مصرع ابن لادن يزيد شكوك أمريكا تجاه باكستان

مصرع ابن لادن يزيد شكوك أمريكا تجاه باكستان

 كتبت جين بيرليز في جريدة النيويورك تايمز مقالاً(1) في يوم 2 مايو 2011 بعد ساعات من مصرع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، تقول فيه أن مصرع أسامة بن لادن داخل الأراضي الباكستانية في عملية أمريكية، وفي مبنى على مرأى من الجميع داخل مدينة متوسطة السكان تأوي أعدادًا كبيرة من القوات الباكستانية، يبدو أنه سوف يؤدي إلى مزيد من التوترات في العلاقات الباكستانية الأمريكية وسوف يطرح عدة أسئلة بشأن إذا كانت وكالات الاستخبارات الباكستانية تعلم مكان زعيم تنظيم القاعدة أم لا.

  وتضيف الكاتبة أن وجود أسامة بن لادن في باكستان، وهو الشيء الذي طالما أنكرته باكستان، وكان يمثل ذروة فقدان الثقة بين الجانبين حيث طالما طرحت واشنطن تلك القضية مرارًا وتكرارًا مع إسلام آباد في السنوات العشر الماضية مع حليفها الذي وصفتها الكاتبة بأنه "مشاكس" وهو الجيش الباكستاني ووكالة الاستخبارات التابعة له. ومع مصرع ابن لادن فإن السبب المركزي لعقد التحالف الذي نشأ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد زال الآن، في تلك اللحظة التي تصل فيها العلاقات بين البلدين إلى أدنى مستوياتها؛ لأن مصالح البلدين الاستراتيجية كانت متعارضة حول شكل أفغانستان بعد الحرب.

فلما يقرب من عشر سنوات كانت أمريكا تدفع لباكستان أكثر من مليار دولار سنويًا لعمليات مكافحة الإرهاب التي كان هدفها الرئيس هو قتل ابن لادن أو القبض عليه، والذي هرب عبر الحدود من أفغانستان بعد الغزو الأمريكي. ولكن ظروف مصرع ابن لادن لن تؤدي فقط إلى التهديد بوقف تلك المساعدات، ولكنها بلا شك سوف تعمق أيضًا من الشكوك بأن باكستان كانت تلعب لعبة مزدوجة، وربما كانت تأوي زعيم تنظيم القاعدة أو على علم بمكانه.

فابن لادن لم يقتل في المناطق القبلية النائية التي بلا سلطة للدولة، والتي شنت فيها الولايات المتحدة حملات متعددة بالطائرات المسيرة التي كانت تستهدف المسلحين من القاعدة، والتي كان يعتقد منذ فترة طويلة أنه لجأ إليها، وحيث كانت قدرة الحكومة الباكستانية على البحث فيها محدودة، ولكن ابن لادن قتل في أبوت آباد، وهي مدينة تأوي نصف مليون نسمة، وفي مجمع سكني كبير وعالي التأمين، بحسب تصريحات أحد سكان المدينة، وذلك المجمع السكني يقارب الأكاديمية العسكرية هناك. ومن المفارقة أن تلك الأكاديمية قد زارها الشهر الماضي رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال أشفق برفيز كياني، والذي زعم ان باكستان "حطمت" قوى الإرهاب، ذلك التصريح الذي قوبل بشكوك من واشنطن.

وبالإضافة إلى ذلك فإن المدينة تأوي قوات باكستانية متعددة، ثلاثة أفواج مختلفة ووحدة من فيلق الإعانة الطبية العسكرية، وطبقًا لبعض التقارير فإن ذلك المجمع وحوائطه العالية وبواباته الإليكترونية ربما بنيت خصيصًا لزعيم القاعدة عام 2005، وهي مهمة غامضة تمت في جزء من المدينة يصفه السكان بأنه "عالي التحصين". فقد تم إلقاء القبض على أحد عملاء القاعدة وهو الإندونيسي عمر باتيك، المتورط في تفجيرات بالي في عام 2002، في منزل في المدينة ذاتها آبوت آباد في فبراير حيث كان يحميه أحد عملاء القاعدة، والذي كان يعمل موظفًا في مكتب بريد المدينة.

وقد استدر مصرع ابن لادن في ذلك المكان اتهامات مضادة من جارتها أفغانستان، وقال عمرالله صالح المدير السابق للاستخبارات الأفغانية ومن أحد أشد معارضي باكستان: "إن التحدي الأساسي هو كيف سيعامل الغرب باكستان بعد الآن"؟ ولكن حتى الآن من غير الواضح إذا كان وجود ابن لادن في آبوت آباد كان بتواطؤ رسمي باكستاني أم بدون علمها وفقط نتيجة جهل السلطات هناك.

كما أن القبض على اثنين من كبار قادة القاعدة في باكستان في السابق، وهما خالد شيخ محمد وأبو زبيدة في السنوات التي تلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر توضح بجلاء أن باكستان، وهي دولة كبيرة بسكان متعاطفين بصورة كبيرة مع القاعدة، من السهل الاختباء فيها، بالرغم من إنكار باكستان، ولكن تلك العمليات المشتركة في القبض على عملاء وقادة القاعدة لم تكن متاحة للولايات المتحدة في السنوات القليلة الماضية.

