البيان/وكالات: تدفع التحولات الجيوبوليتيكية الراهنة في الشرق الأوسط دولًا كانت تُعد حلفاء تقليديين إلى إعادة بناء تحالفاتها في سياق منافسات استراتيجية جديدة. وقد أبرزت تحليلات عدة أن هذه التحالفات تتشكل كردّ فعل على تراجع الضمانات الأمنية التقليدية، خاصة تلك المرتبطة بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى صعود قوى إقليمية تسعى لتعزيز نفوذها وجعلها وسيطًا إقليميًا فاعلًا.
في مقال نشرته "إزفيستيا"، يتم رسم صورة لتشكّل كتلتين متناحرتين، إحداهما تحالفًا مدفوعًا بالمخاوف من توسّع النفوذ التركي، والأخرى قائمة حول ردع تلك القوة المتصاعدة. وفقًا لتحليل قمران غسانوف، طبيعة التحالفات لم تعد مرتبطة فقط بالتاريخ أو الولاءات التقليدية، بل باتت استجابة مباشرة لتحولات في ديناميات القوة الإقليمية والعالمية.
جزء من هذا التحول يبرز في التوجه الصهيوني نحو بناء علاقات أكثر استراتيجية مع الإمارات ودول خليجية أخرى، في محاولة لردع النفوذ التركي المتصاعد. هذا الاتجاه يعكس قراءة الدولة العبرية لتزايد المخاطر الإقليمية، لا سيما في ظل تغيّرات المواقف الأمريكية وتقليص واشنطن أحيانًا التزاماتها الأمنية التقليدية.
التحالفات القائمة أو المُحتملة تشمل توسيع التعاون الاقتصادي والأمني مع الإمارات العربية المتحدة، وهي علاقة أخذت طابعًا سياسيًا وعسكريًا متزايد الأهمية في السنوات الأخيرة. كما يجري الحديث عن تنسيق أعمق مع دول إضافية في شرق المتوسط وأوروبا، بما في ذلك اليونان وقبرص لتعزيز منظومة دفاعية متعددة الأطراف، في ما يُعرف أحيانًا بإعادة هندسة الشبكات التقليدية للحلفاء.
على الجبهة المقابلة، تظهر ديناميات تحالفات جديدة يقودها محور تركي–سعودي–باكستاني، ساعي لتشكيل رافعة ردع مستقلة. فقد شهدت المنطقة مؤخرًا تطورًا في العلاقات الدفاعية بين السعودية وباكستان عبر اتفاق دفاع استراتيجي مشترك يشمل اعتبار الاعتداء على أحدهما اعتداء على الآخر، ويعزز التعاون في مجالات الردع والتدريب العسكري.
التقارير تشير إلى أن تركيا تتجه نحو شراكة دفاعية موسعة مع السعودية وباكستان، وهو ما يمكن قراءته كخطوة استراتيجية لتعزيز موطئ قدم أنقرة في معادلات الأمن الإقليمي، وربما فتح باب انضمام دول إضافية مثل قطر.
إن هذا النمط من التحالفات لا يقتصر على العلاقات الثنائية فحسب، بل يُظهر مدى تأثر الحسابات الاستراتيجية للمنطقة بعوامل عدة مثل تراجع دور الحماية الأمريكية، وتحولات مواقف دول الخليج تجاه الأمن الجماعي في مواجهة تهديدات متغيرة، وتداخل مصالح القوى الخارجية كالصين وروسيا.
التحالفات المتنافسة لا يمكن فهمها بمعزل عن تغيّر البيئة الأمنية والسياسية الدولية. فبينما كانت الولايات المتحدة لفترة طويلة الضامن الرئيسي لأمن دول الخليج، فإن التراجع في بعض مراحل التدخلات أو الضمانات جعل دول المنطقة أكثر ميلًا إلى تنويع مصادر قوتها والتحالف مع شركاء آخرين.
كما تلعب الخلافات الثنائية بين دول الخليج نفسها دورًا في إعادة رسم المشهد، التنافس بين السعودية والإمارات، على سبيل المثال، يعيد تركيز السياسات الإقليمية بحيث يصبح لكل دولة مدى نفوذها وشبكاتها الخاصة، مما يؤدي إلى تعددية في التحالفات بدلًا من أُطر تقليدية موحدة.
ما يشير إليه الكاتب هو أن التنافس الحالي في تكوين التحالفات في الشرق الأوسط يعكس فقدان اليقين حول الضمانات الأمنية التقليدية، وإعادة اكتشاف دول المنطقة لطرق جديدة لتعزيز أمنها واستراتيجياتها. إن صعود تحالفين متنافسين أحدهما مرتبط بمحاور إقليمية وغربية، والآخر يسعى إلى بنية ردع مستقلة يُظهر أن الشرق الأوسط بات ميدانًا لتجارب جديدة في الهندسة الأمنية والسياسية، توازن بين القدرة الذاتية وحساب النفوذ الدولي.