البيان/متابعات: ملفات جيفري إبستين ليست مجرد سجل جنائي يخص مليارديرًا مدانًا بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل أصبحت خلال السنوات الماضية أحد أكثر الأرشيفات إثارة للجدل السياسي والإعلامي الدولي. وفي أوائل عام 2026، أعادت وزارة العدل الأمريكية نشر كمية هائلة من الوثائق المتعلقة بالقضية، ما أعادها إلى واجهة الصراع السياسي والفضاء الجيوبوليتيكي العالمي.
حتى الآن، أفرجت واشنطن عن أكثر من 3 ملايين صفحة من الوثائق والمراسلات والصور والمقاطع المصوّرة التي تُعرف بـ«ملفات إبستين». لكن التقديرات الرسمية تشير إلى وجود نحو 6 ملايين وثيقة إضافية لم يتم الكشف عنها بعد، ما يبرّر استمرار المطالبات الدولية والمحلية بالكشف الكامل عن المحتوى.
تتراوح هذه الوثائق بين السجلات القانونية التقليدية، والمراسلات الشخصية، والمواد المصوّرة، والبيانات المالية، ما جعلها تمثل جهازًا معلوماتيًّا واسعًا قادرًا على سبر علاقات عديدة لكبار النخب السياسية والاقتصادية العالمية.
القيمة القانونية للأرشيف تمّ حسمها في معظم قضايا الاتجار الجنسي نفسها، بعد إدانة غيسلين ماكسويل وحكم بالسجن الفيدرالي بحقها. لذلك، فإن جانبًا من ردود الفعل الدائرة حول الوثائق الآن لا يتعلق بالجريمة نفسها بقدر ما يتعلق بـ "سياسات المعلومات" وأهداف إعادة توظيفها سياسيًا في سياقات انقسام داخلي أمريكي أو أزمة ثقة شعبية بالمؤسسات الحكومية.
في هذا السياق، يعود الاهتمام بهذه الملفات إلى أنها تتضمن أسماءً كثيرة ومراسلات ذات طابع سياسي أو اجتماعيلكن ذكر الاسم في وثيقة لا يعني بالضرورة وجود ادعاء قانوني أو جنائي قائم؛ وهو ما يشدد عليه محررو الوثائق عند التأكيد أن ورود الأسماء لا يثبت المخالفة تلقائيًا. ومنذ الإعلان عن الإفراج عن الأرشيف، ظهرت ادعاءات مرتبطة بأبعاد استخباراتية للملف، لا سيما حول احتمالات ارتباط إبستين بجهاز استخبارات أجنبي مثل الموساد الصهيوني. تستند هذه الروايات إلى صفحات من وثائق FBI التي تشمل ملاحظات عن مصادر سرية ذكرت أن إبستين تدرب في سياق بنشاطات استخباراتية وربما على صلة بالموساد، رغم أن هذه الادعاءات لم تُثبَت قانونيًا ولا تتوفر عليها بيانات مستقلة موثوقة حتى الآن. مثل هذه المزاعم استخباراتية الجنس مرتبطة غالبًا بسياقات الصراع على الرواية والهيمنة على السرد السياسي، إذ يستخدم البعض الإشارة إلى أجهزة استخبارات قوية كوسيلة لتغذية تصوّرات المؤامرة أو إعادة توجيه الانتباه عن جوانب أخرى من الصراع الدولي. وتبقى هذه المزاعم غير مثبتة في قضايا جنائية مستقلة أمام محاكم أمريكية أو دولية.
التحولات في إدارة الملفات من علاقة الوثائق القانونية بالضغط على رئيسيين سياسيين مثل ترامب داخل الولايات المتحدة، إلى التركيز الإعلامي على أسماء متعددة تشير إلى أن هذه الوثائق تحولت إلى أداة تسهم في تشكيل السرد العام. وقد يعود هذا الاستخدام إلى انقسامات محلية داخل النظام السياسي الأمريكي، أو إلى محاولات لاعبين عالميين لتوظيف الملف في موازنات النفوذ المعلوماتي.
كما أن المسار العام لكشف الوثائق أثار انتقادات واسعة حول مستوى الشفافية، الأخطاء في عملية النشر، والقلق من كشف بيانات الضحايا، ما دفع وزارة العدل إلى تعديل بعض الإجراءات وتصحيح بعض الأخطاء الفنية عقب ردود فعل نيابية وشعبية.
في النهاية، أصبحت ملفات "ايبيستن" مشروعًا معلوماتيًا متعدد الأبعاد: فهو ليس ملفًا جنائيًا فحسب، بل بؤرة تتقاطع فيها السياسة، والحياة الخاصة للنخب، والرغبة في استخدام المعلومات كأداة ضغط في ساحات سياسية وجيوبوليتيكية مختلفة. وقد يستمر تأثيره في المستقبل القريب، كـ مرجع لنقاشات أعمق حول كيفية إدارة المعلومات الحساسة، وتوظيفها في حلبة السياسة الدولية.