البيان/ متابعات: تصريحات رئيس وزراء هنغاريا، فيكتور أوربان، الأخيرة أكدت بأن عصر توسع حلف شمال الأطلسي شرقا قد انتهى وأن أوكرانيا يجب أن تبقى منطقة عازلة بين روسيا والغرب، تشكل مدخلاً لفهم التوازن الجديد في العلاقات الأوروبية مع النزاعات الخارجية. أوربان يرى أن القوة الروسية الحالية قادرة على فرض نفوذها، وأن أي توسع للناتو شرقاً أصبح غير ممكن، ما يجعل أوكرانيا عنصر ضغط على الاتحاد الأوروبي أكثر من كونها حلاً استراتيجياً. الموقف الهنغاري يتقاطع مع واقع الحرب الأمريكية على إيران، حيث تظهر القارة تردداً واضحاً في المشاركة العسكرية المباشرة، مع تحفظات ومقاطعة جزئية تعكس رغبة الدول الأوروبية في حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، بعيداً عن تكاليف النزاع.
أوربان لم يكتفِ بقراءة الواقع العسكري والجيوسياسي، بل أشار إلى تأثير المصالح الاقتصادية على استدامة النزاعات، معتبراً أن "كلاب الحرب" من شركات السلاح والطاقة والبنوك تضغط لاستمرار النزاع في أوكرانيا، وهو انتقاد صريح لطبيعة التحالفات والضغوط التجارية على القرار السياسي الأوروبي. ويضيف أن التركيز يجب أن يكون على تعزيز القوات المسلحة الأوروبية نفسها، وليس الانغماس في صراعات بعيدة تؤدي إلى إضعاف القارة.
الواقع الذي يرسمه أوربان يوضح أن هنغاريا، بفضل نتائج الانتخابات الأخيرة، هي الدولة الوحيدة بين دول الاتحاد الأوروبي التي لم تستعد حالياً للحرب، بينما بقية الدول تتحرك نحو التصعيد العسكري والاستعداد لتداعيات النزاع. هذا الاختلاف يعكس الانقسامات داخل أوروبا حول دورها في النزاعات الإقليمية ويظهر هشاشة القدرة الأوروبية على الانخراط في صراعات خارجية معقدة مثل أوكرانيا أو إيران.
انعكاسات هذا الموقف على التوازن بين الأطراف واضحة، إيران تعزز نفوذها الإقليمي وتفرض معادلات تهديدية تحد من حرية الحركة الأمريكية؛ الولايات المتحدة تواجه صعوبة في حشد الدعم الأوروبي الكامل، ما يضعف خياراتها العسكرية؛ أوروبا تحاول إدارة توازن صعب بين دعم الحلفاء الأمريكيين والحفاظ على مصالحها الداخلية؛ وأوكرانيا تبقى منطقة عازلة جغرافياً واستراتيجياً، تتأثر بالضغوط الأمريكية والواقعية الأوروبية على حد سواء.
في المجمل، قراءة أوربان تعكس تحولاً في الاستراتيجية الأوروبية من الانخراط المباشر في النزاعات الخارجية إلى إدارة الحروب بالوكالة والتوازن الدبلوماسي، مع التركيز على الأمن القاري والمصالح الوطنية، ما يعيد رسم أولويات أوروبا في مواجهة النزاعات الإقليمية.