض مباشر
والدفع
نحو بديل سياسي يوقف النزيف العسكري، هذا التحرك الثلاثي يعكس إدراكًا مشتركًا بأن
استمرار الحرب لن يقتصر أثره على أطرافها المباشرين، بل سيتحول إلى أزمة إقليمية
واسعة قد تمس استقرار عدة دول في مقدمتها تركيا.
ولم تتوقف الوساطة عند حدود الاتصالات بل امتدت إلى تبادل مقترحات، من بينها نقل
باكستان مقترحًا أمريكيًا لوقف إطلاق النار إلى طهران، ما يشير إلى أن تركيا ليست
مجرد وسيط بل جزء من شبكة دبلوماسية متعددة الأطراف تعمل على بلورة مخرج سياسي
للحرب.
ويُذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد أمهل إيران
48
ساعة لفتح مضيق هرمز قبل أن يمددها لخمسة أيام ثم
10 أيام إضافية، متوعدًا
بضرب محطات الكهرباء والطاقة الإيرانية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب قبل
انقضاء هذه المهل جميعًا.
الحذر التركي.. خطاب محسوب لتجنب الانزلاق
في موازاة هذا الحراك الدبلوماسي المكثف تتبنى القيادة التركية خطابًا يتسم بالحذر
الشديد، فالرئيس التركي أردوغان ومعه وزير الخارجية فيدان شددا مرارًا على أن هذه
الحرب لا تهدد أطرافها فقط بل
“تهدد
السلم الدولي” ويدفع
العالم كله ثمنها.
هذا الحذر لم يكن نظريًا بل تجسد عمليًا في طريقة تعامل تركيا مع حادثة سقوط
3
صواريخ داخل الأراضي التركية أُطلقت من إيران وكانت تستهدف قاعدة إنجرليك الواقعة
في ولاية أضنة، وذلك قبل أن تتمكن أنظمة الدفاع الجوي التابعة لحلف الناتو من
إسقاطها، ورغم حساسية هذه الحوادث حرص الخطاب الرسمي التركي على التأكيد أن الأراضي
التركية لم تكن الهدف المباشر، في محاولة واضحة لتجنب التصعيد أو الانجرار إلى
مواجهة مفتوحة.
وفي السياق ذاته
عززت تركيا جاهزيتها الدفاعية بشكل ملحوظ، حيث أعلنت وزارة الدفاع التركية في 10
مارس الجاري نشر منظومة الدفاع الجوي “باتريوت” في ولاية ملاطيا جنوبي البلاد،
كما أعلنت أيضًا بعدها بأيام قليلة وتحديدًا في
18
مارس الجاري عن نشر منظومة إضافية من الطراز ذاته تابعة لألمانيا في ولاية أضنة ضمن
إطار حلف الناتو، وذلك في خطوة تهدف إلى رفع مستوى حماية المجال الجوي التركي في ظل
تصاعد التوترات الإقليمية، بما يقلل من احتمالات تكرار مثل هذه الحوادث أو تحولها
إلى ذريعة للتصعيد.
هذا التوازن بين الردع دون التصعيد يعكس استراتيجية تركية واضحة تتمثل في حماية
الأمن القومي دون الانخراط في الحرب مهما كانت الاستفزازات.
استهداف ناقلة نفط تركية.. رسالة ضغط أم محاولة جر إلى الصراع؟
في تطور لافت يحمل أبعادًا تتجاوز كونه حادثًا أمنيًا معزولًا، أفاد وزير النقل
التركي عبد القادر أورال أوغلو صباح يوم الخميس الماضي بإصابة ناقلة نفط تديرها
شركة تركية بهجوم في مياه البحر الأسود، يُرجح أنه نُفذ بواسطة مركبة بحرية مسيّرة،
وأوضح الوزير التركي في مقابلة تلفزيونية أن السفينة التي ترفع علمًا أجنبيًا
وتديرها شركة تركية كانت قد حمّلت نفطًا خامًا من روسيا وأبلغت عن وقوع انفجار بعد
منتصف الليل، مضيفًا: "نعتقد أن حجرة المحرك كانت هي المستهدفة بالهجوم الذي نُفذ
بواسطة مركبة سطحية مسيّرة".
أفاد تقرير لقناة "إن تي في" التركية بأن الناقلة المستهدفة تحمل اسم "ألتورا" (Altura)، وقد وقع الهجوم على بعد
نحو
28
كيلومترًا من مضيق البوسفور قبالة سواحل إسطنبول، وذكرت التقارير الفنية أن
الانفجار وقع في برج قيادة الناقلة وأصاب غرفة المحركات التي غمرتها المياه جراء
الاستهداف، لكن المصادر أكدت أن طاقم السفينة المكون من
27 شخصًا بخير ولم يُصب
بأذى.