فعلى الأقل فإن مصرع ابن لادن الآن في باكستان سوف يسبب حرجًا كبيرًا لمؤسستي الجيش والاستخبارات الباكستانية، فبعدما تم الإعلان رسميًا عن مصرع ابن لادن في باكستان، أكد أحد كبار قادة الاستخبارات الباكستانية مقتله ولكنه أصر بعد ذلك، وخلافًا لبيان الرئيس الأمريكي باراك أوباما، أنه قتل في عملية مشتركة بين أمريكا وباكستان، فيما يبدو أنها محاولة منه ليظهر أن باكستان كانت على علم بالعملية مسبقًا.

ففي يوم الاثنين التقى كل من الجنرال كياني والرئيس آصف علي زرداري ورئيس الاستخبارات الباكستانية الجنرال أحمد شوجا باشا في إسلام آباد ولكن لم يصدروا أي بيانات إلا بعد ست ساعات كاملة من إعلان أوباما مصرع ابن لادن.

وقد بدا أن الجنرال كياني كان أقل حماسًا بشأن التحالف مع الولايات المتحدة لأنه يتعرض لضغوط من كبار جنرالاته، طبقًا لمسئولين باكستانيين كانوا على علاقة وطيدة بالجيش الباكستاني، فما يقرب من نصف قادة الفيلق الحادي عشر، وهم الجنرالات الذين يشكلون القيادة العليا للجيش، كانوا يتساءلون حول الحكمة من ذلك التحالف، طبقًا لمسئولين كبار في باكستان. وبدا أن بعضًا من الضباط الصغار ومتوسطي الرتب ـ من الضباط برتبة نقيب ورائد ـ كانوا أكثر تعاطفًا مع المسلحين من فكرة قتالهم، كما صرحت تلك المصادر.

فقد لعبت الحكومة والجيش الباكستانيين دورًا موازنًا دقيقًا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ما بين الدعم الواضح للولايات المتحدة في هدفها للتخلص من القاعدة، وما بين المشاعر الباكستانية المحلية التي بدت أنها متعاطفة مع المسلحين. فقد أظهر استطلاع لمركز "بيو" أجري في باكستان في أوائل 2010 أن فقط 3% من الباكستانيين يعتقدون أن القاعدة تمثل تهديدًا في حين أن 68% من الباكستانيين كانوا يحملون رؤى سلبية تجاه الولايات المتحدة.

وبعدما قام أحد المتعاقدين مع الاستخبارات المركزية الأمريكية، وهو ريموند ديفيز، بقتل اثنين من الباكستانيين في وضح النهار في يناير في مدينة لاهور، تحول الميزان ضد الولايات المتحدة في المشاعر والاتجاهات الشعبية الباكستانية، ففي أعقاب عملية القتل طالب الجنرال كيان من الجيش الأمريكي أن يخفض من عدد فريقه لتدريب الجيش الباكستاني على العمليات الخاصة، وطالب الأمريكيين بأن يخرجوا متعاقدي الاستخبارات الأمريكية من باكستان، بالإضافة إلى أفراد الاستخبارات المركزية الذين يديرون حملات الطيرات المسيرة من القواعد الجوية في جنوب بلوشستان، بحسب تصريحات من مسئول أمريكي. وقد صرح أن عمليات الطائرات المسيرة ضد المسلحين في مناطق القبائل، والتي يقول المسئول الأمريكي أنها كانت فعالة للغاية، سوف تستمر بالرغم من الاعتراضات الباكستانية.

ومن أحد أهم أسباب الخلاف أيضًا كان رفض الجيش الباكستاني الاستجابة إلى مناشدات الولايات المحدة بتدمير إحدى الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة المعروفة باسم شبكة حقاني، والتي أطلقت السلطات الباكستانية يدها في شمال وزيرستان.

ومنذ أسبوعين، وقبل لحظات من لقاء الجنرال كياني في إسلام آباد، انتقد رئيس هيئة الأركان الأمريكي الأدميرال مايك مولن علانية الجيش الباكستاني لسماحه بشبكة حقاني بأن تعبر الحدود بحرية من المناطق القبلية الباكستانية إلى أفغانستان وتقتل جنودًا أمريكيين ومن قوات الناتو.

وقد كان ابن لادن من أحد أسباب التوتر أيضًا، ولكنه زال الآن، وبعض المسئولين الأمريكيين يتوقعون أن المسئولين الباكستانيين داخل وكالة الاستخبارات كانوا يعلمون أين مكان ابن لادن، ولكن عندما كانوا يسئلون عن ذلك فكان مسئولي الاستخبارات الباكستانية دائمًا ما يعطون الإجابة ذاتها: لقد قتل ابن لادن، أو يصرون على أنهم لا يعلمون مكانه، لذا فإن مناخ عدم الثقة ذلك بلا شك أنه سوف يلقي بظلاله على مستقبل العلاقات الأمريكية الباكستانية خاصة بعد مصرع ابن لادن.



(1)  http://www.nytimes.com/2011/05/03/world/asia/03pakistan.html?_r=1&hp



أعلى