البيان/وكالات: تعتبر استقالة وفيق صفا، مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في "حزب الله"، بمثابة حدث غير مسبوق في تاريخ التنظيم الشيعي الذي لطالما حافظ على هيكلية قوية وسرية محاطة بالتكتم، إذ يُعد الخروج العلني لمثل هذه الشخصيات القيادية بمثابة زلزال تنظيمي يعكس تغييرات عميقة داخل الحزب، بل يمكن القول إن هذه الاستقالة تُعد بمثابة نقطة تحول جوهرية في مسار الحزب السياسي والأمني. ففي وقت سابق، كان يُعتبر مغادرة المسؤولين الكبار من الحزب أمرًا شبه مستحيل، خاصة في ظل غياب المعلومات الدقيقة عن الحزب ودوره في الصراعات الدائرة في المنطقة.
وفيق صفا هو أحد أبرز الشخصيات التي لعبت دورًا محوريًا داخل الحزب على مدار سنوات، وهو شخصية تتمتع بتاريخ طويل ومعقد، إذ كان مسؤولاً عن إدارة العلاقة بين "حزب الله" وبين الدولة اللبنانية والأجهزة الأمنية، كما كانت له أدوار عديدة تتعلق بالوساطات والتهدئة بين مختلف الأطراف اللبنانية، فضلاً عن كونها قنوات الاتصال غير الرسمية مع خصوم الحزب أو حلفائه في ملفات متعلقة بالأمن والإستراتيجية. كان يُنظر إليه باعتباره "صندوق أسود" للحزب، ويمثل نوعًا من الحلقة الوسطى بين القيادة العسكرية والسياسية للحزب وبين الأجهزة الأمنية اللبنانية الرسمية، بما فيها الأمن العام، قوى الأمن الداخلي، ومخابرات الجيش اللبناني.
ومنذ دورته الأولى في الحزب، كان صفا يترأس وحدة الارتباط والتنسيق التي أُسست لتحسين التعاون بين الحزب والحكومة اللبنانية في مواضيع أمنية، بالإضافة إلى التنسيق في الملفات الحساسة مثل التحقيقات الأمنية والتعاون مع القضاة والوسطاء السياسيين. فهو كان يتحمل أعباء إدارة قنوات تواصل خاصة تتعلق بتبادل الأسرى والجثامين، التهدئة بين الفصائل المتناحرة، والوساطات السياسية السرية، مما جعله واحدًا من الوجوه المألوفة في الهيكل الأمني للحزب. ولطالما كان يُطلق عليه لقب "وزير الأمن السياسي" بسبب دورته التي تشمل التنسيق بين القوى السياسية والاجتماعية والأمنية داخل لبنان، إلى جانب التنسيق مع الفصائل المسلحة المدعومة من إيران.
لكن هذه الاستقالة تأتي في وقت يمر فيه "حزب الله" بمرحلة تحولات حاسمة بعد "حرب الإسناد" ضد الدولة العبرية التي بدأت في أكتوبر 2023، إذ أكدت العديد من التقارير على أن نتائج الحرب كانت محبطة بالنسبة للحزب، بل إن الحرب انتهت إلى سلسلة من الخسائر العسكرية والبشرية. كما أن الإخفاقات العسكرية وتداعياتها على الصعيد الأمني والإعلامي قد عرّت الوضع الداخلي للحزب. وكان من بين النقاط الجوهرية التي أثيرت في الفترة الأخيرة، تراجع الصورة الإعلامية للحزب في الداخل اللبناني وخارجه، خاصة بعد تصفية الجيش الصهيوني للعديد من قادة الحزب ومسلحيه على جبهات القتال.
الاستقالة لا يمكن فهمها بمعزل عن تأثير الحرب وانعكاساتها العميقة على الحزب، فقد جاء هذا التطور في وقت بدا فيه الحزب في أزمة تنظيمية غير مسبوقة، مع ازدياد الدعوات للتغيير في نهجه بعد الخسائر الأخيرة، حيث لم يكن الوضع كما كان عليه قبل الحرب، وقد بدا أن الحزب لم يعد قادرًا على تحمل الكلفة السياسية والتنظيمية المترتبة على استمرار هيكله التقليدي.
صفا، الذي كان من المقربين جدًا من الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، كان يعتبر من الركائز الأمنية والتنظيمية الأساسية للحزب. لكن بقبول استقالته، يشير الحزب إلى وجود تحولات داخلية، حيث أصبح من الواضح أن القيادة قد بدأت في عملية إعادة هيكلة وتصفية بعض الأعباء التي فرضتها الفترة السابقة على الحزب. وقد تكثفت الشكوك حول فعالية العديد من القيادات السابقة في التأثير على الأحداث الداخلية والخارجية، وهو ما يعكس ضغوطًا داخلية متزايدة لإجراء تغييرات قد تمس الركائز الأساسية للتنظيم.
ما يعزز هذه الفرضية هو الإشارة إلى أن صلاحيات وفيق صفا قد تقلصت بشكل ملحوظ منذ عدة أشهر، على الرغم من أنه كان يحظى بثقل عسكري وأمني داخل الحزب. فقد تم نقل صلاحياته إلى حسين أبو رضا، المعروف باسم "الحاج ساجد"، الذي يتوقع البعض أن يكون خليفته في القيادة التنظيمية داخل الحزب. وعلى الرغم من أن الحزب لم يُصدر بيانًا رسميًا يوضح الهوية الجديدة لمن سيتولى منصب صفا، إلا أن معظم التسريبات تشير إلى أن حسين العبدالله أو حسين بردى سيحل محله.
ما يمكن استنتاجه من هذه الاستقالة هو أن "حزب الله" يعيش حاليًا مرحلة إعادة تموضع، حيث يبحث التنظيم عن تخفيف الحدة الأمنية والحد من استخدام الأساليب التقليدية التي اعتمدها خلال الفترة الماضية. ويبدو أن الحزب، على الرغم من عدم اعترافه بالهزيمة في الحرب، قد بدأ بالفعل في تنفيذ إجراءات تنظيمية تسعى لتقليص الواجهات الصدامية وضبط العلاقة مع الداخل اللبناني، وهو ما يتطلب تغييرات في الوجوه الأمنية البارزة مثل وفيق صفا.