تكمن خطورة هذا الحادث في توقيته ومكانه، إذ يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول ما
إذا كان استهداف أصول مرتبطة بتركيا يندرج ضمن محاولات غير مباشرة للضغط عليها أو
حتى جرها إلى صراع إقليمي متسع، فاستهداف سفينة تديرها شركة تركية قرب أحد أهم
الممرات البحرية في العالم لا يمكن فصله عن سياق أوسع تتداخل فيه الحسابات الأمنية
مع صراعات الطاقة، ما يضع تركيا أمام معادلة دقيقة تتمثل في الرد على تهديدات تمس
مصالحها الحيوية، لكن دون الانزلاق إلى مواجهة قد تتجاوز حدود هذا الحادث وتدفعها
إلى صراع لا ترغب في الانخراط فيه.
سيناريوهات التوريط.. كيف يمكن أن تُسحب تركيا إلى الحرب؟
رغم هذا الحذر تدرك تركيا أن الخطر لا يكمن فقط في
“التورط”
نتيجة تطورات عفوية بل يكمن أيضًا في
“التوريط”
المتعمد عبر سيناريوهات قد تدفعها قسرًا إلى ساحة الصراع، ويمكن تلخيص أبرز هذه
السيناريوهات في أربعة مسارات رئيسية:
1. الاستهداف المباشر للأراضي التركية
فأي هجوم يستهدف الأراضي التركية أو قواعد عسكرية داخلها مثل قاعدة إنجرليك، قد
يفرض على أنقرة ردًا مباشرًا، ما يفتح الباب أمام انخراطها في الحرب.
2. توسع الحرب إقليميًا
في حال اتسعت رقعة الصراع لتشمل أطرافًا أخرى مثل اليونان أو قبرص، قد تجد حينها
تركيا نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها التدخل لحماية مصالحها.
3. سيناريو الفوضى داخل إيران
تخشى تركيا من انهيار الاستقرار داخل إيران أو تقسيمها، خاصة إذا ترافق ذلك مع
إحياء الورقة الكردية وهو ما تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وقد يدفعها إلى
تدخل وقائي.
4. انخراط حلف الناتو
إذا تطورت الحرب إلى مستوى يهدد المصالح الدولية الكبرى مثل إغلاق مضيق هرمز، فقد
يتدخل حلف الناتو ما يضع تركيا
–
كعضو فيه
– أمام
التزام صعب بين موقفها المستقل والتزاماتها التحالفية، وهو خيار أراه مستبعدًا بشكل
كبير حيث تتمايز تركيا في أحيان كثيرة عن مواقف باقي أعضاء الحلف، ففي حالة الحرب
في أوكرانيا مثلًا لم تشارك فيها تركيا بشكل مباشر ولم تساهم في العقوبات الغربية
على روسيا.
هذه السيناريوهات مجتمعة تجعل تركيا في حالة يقظة استراتيجية دائمة، حيث تراقب
التطورات بدقة وتستعد لأسوأ الاحتمالات دون أن تفقد أملها في الحل السياسي
والدبلوماسي.
بين الواقعية والطموح.. هل تنجح الوساطة التركية؟
رغم النشاط الدبلوماسي المكثف تدرك تركيا أن نجاح الوساطة ليس مضمونًا، إذ أظهرت
التجارب السابقة خاصة في عهد الرئيس الأمريكي ترامب أن مسارات التفاوض قد تنهار في
أي لحظة، بل قد تتزامن أحيانًا مع تصعيد عسكري بدلًا من أن توقفه، ومع ذلك تمتلك
تركيا مجموعة من الأوراق التي قد تعزز فرصها، فهي تحافظ على علاقات متوازنة نسبيًا
مع كل من واشنطن وطهران، وتتمتع بخبرة سابقة في الوساطة وإدارة الأزمات إلى جانب
قبول نسبي من الطرفين كوسيط لا يُنظر إليه على أنه منحاز بشكل كامل.
لكن في المقابل تواجه هذه الجهود تحديات معقدة، أبرزها انعدام الثقة العميق بين
الأطراف وتباين الأهداف الاستراتيجية، فضلًا عن وجود قوى قد لا ترى في إنهاء الحرب
مصلحة فورية لها مثل إسرائيل، لذلك يمكن القول إن الوساطة التركية فرصة حقيقية لفتح
نافذة نحو التهدئة، لكنها تظل محفوفة بالمخاطر ولا تملك ضمانات كافية لإغلاق ملف
الحرب بشكل نهائي.
كلمة أخيرة
في خضم هذا المشهد المعقد تبدو تركيا وكأنها تسير على حبل مشدود: وسيط يسعى لإطفاء
الحرب، ودولة مهددة بالانزلاق إليها، وبينما تكثف أنقرة جهودها الدبلوماسية
بالتعاون مع شركائها، فإنها في الوقت ذاته تعزز دفاعاتها وتراقب كل السيناريوهات
المحتملة.
الرسالة التي تحاول تركيا إيصالها هي أننا لسنا طرفًا في هذه الحرب لكننا لن نكون
ضحية لها أيضًا، وبين هذا الموقف الحذر والطموح الدبلوماسي يتحدد مستقبل الدور
التركي في واحدة من أخطر أزمات المنطقة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح تركيا في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لتعزيز موقعها
كوسيط إقليمي أم أن تعقيدات الصراع ستفرض واقعًا جديدًا يتجاوز قدرتها على
المناورة؟ الأيام المقبلة وحدها تحمل الإجابة.